خطاب المشروع الوحدوي

بين

الفكر والممارسة

مقدمة الطبعة الأولى

 

الخطاب الوحدوي خطاب تقدمي معاصر لنفسه وللزمن الثقافي والتاريخي ، ذلك لأنه في محتواه الفكري قادر على تقديم الدليل الأكثر خصوبة في أستيعاب الواقع الموضوعي أستيعاباً منطقياً عاقلاً يؤكد على المعالم الايجابية ، ويقوم بمراجعة واعية وقراءة متأنية هادئة للإوراق التاريخية والقواعد السلوكية ، قراءةً تطبيقية من وحي الطبيعة وعقلها الإنساني المتحرر والمتقدم ، وهي قراءة في جوانب العملية النهضوية المجتمعة الطموحة الكامنة في داخل العقل الإسلامي ككل ، وكوحدة لا كأجزاء .

طبيعي أننا لانريد من تلك القراءة أن تكون قراءة قصصية مثيولوجية ، بل نريدها رؤية موضوعية وعلمية في المنهج الإسلامي ، لاستشرافه وتبيان نقاط القوة والضعف فيه ، مع التأكيد على عناصر القوة والعمل على محو نقاط الضعف والسلبية ، وهذا بأعتقادنا جزء من مهمة المشروع حضارياً في خطابه الديني والسياسي ؛ أذ أنه ليس مجرد نظرة في الواقع ، أو تصور تجريدي يطوف بعالم الدولة ومنظومتها في الصدر الأول للإسلام ، الذي توفرت فيه المقومات والعناصر التي قدمت المشروع كجهاز مفاهيمي واحد ، زاخر بكل معاني التقدم والتطور مكثفاً تلك العناصر في قوتها المشروعة العاقلة .

وهذا ما يجعل الخطاب الوحدوي بناءً في الآرادة والتشريع ، ولعنا لانخطئ التقدير إذا ما قلنا أن ملامح البطولة في سجلها التاريخي الواعي يعود بنسبة كبيرة إلى الوحدة كمنطلق وكغاية في الحياة ، لأنها الأستجابة الواقعية للضمير الإنساني وعقله المبدع .

فالمسلمون بناة حضارة قامت على الوحدة وعلى قدرتها الذاتية ، وصحة تماسكها ، وصلابتها وأندماجها في الوعي الأيديولوجي والمضمون الأيبستيمولوجي ، ومنها أنبثقت قدرة الأنبعاث في البناء للمعلوم القائم على قواعد من العلم والعلية والحرية والأحتكاك الحواري الأيجابي البناء .

والمسلمون الوحدويون هم رجال قادرون على فهم الحياة فهماً علمياً وعملياً واقعياً ، والتعامل مع أنظمتها وقواعدها التطورية والتطويرية ، ذلك لأن سلطتهم المرجعية في هذا هو الكم الهائل للمخزون الروائي والخبري من النصوص والاحاديث ، أضافة إلى إدلاآت العقل وأستنباطات الفقهاء الذين ترجموا بصدق مضامين القواعد في تفاصيل الحركة اليومية .

وبأعتقادنا أن ذلك يعود إلى وحدة الهدف ووحدة المضمون المنبثقة من وحدة النص ، تلك الوحدة التي تجعلنا بحق رجالاً نملك وحدة ، لا كائنات لها وحدة ، خاصة ونحن نمر بمرحلة تأريخية على قدر من التعقيد والتهريج والتشابك والفوضى .

فالاستقلال والحرية لن تنالا إلا بالوحدة ، وقضية تحرير الأرض والإنسان لن تكون كذلك إلا بها ،

ولنا شواهد فيما نقول : فهذه الدول العربية والإسلامية التي تئن من نير الفوضى والتجزئة والإختلاف والتعددية السلبية والحزبية وعدم الأتحاد . ونظرة إجمالية سريعة في واقع الحكم الإسلامي في عالمنا الراهن تؤكد على ما ذهبنا إليه وبكيفيات متعددة .

من هنا يجب الإعتراف بأن المشروع الوحدوي هو مشروع حضاري ، لأنه يقدم الإنسان المسلم كصانع ومنتج للحضارة والتاريخ ، في المستوى السياسي والثقافي وعلى صعيد الوعي التاريخي والزمني ، وأيضاً على صعيد العمل السياسي تحقيقاً للأستقلال الوطني والتحرر الشعبي ، وتلك صفات إيجابية تلازم المشروع وجدواً وعدماً ،

لأنه الوحيد الذي يحمل الإجابة عن كل ذلك ويقدمها كعنوان بارز لفعل القوى المحُبة للحرية والسلام والتقدم .

الخطاب الوحدوي مشروع حضاري لايهدف إلى إلغاء الدولة الوطنية القطرية ، فتلك حقيقة واقعية لايمكن المساس بها في عصرنا الحالي ، ولا هو دعوة سلفية سياسية لإرجاع الخلافة والسلطنة ونظامها الملكي العقيم ، بل هو دعوة توحيدية شعورية توفيقية منبثقة من مصلحة الإجتماع ، هادفة إلى تحصيل رضا الله ودفع كل المظالم الحكومية المستبدة وغيرها .

ومن هنا فالخطاب الوحدوي ، في بُعده الواقعي ، بيان للمطالب السياسية والإجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وصيانة للمسلمين من التعدي ومن الأعمال المخلة ، كالتي قام بها ــ بورقيبة ــ حينما حول بيوت الله إلى بيوت للدعارة (1) .

