تمهــــــــيد

 

تعتبر قضية معرفة الرجال والأخبار على غاية من الأهمية والضرورة لما لها من مسيس علاقة بشؤون الإنسان الحياتية في التأريخ والفقه والأصول والعقيدة ونظام التربية والتعليم وما إلى غيره , ولهذا يكون من اللازم النظر بجدية وإمعان لما نسميه السند التاريخي للأخبار والروايات , ودلالة هذه وإنطباقها على الواقع حتى يمكن بعد ذلك الحكم لها أو عليها .

ومن هنا برر التخصص المعرفي في هذا الجانب وأفردت له المؤلفات والكتب التي تعنى بشكل رئيسي بهذه الناحية على وجه التحديد , ولهذا نشأ في الفكر الإسلامي علم أطلق عليه علم الرجال وعلم الدراية , والحق أن هذا الأمر لما له من الحساسية المعرفية , فلذا ينبغي الأحتياط خاصة إذا ما أخذنا بعين الإعتبار الجو السياسي والإجتماعي والنفسي والبيئي والأقتصادي السائد آنذاك , الجو الذي يحكم صناعة الخبر في الموضوعات والمسائل المختلفة .

إن النتاج المعرفي لهذا العلم أكسب الإنسان قدرة على التمييز بين مادتي الخطأ والصواب بإعتبارها وجودات موضوعية خارج الوعي الإنساني , وهو ليس تمييزاً عاطفياً ينسجم مع مرحلة ودورة حياتية معينة , بل هو حكم موضوعي على حركة ذاتية ينطبق على المضمون الواقعي للخطاب الإلهي في شكلي الرسالة والنبوة , لذلك ورد :

ما وافقهما فخذوه وما خالفهما فردوه , وهذه الموافقات والمخالفات ليست ظنوناً هرطقية , بل هي مجموعة قواعد وضوابط ومقدمات تحكم آلية العقل وتدعوه لقبولها , فلهذا كان التقسيم التاريخي للرجال والأخبار ضرورة تعليمية وحتمية معرفية موضوعية , ومن دونه يقع الخلط والمزج والتشابك والإرباك , وهذا ما نشاهده في النتاج السائد في المدرسة الإسلامية , ومراجعة هادئة لأدب الشريعة والعقيدة يدلنا على معلومات تنطبق على هذا

المعنى أنطباق ـــــ القذة بالقذة ــــ وهو المنهي عنه بلسان التشريع بل بلسان المتكلمة بإعتبارها أكثر حرصاً على مفهوم اليقين الوارد بلسان المقال الإلهي .

والتمييز المعرفي نوع من الرياضيات لا يدخل في بابه الإحتمال والظن والتوارد والترادف , بل هو مفهوم ومصداق , له دلالة مُحكمة أو مأوًلة في كتاب الله فإذا كان كذلك ـــــ يعني النص ـــ تأتي قضية السلوك والتعبير عنه كحكم ثانوي تابع للحكم الأولي .

أصحاب الإجماع

مصطلح , أول من أستخدمه كما ورد في المصادر التاريخية ( الشيخ الكشي في كتابه الأختيار في معرفة الرجال ) , الكتاب الذي يعني بشكل رئيسي في قضايا الأخبار والسند التاريخي لها , والذي قام بتهذيبه وتلخيصه وتبويبه الشيخ الطوسي .( لقد ذكر الكشي من أصحاب الإجماع ستة في كل طبقة ,فهم ستة في الطبقة الرابعة , وستة في الطبقة الخامسة , وستة في الطبقة السادسة ) , وأعتبر هؤولاء محل ثقة لدى الفقهاء وعلى أساسهم يجري الأتفاق والإجماع .. والإجماع : مصطلح ديني أستخدم بكثرة في علم أصول الفقه . طبعاً الإجماع ليس حجة دائماً , ولا هو ثابت على الإطلاق , لأنه في حد ذاته أمرٌ نسبيٌ , ولذلك فهو كباقي الإعتبارات , والإجماع يخضع لضابطة الزمان , والمكان , والحجية فية مستفادة في باب أصول الشريعة أكثر منه في أصول العقيدة , وعلى الثابت منها أيضاً . أما ما يخضع للأجتهاد فالإجماع فيه نظر : !

