طبقات المجروحين

ذكر ابن الأثير في كتابه [ جامع الأصول ج1 ص 135 ــ 145 ] عشرة طبقات هي على النحو الآتي :

الطبقة الأولى :

وهي أعظم أنواع الجرح وأخبث طبقات المجروحين ، الكذب على رسول الله ، وقد قال : [ من كذب عليّ متعمداً فليتبّوء مقعده من النار ] وهي كبيرة من الكبائر وقد أرتكبها جماعة كثيرة أختلفت أغراضهم ومقاصدهم في أرتكابها ، فمن أرتكبها قوم من الزنادقة مثل المغيرة بن سعيد الكوفي ، ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة ، وضعوا الأحاديث وحدثوا بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس ، ومنهم قوم وضعوا الأحاديث لهوىَّ يدعون الناس إليه ، ومنهم جماعة وضعوا الحديث حسبة كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل الأعمال مثل أبي عصمة الذي قيل له :

من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة ، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ، فقال : إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد ابن إسحاق ، فوضعت هذا الحديث حسبة ـ أي بقصد القربة إلى الله ـ حتى يرغب الناس في القرآن .

ومنهم جماعة وضعوا الحديث تقرباً إلى الملوك مثل غياث بن إبراهيم ، قيل دخل غياث بن إبراهيم على المهدي بن المنصور فقال : قال النبي : ـ لا سبق إلا في خف أوحافر أو نصل أو جناح ـ فأعطي عشرة آلاف درهم ، ولما ترك المجلس قال المهدي : أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ، ما قال رسول الله ، جناح ، ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا ، ياغلام أذبح الحمام ، قيل يا أمير المؤمنين وما ذنب الحمام ؟ قال : من أجلهن كذب على رسول الله .

ومنهم من وضع الحديث دفاعاً عن أبي حنيفة ورداً لكلام الشافعي ، فهذا مأمون بن أحمد المروزي قيل لمأمون بن أحمد المروزي : ألا ترى إلى الشافعي وإلى من نبغ له بخراسان ، فقال حدثنا أحمد بن عبيد الله حدثنا عبيد الله بن معدان الأزدي عن أنس قال : قال رسول الله : يكون من أمتي رجلٌ يُقال له : أبو محمد ابن أدريس ـ الشافعي ـ أضر على أمتي من إبليس ، ويكون رجل في أمتي يُقال له : أبو حنيفة : هو سراج أمتي ..

ومنهم قومٌ من السُّؤّال والمكدّين يقفون في الأسواق والمساجد فيضعون على رسول الله ، الأحاديث بأسانيد صحيحة قد حفضوها ، ومن هذه القصص والأحاديث ما رواه جعفر بن محمد الطيالسي يقول : صلىّ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة فقام من بين أيديهما قاص قال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين ، قالا : حدثنا عبد الرزاق ، قال حدثنا معمر عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله من قال لا إله إلا الله يُخلق من كُلَّ كلمةٍ منها طائرٌ منقاره من ذهب وريشه مرجان ــ فقال القوم جميعاً : لا إله إ لاّ الله ... وأخذ في قصة فجعل أحمد ينظر إلى يحيى بن معين ، قال : أأنت حدّثته ؟

قال : والله ما سمعت بهذه إلاّ هذه الساعة ، فسكتا جميعاً حتى فرغ من قصصه ، وأخذ قطعةً من المال ثم قعد ينتظر بقيةً ، فقال يحيى بيده أن تعال ، فجاء متوهماً لنوالٍ يجيزه ، فقال له يحيى من حدثك بهذا الحديث ؟

فقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ! فقال : أنا ابن معين وهذا أحمد بن حنبل وما سمعنا بهذا في حديث رسول الله ، فإن كان لا بدَّ من الكذب فعلى غيرنا ، فقال له : أنت يحيى بن معين قال نعم ، قال : لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق وما علمته إلاّ هذه الساعة ، فقال له يحيى وكيف علمت أني أحمق ؟ قال كأنه ليس في الدنيا يحيى أبن معين وأحمد بن حنبل غيركما كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا ، فوضع أحمد بن حنبل كُمَّه على وجهه ، وقال دعه فقام كالمستهزء بهما ...