أنه المشروع التحرري الذي يدعو إلى التأكيد على إنسانية الإنسان ، والعمل ضد الذين يروجون في كتاباتهم المعاصرة إلى إنتها عصر الآيديولوجيا ، ويقدمون الإسلام كواحد من تلك الانظمة الايديولوجية التي يجب ان تزول ، فهؤلاء الطوباويون تقودهم أفكارهم المتدنية ، فالمادة والفكر نمتلكهما معاً ، لأننا دعاة تطورجدلي في الفكر ودعاة تطور ديناميكي في المادة ، فإن قلوب الناس ستهوي إلينا وقد نبه التنزيل الحكيم إلى هذه الحقيقة بالنزوع الآتي : ( ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) . لما لدينا من نظام قادر على التطور والتجدد والأنبعاث . والوحدة عامل مهم في إبراز هذا النظام من الداخلية إلى الخارجية . (1) وهو الذي ينبهنا إلى التكوين الإجتماعي المعاصر ، وإلى طبيعة القوة في الثورة التكنولوحية والمعلوماتية والتجمعات الإقتصادية الرهيبة في عالمنا الراهن .

وهذا التكوين الجديد يشير إلى صحة المطالب بالمشروع الوحدوي تدعيماً لخطي النبوة والرسالة ، ووعياً بالمستقبلات والقفزات العلمية ، فطبيعة المنجزات البشرية وحصص الإنتاج ، وزيادة الدخل القومي ، والتطور التقني والفني ، والوعي الجماهيري والتفاعل الكوني والانصهار الثقافي ، قضايا وهموم وحاجات وواقع لابد لها من فرز وتصويب موضوعي حتى يمكن التعامل معها على أحسن وجه . فالإنغلاق حالة مرضية وغير صحية ، والإنفتاح دون علم بالنظام المعرفي مسايرة غير منطقية ، وبينهما الجادة الوسطى وهي المشار إليها بالنصوص المأثورة .

إننا في الوقت الذي نطالب  فيه بتدعيم الإتجاه الوحدوي ، نطالب وبنفس الدرجة بزيادة المنسوب العلمي والثقافي لإبناء أمتنا الإسلامية ، وندعو وبقوة لنبذ الخلافات وما يؤدي إليها ، وندعو إلى الإتجاه بوعي لتقبل عالم اليوم تقبلاً علمياً وعملياً ، دون خوف أو دفاع عن الماضي ، بوعي إجتماعي مصون وفهم حضاري للتراث وللتأريخ وللجغرافيا ، وهذه العناوين هي ذاتها تدعونا لمحاربة العنصرية والفئوية والإنعزال والطائفية وأشكالها في غربة الذات .

وليكن لدينا شعور موحد يُجابه الأخطار والتحديات الفعلية المهيمنة على أوضاعنا الإقليمية فهي الحصانة الإكيدة من ظلم الأباطرة والقياصرة الجدد ، ولنحدد موقفنا ورغبتنا في تدعيم الخط الفكري  والمعرفي والسياسي والثقافي ، وليكن لدينا وعي بهذا الخط الفكري بمصادره وبمنابعه ،

وهكذا نكون قد أدينا جزاً من المسؤولية تدعيماً وتأكيداً لوحدة الصف ، معززين ذلك كله بإبراز الجانب الفكري والمعرفي من حيزه الذهني السكوني الراكد ، وجعله واقعاً ممكناً يواكب الحياة ، والأحتكاك الحواري الصحيح الذي يقدمنا ويتقدم بنا وينهضنا وينهض بنا ،   فالركود والجمود والتحجر والإنطوائية وتغليب الأحكام المسبقة ، والحلول والقوالب والسقوف الجاهزة شئ لا يقره العقل ولا الدين وينبذه الوجدان ، وإذا كان هذا أمراً مقدماً في عصرنا فلنعتبره الجزء الأهم في مسيرتنا ولنوليه كامل الرعاية والإهتمام .

وليكن لدينا حسٌ واقعي جديد يتجذر ويثمر ويبني ، وذلك هو معنى الخطاب الوحدوي في بُعده الأيديولوجي ومضمونه الأيبستيمولوجي ، وليكن تحليلنا للقضايا المعاصرة إنبثاقاً عنه وتأكيداً عليه .

من هنا فقد قسمنا الخطاب الوحدوي بحسب الإصطلاح إلى قسمين :

1 خطاب سياسي ونهضوي .

2 وخطاب ديني سلوكي .

وإن كانا في الإسلام يُشكلان كلاً متجانساً ، ولكننا جرياً على عادة السلف الصالح ، أقتضت الضرورة أن نسمي الأشياء بمسمياتها .

ورجاؤنا أن يُطالع هذا الخطاب ويُقرأ بهدوء وبجدية فلطالما سعينا أفراداً وجماعات لتحقيقه ، ولكن العوائق المعاملاتية والسلوكية حالت دون تحقيقه ، فلنكن بقدر التحدي ، لنبرز قدرتنا في الحياة ، وقدرة فكرنا على أستنباط ما يعتبره حقيقة ترضي الله ، وتدعم مشروعه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

( قل هذه سبيلي أعدوا إلى الله أنا ومن أتبعن وسبحان الله وما انا من المشركين ) ..

( وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب )

14 ذي الحجة 1410 هجرية

الركابي