دأب الفقهاء على أعتبار أدلة الأستنباط أربعة وهي :

الكتاب والسنة والإجماع والعقل , وهذا التقسيم بلحاظ الدليلية يجعل منها واحدة في عملية الأستنباط , وهو كما ترى ليس صحيحاً والذي نعتمده في هذه المسألة , إعتبار العقل الدليل الوحيد في أستنباط الأحكام الشرعية , آي إن الكتاب والسنة وفي برهة معينة الإجماع تعتبر مصادر التشريع ومنابعه وليست أدلته , إذ العقل وحده المؤهـل لتقييم صحة أنطباق هذا الحكم على الواقع من خلال ملامسته أو غائيته أو مصلحته , فمعرفة الحكم من مصادره هي من مهام العقل ولا سواه مثل : معرفة الوجوب والحرمة والإباحة والأستحالة , وكقضية أخذ الماء من البئر بالدلو , فكذلك أخذ الحكم الشرعي من مصادره بالعقل , فهو الكاشف

والدليل عليه , ولو جعلناه في رتبة واحدة آلزمناه بما لا يُلزم , إذ أوجبنا عليه التحجير والسكونية وجعلناه خابياً لا متحركاً فاعلاً , وتعطيله بهذه الصورة يجعل كثيراً من الأحكام يخضع للجبر الباطل , وأما جعله الدليل على الكتاب والسنة فهو المراد من قوله عليه السلام : ( العقل نبي باطن ) فلو كان واحداً من أربعة , فيمكن أن نسأل إذن : فما هو الدليل على العقل ! فهل الدليل خارجي أم ذاتي ؟ فإذا كان الأول يحتاج إلى معرفة الواسطة والأداة التي يتم بها معرفته خارجياً , وإذا كان ذاتياً فما هو ؟ وإذا قلنا النص , أجرينا الدور الباطل . .

العقل له أستقلالية تامة فهو ليس تابعاً بل متبوعاً , والكتاب والسنة أحكام صامته لا يمكن نقلها من حيز السكون إلى حيز الحركة إلا بالعقل , والدليل العقلي هو المراد من مفهوم الكشف والإستنباط والبيان , ولهذا جاء الطلب من الإنسان ليجتهد من أجل تحصيل الحكم الديني .

والإجتهاد : ممارسة عقلية واعية داخل مصادر الإنتاج الديني , ليتمكن بفعله من إبراز الحكم الذي يكمن داخل هذه المصادر , وقد عبر عنه بملكة أستنباط الأحكام الدينية . .

ومنه يظهر أن ما جاء به السلف بإعتبار أدلة الأستنباط أربعة ـــ ليس بصحيح , بل الدليل هو العقل وحده , طبعاً هذا كله مشروط في الموافقة للواقع والزمان والمكان داخل المنبسط والمتحرك والقابل للأجتهاد ,

وإما الثابت فدليله ذاتي لا أجتهاد فيه ... شاع بين الفقهاء مقولة مفادها ـــــ إنه قد أجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء ــــ والمراد بهم أصحاب الإجماع , آي إن كل حديث يرويه أصحاب الإجماع فهو معتبر لدى الفقهاء ,ولكي نتعرف عليهم لا بد من قراءة الكشي حتى يمكن التعريف بأسمائهم وطبقاتهم تضميناً للفائدة , وقبل ذلك لا بدّ من التذكير بأن العلامة البروجردي قد ألف كتاباً أسماه ( طبقات الرجال ) أن كلمة ـ طبقة ــ أصطلاحية قديمة ذكرها الواقدي في كتابه (المغازي ) وكذلك ذكرها محمد بن سعد كاتب الواقدي صاحب كتاب ( الطبقات) الكتاب المتداول في الأسواق والمكتبات العامة والمؤلف من ثمانية أجزاء .

عرف البروجردي في طبقاته الأمر على النحو الأتي :

1- الطبقة الأولى : تبتدئ من عصر النبي والصحابة .

2- الطبقة الثانية : طبقة التابعين , وهؤلاء يرون عن الصحابة .

3- الطبقة الثالثة : طبقة تابعي التابعين , وهؤلاء يرون عن التابعين .