ومن رجال هذه الطبقة جماعة منهم

أولاً : المغيرة بن سعيد البجلي أبو عبد الله الكوفي ، قال أبو جعفر : إنه كان يكذب علينا ، وقال الجوزجاني : قتل المغيرة على أدعاء النبوة ، وقال جرير بن عبدالحميد : كان المغيرة بن سعيد كذاباً ساحراً كثير النواء سمعت أبا جعفر يقول : برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان بن سمعان كذبا علينا أهل البيت ، وقد قتله خالد بن عبد الله القسري سنة 119 هجرية ( ميزان الأعتدل ج4 ص 162 ) .

*قال ابن الأثير في [ الكامل ج5 ص 207]: [ خرج المغيرة بن سعيد وبيان ابن سمعان في ستة نفر من أصحابه في هذه السنة ـ يعني سنة 119 هجرية ـ وكانوا يُسمّون الوصفا ـ جمع وصيف التي تأتي أحياناً بمعنى غلام ـ هؤلاء كانوا يشكلون تنظيماً سياسياً في عهد ولاية خالد بن عبد الله القسري في زمن خلافة عبد الملك بن مروان ، وكان المغيرة ساحراً وكان يقول لو أردت أن أحيي قوم عاد وثمود وقرون بين ذلك كثيرة لفعلت ــ وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم بظهر الكوفة وهو يخطب ..

قال أبو بكر بن عياش : [ رأيت خالد بن عبد الله القسري حين أتى بالمغيرة بن سعيد وأتباعه فقتل منهم رجلاً ، ثم قال للمغيرة : أُحيّه ــ وكان يريهم أنه يحيي الموتى ـ فقال : والله ما أحيي الموتى ، فأمر خالد بطنّ قصب فأضرم ناراً ، ثم قال للمغيرة : أعتنقه فأبى فعدا رجلٌ من أصحابه فأعتنقه والنار تأكله ، فقال خالد : هذا والله أحقُ منك بالرَّياسة ثم قتله وقتل أصحابه قال : صاحب ميزان الأعتدال قتُل المغيرة في حدود العشرين ومائة للهجرة . .

[ ميزان الأعتدال ج4 ث 162] .

* عن أبي عبد الله قال : [ لعن الله المغيرة بن سعيد إنه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حر الحديد ...] ثم قال : ـ لعن الله من قال فينا ما لا نقول في أنفسنا ، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا ـ

[ كناية أو أستعارة وتعني الخضوع والذل ، وحينما نقول ناصيتي بيده أ] تحت أختياره ونواصينا بيد الله بأختياره ، ومنها ( فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) ــ أيضاً كناية [ رجال الكشي ص223 ] .

*عن يونس بن عبد الرحمن سأله بعض أصحابنا : ما أشدَّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا ؟ فقال يونس بن عبد الرحمن حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله ، يقول لا تقبل علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة ، فإن المغيرة بن سعيد ـ لعنه الله ـ دُس في كتب أصحاب أبي لم يحدث بها أبي فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا ، فإنا إذا حدّثنا قلنا قال الله ورسوله .

*ذكرت كتب الرجال المغيرة بن سعيد في قسم المجروحين وتنسب إليه الفرقة المغيرية ،

والمغيرية :

هم أتباع المغيرة بن سعيد العجلي ، وقد أدعى النبوة لنفسه بعد أن تظاهر في ولائه لأهل البيت ودَسَّ في أحاديثهم آلاف الروايات ، ولما بلغ أمره الإمام الصادق ، لعنه وحّذر الشيعة من آرائه ومروياته [ الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص53] .

*قال ابن حبان : المغيرة بن سعيد شيخ كان بالكوفة من حمق الروافض ـ المقصود من الشيخ يعني أستاذ ، والروافض يعني الشيعة ـ يضع الحديث ، أخبرنا مكحول قال : حدثنا أبو الحسن الرّهاوي قال حدثنا الحجاج بن لأحمد الرَّقي عن أبي يوسف القاضي عن الأعمش قال : بلغني عن المغيرة بن سعيد وما يقول فأتيته فقلت له : أكان علي بن أبي طالب يقدرُ أن يحيي أناساً ، فقال والذي فلق الحبَّ وبرأ النسمة لقد كان قادراً على أن يحيي ما بينك وبين آدم [ المجروحين ج2 ص7 ابن حبان ] .

