نص الفتوى

مكتب شيخ الأزهـر    سجل بـدار التقريـب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قيل لفضيلته : إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم ، لكي تقع عبادته ومعاملاته على وجه صحيح ، أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة ، وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية ، فهل توافقون فضيلتكم على الرأي على إطلاقه فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الأثنا عشرية مثلاً ؟

فأجاب فضيلته :

1 إن الإسلام لايوجب على أحد من أتباعه إتباع مذهب معين ، بل نقول : إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً ، والمدوّنة أحكامها في كتبها الخاصة ، ولمن قلد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره أيّ مذهب كان ولاحرج في شئ من ذلك .

2 فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك ، وإن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة ، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب ، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى ، ويجوز لمن ليس أهلاً للنظر والأجهتاد تقليدهم ، والعكل بما يقررونه في فقههم ، ولافرق في ذلك بين العبادات والمعاملات .

وكتب سماحة الشيخ الأكبر إلى :

السيد صاحب السماحة العلامة الجليل الأستاذ محمد تقي القمي السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية :

سلام الله عليكم ورحمته ، أما بعد فيسرني ان أبعث إلى سماحتكم بصورة موقع فيها من الفتوى التي أصدرتها في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية راجياً أن احفظوها في سجلات دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي أسهمنا معكم في تأسيسها ووفقنا الله لتحقيق رسالتها ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1)

شيخ الأزهر

محمود شلتوت

***

ملاحظة

لقد كان جواب الشيخ الأكبر دقيقاً  وعلمياً وواقعياً ، وكان صدور الفتوى منه إيذاناً بعهد جديد تتحطم فيه أسوار الماضي والموروث القديم بكل ترسباته وأشكالاته .

إن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية خطوة متقدمة وشجاعة في سبيل تطوير المشروع الوحدوي ، إذ أن العمل وفق الأحكام الشرعية الإمامية دعوة شجاعة وتبين لرأي أسلامي عقلي عظيم . ولكن هذه الفتوى سببت للشيخ الأكبر إحراجاً واضحاً وحملات دعائية مغرضة من جماعات ظلامية ورجعية وغير مسؤولة ، نعم لقد تعرض الشيخ شلتوت ــ رحمه الله ـــ لموجات عنف إعلامية قادتها مجموعت إنتهازية وصولية جاهلية ومنافقة ، أدت إلى إتهام الشيخ شلتوت بمختلف التهم الباطلة التي تنم عن عقلية متخلفة بعيدة عن منطق الإسلام ونظرته الإنسانية الشمولية ، وقد أخذت التهم أشكالاً وألواناً شتى ، وكانت تعبيراً عن واقع موضوعي تعيشه المؤسسات الدينية وسلطاتها المرجعية الكهنوتية المتخلفة .

وباعتقادي أن الشيخ الأكبر لو أقام على فتواة الدليل الفقهي العلمي المستنبط من القواعد والأصول التشريعية لتمكن من سدّ الطريق أمام كثير من المتشنجين والمتصيدين في الماء العكر .

وعلى أية حال فالشيخ شلتوت ــ رحمه الله ــ قام بجهد جبار ، وساهم بشكل جدي في إيجاد الخطوة الأولى على طريق الوحدة الإسلامية ، والعمل على مقتضى قوله تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعاً } . ولكني أرى ، وبحسب علمي المحدود ، أنه لم يتصد احد من فقهاء الشيعة الإمامية ، والمنادين بالظاهر للوحدة الإسلامية ، لإيجاد الخطوة الثانية في مسيرة الوحدة ، أي لم يتصد احد من فقهاء الإمامية لبحث المسألة فقيهاً وأصولياً ، ومن ثم إبداء الرأي اللازم تجاهها ، جواباً على السؤال الذي رافقنا في مطلع بحثنا هذا .