وقد جعل البروجردي لكل طبقة حداً زمنياً متوسطاً يقارب الثلاثين عاماً , وبنهاية هذه المدة تبتدئ الطبقة التي تليها وهكذا , فالطبقة الرابعة مثلاً أبتدأت بحلول سنة 90 للهجرة . وعلى هذا التقدير يصبح الزمن تقريبياً أعتبارياً , إذ معه يذهب من الطبقة المتقدمة 80% والباقي للطبقة اللاحقة , ويطلق على هؤلاء ــ شيوخ الطبقة اللاحقة ـــ والترتيب في التعداد واللحوق قضية أعتبارية تمييزية بحتة .

4 - الطبقة الرابعة : أصحاب الإمام محمد بن علي الباقر , أي الذين عاصروه ورووا عنه , وقد ذكر منهم الكشي ستة هم :

1- زرارة بن أعين ,

2- معروف بن خربوذ

, 3 - محمد بن مسلم بن رباح

, 4 - الفضيل بن يسار النهدي

, 5 - بريد بن معاوية العجلي

, 6 - أبو بصير الأسدي ,

الطبقة الخامسة : أصحاب الإمام جعفر بن محمد الصادق وهم :

1 - جميل بن دراج,

2 - عبدالله بن مسكان

, 3 - عبدالله بن بكير الذي قال عنه الشيخ الطوسي بأنه فطحي المذهب.

الفطحية : هم أتباع عبدالله بن جعفر الصادق المعروف بالأفطح شقيق إسماعيل , وقد رووا عن الصادق تأييداً لدعوتهم إنه قال : الإمامة في أكبر أولاد الإمام كما رووا كذلك عنه : إن الإمام بعدي من يجلس مجلسي , ولا يغُســل الإمام إلاّ الإمام وهذه الصفات كانت لعبدالله على حدّ زعمهم , وأضافوا إلى ذلك إن الإمام الصادق قد وضع مع بعض أصحابه مالاً , وأمره أن يدفعه إلى من يطلبه منه ويتخذه إماماً , ولم يطلبه أحد سوى عبدالله ( الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 77 الحسني )

4 - حمّاد بن عثمان

, 5 - حماد بن عيسى

, 6 - أبان بن عثمان , قال الكشي : كان أبان من الناووسية.

الناووسية : أتباع عجلان بن ناووس , أدعوا أن الصادق لم يمت وسيظهر لإحياء الحق وإماتة البدع والأهواء , ورووا عنه أنه قال : إذا رأيتم رأسي (يدهده) عليكم من الجبل فلا تصدقوا بوفاتي , فإني صاحبكم صاحب السيف (الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 77

6 - الطبقة السادسة : هم أصحاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم , وقد أدركوا الإمام الرضا فإعتبروا من أصحابه , وهم ستة كما ذكرهم الكشي :

1 - يونس بن عبدالرحمن ,

2 - صفوان بن يحيى ,

3 - عبدالله بن المغيرة ,

4 - أحمد أبن محمد بن أبي نصر البيزنطي ,

5 - الحسن بن محبوب السراد ,

6 - محمد بن أبي عمير البغدادي .

قال الكشي : إنهم من أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم وأقروا لهم بالفقه والعلم ولكن هل يعني هذا أن كل الذي يأتي عنهم يُعدُّ صحيحاً مقبولاً ؟

حتى ولو كان الذي يروي بعده من المجاهيل أو المراسيل , وهل يعني ذلك أن أصحاب الإجماع كما يعتبرهم الكشي يجعلون من الخبر المجهول صحيحاً ومن المرسل معتمداً ؟ ,

إن البحث حول صحة الإجماع أدلينا فيه برأينا , ولذلك فردُّ الإجماع ألتزم به غير واحد من أجلّة علمائنا . وقبول الإجماع إلتزم به نفر وهم قليل ممن لا يُعتدُّ بهم كثيراً سواءً بالبحث العلمي أو بمناهج الأصول المقررة ,

وعبارة ( تصحيح ما يصح عنهم) عبارة فضفاضة لا جدوى منها في البحث العلمي الذي يعتمد آلية عمل جديدة لإنتاج مسائل وأجوبة جديدة , ولذا فنعتقد أن عبارة الكشي تعبر عن ظرف زماني مكاني خاص , وأعتبار هذا الظرف هو ظرفنا تجاوز على الأسس المنطقية القائمة في جدل الذات الموضوع بالمتعلقات النسبية المفروضة , ولهذا فالإعتماد دون الدليل الزماني التاريخي المعين على عبارة الكشي مغالطة لمفهوم الصيرورة الأجتماعية الثقافية