*قال ابن الأثير في ( الكامل ) ج5 ص 208 : وكان رأي المغيرة بن سعيد التجسيم يقول إن الله على صورة رجل ... ويضع الجبار قدمُه في جهنم ويقول قد قد بعزته ، ثم يقول :

وكان على رأسه ـ يعني الله ـ تاجٌ وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء ، ويقول ما لا ينطق به لسان ، يقول :

إنّ الله لما أراد أن يخلق تكلم بأسمه الأعظم فطار فوقع على تاجه ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات فلما رأى المعاصي أرفض عرقاً فأجتمع من عرقه بحران ، أحدهما ملحٌ مظلمٌ والآخر عذبٌ نير ، ثم أطلع في البحر فرآى ظله فذهب ليأخذه فطار فأدركه فقلع عيني ذلك الظل ومحقه ، وخلق من عينيه شمساً وسماءً أخرى ، وخلق من البحر المالح الكفار ، ومن البحر العذب المؤمنين ،

وكان يقول بإلهية عليّ وتكفير أبي بكر وعمر وسائر الصحابة إلا من ثبت مع علي وكان يقول إن الأنبياء لم يختلفوا في شئ من الشرائع ، وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل بحر أو بئر أو عين فيه نجاسة ، وكان يخرج إلى المقبرة فتكلم فيُرى أمثال الجراد على القبور ـ كان ساحراً ـ

وجاء المغيرة على محمد الباقر فقال له أقرر أنك تعلم الغيب حتى أجبي لك العراق ، فنهره وطرده ، وجاء إلى أبنه جعفر بن محمد الصادق فقال له مثل ذلك فقال أعوذ بالله ...

ثانياً : بيان بن سمعان النهدي من بني تميم ظهر بالعراق وكان يقول بإلهية علي وأن فيه جزءأً إلهياً متحداً بناسوته ،

ثم من بعده الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية بعدهم ، ثم في أبي هاشم ولد أبن الحنفية ، ثم من بعده في بيان هذا ، وكان يقول : إن الله تعالى يفنى جميعه إلا وجهه فقط وإليه تنسب الفرقة البيانية ـــ وكتب بيان كتاباً إلى أبي جعفر الباقر يدعوه إلى نفسه وأنه نبي [ ميزانالأعتدال ج1 ص357 الذهبي ].

وكانت نهايته على يد خالد بن عبد الله القسري عامل هشام على الكوفة قال ابن نمير : قتله خالد بن عبد الله القسري وأحرقه بالنار [ أنظر التعليقة على كتاب التبصير في الدين للشيخ الكوثري ص 35 ] .

ثالثاً : أبو الخطاب محمد مقلاص الأسدي الكوفي لأجدع الزراد لعنه الله ، غال ملعون ، قال ابن بابويه : اسم أبيه أبو الخطاب ، قال ابن الغضائري : إنه مولى بني أسد ـ لعنه الله ـ أمره شهير [ الخلاصة ص 205 الحلي ] .

*قال يونس بن عبد الرحمن وافيت العراق ووجدت بها كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله ، فقال لي :

إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله : لعن الله أبا الخطاب ، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدُسوُّن هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة ، إنا عن الله وعن رسوله نحُدث ، ولا نقول قال فلان وقال فلان ، فيتناول كلامنا ،

إن كلام آخرنا مثل أولنا وكلام أولنا مصداق لكلام آخرنا فإذا أتاكم من يُحدثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه ، وقولوا أنت أعلم وماجئت فإن مع كل قول منا حقيقة وعليه نوراً فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان

الخطابية

هم أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الملقب بالأجدع ، وأدعى هؤلاء أن الأئمة كانوا آلهة ، وأن أولاد الحسن والحسين أنبياء الله وأحباؤه ، وأخيراً أدعى أبو الخطاب الألوهية لنفسه ، ولما بلغت أقواله الإمام الصادق لعنه مع جماعة من المشعوذين منهم المغيره بن سعيد ، وبشار الأشعري ، وحمزة البربري ، والسري ، والمفضل بن عمر الجعفي ، وأمر أصحابه بلعنهم والبراءة منهم ، وأباح دمائهم وأموالهم ـ [ أنظر فرق الشيعة ص 43 للنوبختي ] .