إن الجواب لدى فقهاء السنة المتنورين واضح وصريح ، ولكنه من أجل إيجاد الوحدة يقتضي أن يجيب عليه فقهاء الشيعة ، من أجل هذا فإننا سنحاول ان نجد الجواب الذي يحقق الحد الأدنى من مشروع الوحدة الإسلامية ، فالشيعة مطالبون إذن برفع جميع أوجه التعصب والأنغلاق والأنقباض المذهبي ، وشرط ذلك أن يعترف فقهاء الشيعة بصحة عمل السني وفقاً لمذهبه ، إجتهاداً أو تقليداً ،

الحاصل عنده من خلال الأدلة والقواعد والأصول ، وإن العمل وفق ذلك مجزي ومبرئ للذمة امام الله .

لكي نجيب عن ذلك السؤال فلابد أن نطرحه معززاً بالدليل الأجتهادي الذي هو مورد أتفاق فقهاء الإمامية  .

فلو أن مسلماً سنياً قام بواجباته الشرعية والسلوكية ، حسب الأجتهاد أو التقليد المحرر لديه من الأدلة الشرعية الصحيحة  . فإن عمله مجزئ ومبرئ للذمة أمام الله بل هو مأجور عنده . وأما لو أخطأ فأنه معذور كذلك . ولكي نثبت صحة هذه الفتوى صناعياً وفنياً على ذلك بالأدلة التي تساعدنا في هذا المقام .

 

***

الدليل الأول :

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

حاء  في الحديث الصحيح المروي عن الإمام محمد الباقر (ع) أنه قال :

( بُني الإسلام على خمس الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، والولاية .. ) والولاية هنا تعني القيادة والحكومة .

وبما إن الصلاة والزكاة والحج والصوم من فرائض الإسلام الكبيرة التي يعمل بها الناس ، فكذلك الولاية تعتبر أيضاً من فرائض الإسلام الكبيرة ، ويجب أن يعمل المؤمنون بها ، أي يجب ان يقبلوا ولاية من يرضاه الله ورسوله (1) ويعملوا  على ضوء هدايته ، فكما أن الصلاة والزكاة والحج والصوم من الوظائف العملية الخاضعة للدليل الأجتهادي ، فالولاية أيضاً من الوظائف والتكاليف العملية التي يجب أن يعمل المؤمنون بها ، وذلك بأن يقفوا مع من يرضاه الله ورسوله ويعاضدوه ويحققوا حاكميته بالفعل ، ويعطوه مقاليد الأمور وأزمتها ، فإقامة الولاية العادلة المترشحة عن الشورى تكليف واجب كالصلاة والزكاه والحج والصوم ..

ثم يسأل راوي الحديث زرارة بن أعين الإمام الباقر (ع) : وأي شئ من ذلك افضل ؟

فيقول الباقر (ع) :  الولاية ، لأنها مفتاحهن والولي هو الدليل عليهن . يعني إن الولاية مفتاح الفرائض المذكورة ، والإمام هو الدليل على تلك الفرائض ، إذن فطاعته تصبح موجبة لرضى الله ، إذ معرفة الولي وإقامته وانتخابه هو الذي يجعل من عمل الفرائض مجزياً ومبرئاً للذمة ، فالصلاة والحج والزكاة مقصودة في ذاتها ولكن أثرها يبقى محصوراً في دائرته ، أما الولاية فتخرج العبادة من شكلها الطقوسي إلى حيز العمل والبناء والتقدم ، لذلك أستدرك الإمام الباقر (ع) قائلاً : ـ ( أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة لفضله ورحمته ) (1) وكأن الإمام الباقر (ع) يريد القول :  إن من يعمل دون توجيهات الإمام ، أو يعمل دون معرفة الإمام ، فإن أعماله صحيحة ومجزية ومبرئة للذمة ، إذا كان في عمله محسناً وليس ظالماً مقصراً .

***

ولكن ماذا تعني كلمة ــ محسن ـــ الواردة  في سياق الحديث المتقدم ؟

إن كلمة ـ محسن ـــ أستخدمت في التنزيل الحكيم في قبال كلمة ــ ظالم ـــ إذ جاءت كلمة ــ محسن ــ ضمن الكلام في قصة نبي الله إبراهيم وإسحق (ع) وذريتهما .

قال تعالى : { وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } (الصافات / 113) .