*وقد أورد النوبختي في [ الفرق ] والشهرستاني في [ الملل والنحل ] والأشعري في ـ مقالات الإسلاميين ـ أقوالاً وآراء كلها صريحةً في كفرهم وضلالهم ، وكان الإمام الصادق حريصاً على التشهير بهم وبيان كفرهم وضلالهم لئلا ينخدع بهم أحد من البسطاء والمغفلين ـ [ الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص54 الحسني ] .

* ذكر الكشي في رجاله عدة أحاديث عن أبي الخطاب نورد منها للمثال ما يلي :

1 – الحديث رقم 522 ص 295 عن يونس بن عبد الرحمن عن رجل [ رجل شخص مجهول قال البروجردي : إن يونس بن عبد الرحمن كان متكلماً وليس محدثاً ولذا فإنه قليل الأهتمام بالحديث ] قال : أبو عبد الله كان أبو الخطاب وكنت أحدَّثه فكان لا يحفظ وكان يزيد من عنده ...

فالإمام لم يطرده أولاً ولكن ذمه واتهمه بالحمق وعدم الحفظ والزيادة ...

2 – الحديث رقم 252 ص 297 عن المفضل بن يزيد قال : أبو عبد الله وذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة ، فقال لي : يا مفضل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم

3 – الحديث رقم 526 عن هشام بن سالم قال : قال أبو عبد الله وذكر الغلاة فقال إنَّ فيهم من يكذب حتى إن الشيطان ليحتاج إلى كذبه .

4 – الحديث رقم 527 عن المرازم قال : قال أبو عبد الله قال للغالية توبوا إلى الله فإنَّكم فسّاق كفار مشركون .

5 – الحديث رقم 528 عن أبي عمير عن إبراهيم الكرخي قال : إن ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شَّر من اليهود والنصارى والذين أشركوا .

*ورد عن أمير المؤمنين قوله : اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لاعقل رواية ، فإن رواة العلم كثيرٌ ورعاته قليل .

6 – الحديث رقم 529 عن أبي بصير قال : قال لي أبو عبد الله ابو محمد : أبرأ ممن يزعم أنا أرباب ، قُلت بَرِئ الله منهم ، فقال أبرأ ممن يزعم أنا أنبياء قلت بَرِئ الله منهم .

7 – الحديث رقم 530 ص 298 عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن المغيرة قال كنت عند أبي الحسن [ الكاظم ] أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن ، فقال يحيى جُعلت فداك إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب فقال : سبحان الله ! سبحان الله ! ضع يدك على رأسي فوالله ما بقي في جسدي شعرة ولا في رأسي إلا قام ... ثم قال لا والله ما هي إلا رواية عن رسول الله .

8 – الحديث رقم 531 عن ابن أبي عمير عن ابن صمد بن أبي بشير عن مصارف ـ

[ مصارف كان غلاماً للإمام ] قال لما لبَّى القوم الذين لبَّوا بالكوفة [ لبًّى يلبَّي تلبَّية ] قال المجلسي : إن هؤلاء األغلاة قالوا ـ لبيك ياجعفر بن محمد لبيك ـ كما يقول الحجُاج لبيك اللهم لبيك ، قال الميرداماد : إن هذه العبارة خطأ إذ بدل ـ لبى ـ تجئ ـ أتى ـ يعني بلاء أصابهم ، أتى القوم الذين أوتوا بالكوفة ] ـ قال مصارف : دخلت على أبي عبد الله ـ فأخبرته بذلك فخرَّ ساجداً وألزق جئجئهُ بالآرض وبكى ، وأقبل يلوذ بأصبعه ويقول بل عبد الله قنّ داخرٌ ـ داخر يعني ذليل أي عبد ذليل ـ ثمَّ رفع رأسه ودموعه تسيل على لحيته ، قال مصارف : وندمت على إخباري ، فقلت : جعلت فدالك ، فقال : يا مصارف ، إن عيسى لو سكت عمّا قالت النصارى فيه لكان حقاً على الله أن يُصم سمعه ويعمي بصره ، ولو سكتُ عما قال فيَّ أبو الخطاب لكان حقاً على الله ، أن يُصم سمعي ويُعمي بصري ...

9 – الحديث رقم 532 عن حمدوية قال حدثنا يعقوب بن يزيد عن أبن أبي عمير عن شعيب القرهوتي عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله إنهم يقولون ـ هنا الضمير معلوم ويُراد به الغلاة ـ قال وما يقولون ؟

قلت : يقولون تعلم قطر المطر ، وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب ، فرفع يدهُ إلى السماء وقال سبحان الله ! لا والله وما يعلم هذا إلاّ الله ...

ملاحظة : القسم من الإمام واضح ويحدد بجلاء علم هذه الأشياء با لله وحده والحديث من جهة السندّ في منتهى القوة والأعتبار إذ إن حمدوية كان من شيوخ الكشي ثقة جليل من أصحابنا هكذا جاءت ترجمته .

ويعقوب بن يزيد ثقة جليل من أصحابنا .

وابن أبي عمير من أصحاب الإجماع الطبقة السادسة .

وشعيب القرهوتي ثقة جليل من أصحابنا وهو ابن أخت أبي بصير وأبو بصير من أصحاب الإجماع .

فالسند كما ترى قوي جداً إذ ثقة يروي عن ثقة في سلسلة من الثقات وأصحاب الإجماع تنتهي بالإمام ، وإذا كان الحديث يُحدد بجلاء علم هذه الأشياء وحصرها بالله وحده فكيف جاز أن يقول البعض إن لأئمتنا ولاية تكوينية على هذه الأشياء التي أعتبرها الإمام من علم الله الخاص ؟ وكيف تستنبط هذه الأحكام من روايات أهل البيت ؟ ولماذا الإصرار من البعض على الولاية التكوينية على شؤونات الكون وموجوداته ؟ .

لا شك أن الذين قالوا بالولاية التكوينية للأئمة على شوؤنات عالم الإمكان إنما أعتمدوا في أحكامهم على أخبار غير موثقة وغير صحيحة من قبيل الأخبار التي يرويها أبو الخطاب وأصحابه من الغلاة وأهل التطرف الذين لعنهم الإمام وبرئ منهم في مناسبات عدة .

إن القول بالولاية التكوينية للأئمة على عالم الإمكان وشؤوناته ، هو إصرار على حرف الناس عن الحقيقة والتمسك بها ، ودعوة لإدامة هذا النوع من التهريج الإعلامي الخطير الضار ثم إن أعتماد أخبار الغلاة في تكوين البناء العقيدي يناقض المبادئ التي يدعو لها أئمة أهل البيت ويناقض كذلك كتاب الله وسنَّة نبيه المصطفى . إن حقيقة التكوين وأصل الخلق والولاية والإبداع والخالقية هي لله دون سواه ،

والولاية التكوينية :

عبارة عن التسلط على الكون الإمكاني والوجوبي بظاهره وباطنه ، وهي كذلك سلطة على الكونيات المخلوقة سواءٌ الأمور النفسية أو الصفات الباطنية والتي ترتبط جدلاً بمعادلة الفاعلية والقبلية بالتسلط على العالم نفوذاً وتصرفاً ، وهذه الولاية صفة مختصة بالله وبذاته المقدسة ، وليست هي منصباً يمكن هبته ، فالشأنية في الخلق والأبداع والتكوين والإحياء والإماتة هي صفاته تعالى وحده ، وتعلقها كصفات في عالم الإمكان بالممكنات مشروط بالإذن الإلهي [ راجع الأسس السياسية والمذهب الواقعي للمؤلف ص32 ]

· ثم إن أمير المؤمنين قد نفى علم البشر بهذه الأشياء كما ورد في خطبته من النهج حيث

قال : ما عددّ الله سبحانه بقوله : ـ إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ، وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ، وما تدري نفسٌ بأيَّ أرضٍ تموت ـ وهذا منه ، تأكيد على أن الولاية التكوينية على العالم الوجودي هي من أختصاص الله علماً وقدرةً . وإن تعلقت بالممكن فمشروطةٌ بالأذن الألهي ، الذي يأتي إتماماً لحجة أو أظهاراً لمعجزة ، وحصرها في ألأئمة ‘ قولٌ مخالفٌ للنص الإلهي وهو مجرد ظن وتمحل لا يغني من الحق شيئا .