ولآية تقول إن المحسن لا يكون ظالماً وهذا هو الظاهر .

وقال تعالى : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لايجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة / 91 ) .

والآية في مقام توجيه العناية إلى حكم الضعفاء والفقراء والمرضى الذين لا يستطيعون المشاركة في جبهات الحرب والقتال والأمور المالية ، هؤلاء بنص هذه الآية إذا كانوا صادقين وعاملين في سبيل الله وأداء واجباتهم الشرعية بإخلاص ، فهم محسنون وليسوا بظالمين .

والآية تقول : { ما على المحسنين من سبيل } أي ليس عليهم ذنب ، وهذا الحكم يمكن الإستفادة منه في بيان عمل المجتهد السني الذي يبذل الجهد من أجل أستنباط الحكم الشرعي الصحيح من الأدلة والقواعد الأجتهادية المقررة ، مثل هذا المجتهد يكون مصداقاً لهذه الآية الشريفة .

وهكذا الحال بالنسبة للمقلد الذي يقوم بأعماله وفقاً للفتوى والحكم الشرعي الصحيح ، فإنه كذلك يكون مصدافاً للآية الشريفة . وبتعبير أدق : إنهم المصداق الحقيقي لكلمة ــ محسن ــ الواردة في سياق النص ، مع كونهم لم يقصروا في مقدمات اعمالهم الإجتهادية والتقليدية .

***

إذن وبعد هذا البيان الموجز لمفهوم كلمة ــ محسن ــ نقول ؛ يمكننا أن نستفيد نم كلام الإمام الباقر (ع) في الوجوه والمطالب التالية :

المطلب الأول : إن الحديث يجعل ــ الولاية ــ من الفرائض والواجبات أي رديفاً لفروع الدين الأخرى من الصلاة والزكاة والحج والصوم ، وليس من أصول الدين كالوحي والمعاد والنبوة .

المطلب الثاني : إن معرفة الإمام ليست لها موضوعية ولكن لها طريقية ، أي أنها دليل على معرفة أحكام الدين ، وليس نظير الأعتقاد بالله وبالمعاد وبالنبوة التي هي موضوعية .

المطلب الثالث : وإن من أراد العمل بالأحكام الشرعية من غير طريق الإمامية ، التي هي الحجة لدى الشيعة ، فأعماله مجزية على شرط ـ عدم التقصير ـ في مقدمات الأعمال الأجتهادية أو التقليدية ، وحتى لو حصل الأشتباه في فهم البعض منها ، لأنه يكون ــ محسناً ـــ إذا لم يقصر في أداء التكاليف والواجبات الشرعية ، ولم يكن ــ ظالماً ــ فعندها يكون مقبولاً عند الله وأعماله مجزية ومبرئة للذمة .

هذا ما يستفاد من كلام الإمام الباقر (ع) فلو إن أحداً من الناس عرف الأحكام الشرعية عن طريق الإمامية وعمل بها ، ولم يكن بذلك مقصراً فإنه يكون ـ محسناً وليس ظالماً ـ وأعماله مجزية وقربة إلى الله .

وإذا كان كذلك ؛ صح ما يقال عنهم بأن الأحكام الشرعية ، لو وقعت مخالفة للحكم الواقعي ، فإنها كذلك تكون مجزية ومبرئة للذمة ويستحق فاعلها الأجر والثواب . وهذا الحكم لا يختلف بالنسبة للمجتهد الشيعي الذي يعتمد في إستنباطه للأحكام الشرعية من أدلتها التشريعية المقررة ، وحتى لو حصل الأشتباه في إحدى موارد الأستنباط دون تقصير فإن الحكم المستنبط يكون مجزياً ومقرباً إلى الله ، ذلك الحكم المنتج عن جدٍ وأجتهاد وعدم تقصير يعتبر شرطاً مقدماً للحصول على البراءة الشرعية .. أي أنه لو كان ــ محسناً وليس ظالماً ــ فإنه يكون مورداً لرحمة الله ولطفه ، وهذا الحكم التشريعي يصدق على المجتهد الشيعي وعلى المجتهد السني في آن معاً .