10 – الحديث رقم 538 ص 600 عن علي بن الحصان عن بعض أصحابنا رَفعهُ إلى أبي عبد الله قال : ذكر عنده جعفر بن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب ، فقيل إنه صار إلى يبروذ ـ ناحية من الأهواز ـ وقال فيهم :

هو الذي في السمّاء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ ـ إله السماء هو الله ، وإله الأرض هو الإمام الصادق فقال أبو عبد الله : لا والله لا يأذني وإياه سقف بيت أبداً ، هم شرٌ من اليهود والمجوس الذين أشركوا ، والله ما صغَّر عظمة الله تصغيرهم شئ قد ، إنّ عزيراً أجال في صدره ما قالت فيه اليهود فمحا الله أسمه من النبوة ، والله لو أن عيسى أقرّ بما قالت النصارى لأورثه الله صمماً إلى يوم القيامة ووالله لو أقررت بما فَّي أهل الكوفة أخذتني الأرض ، وما أنا إلا عبدٌ مملوكٌ لا أقدِر على شئ ضرّ ولا نفع

 

التفسير بالرأي

لقد شاع في عهد الإمامين الباقر والصادق التفسير بالرأي ويعود هذا الشياع إلى النتاج الفكري الذي أسسه ـ بيان بن سمعان ـ الذي قال بأن إله الأرض هو الإمام الصادق ، وهذا النوع من التفسير ما أسميناه ـ بالتفسير بالرأي ـ وهو التفسير الذي لا يخضع إلى ضوابط ومقدمات علمية أو قواعد أصولية ، بل يخضع إلى عامل الرغبة والهوى ، مما يؤول إلى تفسير آيات الكتاب على خلاف معناها الحقيقي وقد نبّه الإمام الصادق ـ إلى هذا اللون من النزوع الفكري والعبث المعرفي بقوله :

من فسر القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعده من النار ــ إشارة إلى هذه الطريقة في فهم معاني الكتاب الكريم

ولذلك أبطل أصحاب هذا اللون من التفسير القرآن من الحجية ، وقالوا : ليس في القرآن أية حجية ملزمة حتى ظواهره ! ودليلهم على ذلك ليس سوى الرغبة والهوى ، وقالوا : لا يعرف القرآن إلاّ من خوطب به ـ وهذا الحصر يعني ان فهم آيات القرآن خاص بالنبي وأهل بيته ، وهذا الحصر يجعل من آيات القرآن توقيفية خاصة بلحظة تاريخية زمانية معينة ، في حين نقرأ في القرآن آيات تدعونا إلى التفكر والتدبر كما في قوله تعالى :

( ولقد يسَّرنا القرآن للذّكرفهل من مدّكر ) أو ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) والخطاب فيها عام ولا حصر فيه بخصوص جماعة معينة ، في حين أن المراد من قولهم :

[ لا يعرف القرآن إلاّ من خوطب به ] ليس خصوص النبي وأهل بيته لأن التخصيص هنا تعطيل للقرآن خاصة بلحاظ ـ من خوطب به ـ والمراد بهم لا وجود لهم الأن ، فكيف يمكن فهم وتدبر آياته ومسائله ؟

وكيف يمكن الأستفادة منها والأهتداء بها ؟ .

يبدو أن الذين حصروها بالنبي والأئمة كانوا يريدون شيئاً خاصاً بهم إذ أن بيان بن سمعان كان يقول أنا النبي من قبل عليٌ لأنه هو الله ، وزعم أنه المراد بقوله تعالى ( هذا بيان للناس وهُدىً وموعظةٌ للمتقين ) والتفسير بالرآي من هذا الباب ، والرأي هنا هو الفكر الخاطئ الذي لا يعتمد على أي دليل معرفي أو حجة بيانية برهانية واضحة ، ولذلك فالتفسير بالرآي من هذه الناحية باطل لأنه لا يعتمد في تقويمه على آليات ضبط وقواعد أصولية وعقلية وذهنية صحيحة ، وإنما يعتمد على الخيال والمحاكمات الضيقة تبعاً للرغبة والهوى ... في حين ذكر الشيخ الأنصاري في كتابه [ فرائد الأصول ] مجموعة من الروايات في إثبات حجية القرآن .

*ومن الأمثلة على التفسير بالرأي ما يلي

* قال أمير المؤمنين فأنا صنايع ربنا والناس بعد صنايع لنا [ الرسالة 28 نهج البلاغة ] وقد فسرها البعض بأن على هو خالق الكون هو الله ! وهذا تفسير بالرآي منهي عنه والسبب في هذا التفسير الخاطئ أنهم لم يفهموا المراد من قول الإمام فصنيعة جمعها صنايع ، وصنيعة تعني الذي يحُسن إليه ويعتني به ويربيه ، كما قال لموسى : ( واصطنعتك لنفسي ) وصنايع جمع صنيعة ، وكان الإمام قد ذكر مناقب بني هاشم في الجاهلية والإسلام ، وذكر مثالب بني أمية في الجاهلية والإسلام ثم قال : فدع عنك من مالت به الرمية [ ومالت به الرمية ـ الباء باء التعدية ـ يعني صيدك الذي أنحرف ، قال صاحب أقرب الموارد هذا يضرب به المثل للشخص الذي يريد الهدف ثم ينحرف عنه لعلة ولم يصل إلى هدفه [ والإمام يقول بأن معاوية قد أنحرف ولن يصل إلى هدفه ـ فإنا صنايع ربنا ـ نحن بني هاشم صنيعة الله ، تربية الله وتأديبه وإن الله قد أنعم علينا بنعمة الإسلام والنبوة ، فلنبينا عناية خاصة وإحسان خاص من الله ، والناس بعد صنايع لنا ـ والناس إنما تأخذ أمر دينها أمر الهداية والإيمان والإرشاد والتربية والسلوك والأخلاق منا ، فنحن الذين هديناهم إلى دين الإسلام بنعمة النبوة ، فنحن قد ألهمنا الله النبوة وجعلها هادية للبشر من خلالنا ، فنحن تلاميذ الله والناس بعد تلاميذ لنا .

*وجاء في الكلمات القصار من نهج البلاغة قوله : العلم خيرٌ من المال ، وصنيع المال يزول بزواله [ الكلمة 148 نهج البلاغة ] . صنيع المال المراد به : ما يفعله المال وما يقدمه ، فإنه يزول بزواله ، والصنيع موجود ما دام المال موجود فإذا ذهب ذهب معه ، وقد أستعملت كلمة ـ صنيع ـ في لغتنا العربية بأستعمالات شتىً ، صنيع ومصنوع وصنيعة وغيره .

رأي الإمام الصادق بأبي الخطاب

*روي الكشي في رجاله ص 291 عن عنبسة بن مصعب قال : قال أبو عبد الله : أي شئ سمعت من أبي الخطاب ، قال سمعته يقول : إنك وضعت يدك على صدره وقلت له أحفظ ولا تنسَ وقال :

إنك تعلم الغيب ، وإنك قلت له هو عيبةُ علمنا . قال أبو عبد الله لا والله ما مسَّ شئٌ من جسدي جسده إلاّ يده ، وأما قوله : إني قلت أعلم الغيب فو الله الذي لا إله إلا هو ما أعلم الغيب ، ولا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إن كنت قلت له ... قال وقدامهُ جويرية سوداء تدرُجُ قال : لقد كان مني إلى أم هذه كلحظ القلم [ لحظ فوهة الماء وهو كناية لطيفة ] فأتتني هذه ، فلو كنت أعلم الغيب ما كان تأتيني ، ولقد تقاسمت مع عبد الله بن الحسن حائطاً بيني وبينه فأصابه السَّهل والشرب وأصابني الجبل ، فلو كنتُ أعلم الغيب لأصابني السهل والشرب وأصابه الجبل ـ الشرب يعني العين الجارية ـ . وأما قوله :

قلت له عيبةٌ علمنا وموضع سرنا أمين على أحيائنا وأمواتنا ، فو الله لقد قال كذباً ...

*وروي الكشي في رجاله ص 294 عن معاوية بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال : بلغني عن أبي الخطاب أشياء فدخلت على أبي عبد الله فدخل أبو الخطاب وأنا عنده ، فلما أن بقيت أنا وهو في المجلس ، قلت لأبي عبد الله إن أبا الخطاب روي عنك كذا وكذا ... قال فأقبلت أعرض ما روي شيئاً شيئاً مما سمعنا وأنكرنا إلاّ سألت عنه فجعل يقول كذب ... وذهب أبو الخطاب حتى ضرب بيده إلى لحية أبي عبد الله ، قلتُ خُذ يدك عن لحيته ، فقال أبو الخطاب يا أبا القاسم لا تقوم ! قال أبو عبد الله له حاجة حتى قال ثلاث مرات كل ذلك يقول أبو عبد الله له حاجة ، فخرج فقال أبو عبد الله إنما أراد أن يقول لك يخبرني ويكتمك ، قال : فأبلغ أصحابي كذا وكذا ، قلت إني لا أحفظ هذا فأقول ما حفظت وما لم أحفظ ، قلتُ أحسن ما يحضرني ، قال : نعم فإن المصلح ليس بكذاب

*وروي الكشي في رجاله ص 295 عن عمران بن علي قال : سمعت أبا عبد الله يقول لعن الله أبا الخطاب ، ولعن من قتل معهُ ، ولعن من بقي منهم ولعن الله من دخل قلبه رحمة لهم ,,.

الطبقة الثانية

وقد عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن رسول الله ـــ بأسانيد معروفة ووضعوا لها غير تلك الأسانيد ، فركبوها عليها ليستغربوها بتلك الأسانيد ، منهم إبراهيم بن اليسع من أهل مكة يحدث عن جعفر بن محمد الصادق وهشام بن عروة ، فركب حديث هذا على حديث هذا ، وحديث هذا على حديث هذا ...

الطبقة الثالثة

قوم من أهل العلم حملهم الشره على الرواية من قوم ماتوا قبل أن يولدوا ، مثل إبراهيم بن هُدبة ، كان يروي عن الأوزاعي ولم يدركه ...

الطبقة الرابعة

قوم عمدوا إلى أحاديث صحيحة عن الصحابة ، فرفعوها إلى رسول الله كأبي حذافة أحمد بن إسماعيل السهمي ..

الطبقة الخامسة

قوم عمدوا إلى أحاديث مرويّة من تابعين أرسلوها عن رسول الله فزادوا فيها رجلاً من الصحابة ، مثل إبراهيم بن محمد المقدسي ..

الطبقة السادسة

قوم الغالب عليهم الصلاح والعبادة ، ولم يتفرغوا إلى ضبط الحديث وحفظه وإتقانه فأستخفوا بالرواية فظهرت أحوالهم ، مثل ثابت بن موسى الزاهد ...

الطبقة السابعة

قوم سمعوا من شيوخ وأكثروا عنهم ، ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها من أولئك الشيوخ فحدثوا بها ، ولم يميزوا بين ما سمعوا وبين ما لم يسمعوا .

الطبقة الثامنة

قوم سمعوا كتباً مصنفة عن شيوخ أدركوهم ، ولم ينسخوا أسماعهم عنهم عند السماع وتهاونوا بها إلى أن طعنوا في السن ، وسألوا عن الحديث ، فحملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتب مشتراة ليس لهم فيها سماع ولا بلاغ ، وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون ، وهذا النوع مما كثر في الناس وتعاطاه قوم من أكابر العلماء .

الطبقة التاسعة

قوم ليس الحديث من صناعتهم ، ولا يرجعون إلى نوع من الأنواع التي يحتاج المحدث إلى معرفتها ، ولا يحفظون حديثهم ، فيجيئهم طالب العلم فيقرأ عليهم ما ليس من حديثهم ، فيجيبون ويقرّون بذلك وهم لا يدرون ,

الطبقة العاشرة

قوم كتبوا الحديث ورحلوا فيه وعُرفوا به فتلفت كتبهم بأنواع من التلف فلما سئلوا عن الحديث حدثوا به من كتب غيرهم أو من حفظهم على التخمين فسقطوا بذلك منهم عبد الله بن لهيعة...

...

 

.