الخلط المعرفي

إن الخلط المعرفي أدى إلى فهم خاطئ وتفسير ردئ للقرآن ، وقد جاء هذا كنتيجة حتمية للأخبار الكاذبه التي وضعها رجال أشتهروا بالكذب فمثلاً نقرأ في تفسير الكشاف للزمخشري قوله :

" لولا الكوسج الأعرج لبقى القرآن بكراً ... " مع أن الزمخشري عالم متعدد المواهب ، وحينما يتعرض لقصة النبي سليمان مع الملكة بلقيس ملكة سبأ نراه يقول :

ــ وإن تحت يدها أثني عشر ألف قائد تحت كل قائد مائة ألف .. " الكشاف ج2 ص141 " .

أي تحت قيادة ملكة سبأ ـ مليار ومائتي مقاتل ـ وحين تنظر بدقة إلى مملكة سبأ في ذلك الوقت وتنظر إلى جيشها الهائل الذي يقارب شعب الصين وكوريا ، فإنك حتماً ستسأل كم كان عدد نفوس مملكة سبأ آنذلك حتى سيكون أضعاف هذا العدد ، وهذا يعني أنها كانت من العظمة بمكان حتى يمكن وصفها بذلك ،

ولكننا نرى اليمن الموحدة بشطريها اليوم لا يتجاوز عدد سكانها الملايين العشرة أقل أو أكثر قليلاً ، والحال ان الزيادة السكانية الآن في العالم كان أكثر بكثير مما كان عليه الحال في سالف الزمان نتيجة للتطور الأقتصادي والثقافي والصحي والأجتماعي ونوع المعيشة ووسائل الخدمات .

إن الذي رسخ هذه المفاهيم في كتب الأصحاب هي الأخبار التي أوردها وهب بن منبه

الذي دعمها بهالة من الأعجاز أدخلت في مجال الحديث عن قصص أنبياء بني إسرائيل ، وهذه القصص هي ما نسميها ـ الإسرائيليات ـ سواءٌ في كتب الرواية والتاريخ والسيرة . لقد شكل وهب بن منبه وكعب الأحبار التغطية لهذه الإسرائليات وتوزيعها بشكل منظم في كتب الأخبار . ومن بين هذا الخلط المعرفي الذي تسرب إلى كتب الأخبار نقتطف بعض الأمثلة :

1 – قال الكشي : وجدت في كتاب أبي محمد جبرئيل بن أحمد : حدثني محمد ابن عيسى عن محمد بن الفضل الكوفي عن عبد الله بن عبد الرحمن عن الهيثم بن واقد عن ميمون بن عبد الله ـ من أصحاب الإمام الصادق ، قال : أتى قوم إلى أبا عبد الله ، يسألونه الحديث عن الأمصار وأنا عنده ، فقال لي أتعرف أحداً من القوم قلت : لا ، فقال : كيف دخلوا عليّ ؟ قلت : هؤلاء قومٌ يطلبون الحديث من كل وجه ، لا يبالون ممَّن أخذوا الحديث ، فقال الإمام لرجل منهم : هل سمعت من غيري من الحديث ؟ قال نعم ، قال : فحدثني ببعض ما سمعت ؟ قال : إنما جئت لآسمع منك لم أجئ أحدثك ، وقال للآخر : أجعل الذي حدثك حديثه أمانة لا تحدث به أحداً ؟ قال : لا ، قال : فأسمعنا بعض ما اقتبست حتى نفُيدك إن شاء الله .., قال حدثني سفيان الثوري عن جعفر بن محمد قال : ـ النبيذ حلال ٌ إلاّ الخمر ـ

وقد أفتى بعض فقهاء أهل السنة بحلية النبيذ ، وكان خلفاء بني العباس يميلون إلى هذه الفتوى }

ثم سكت فقال أبو عبد الله : زدنا قال حدثني سفيان عن من حدثه عن محمد بن علي أنه قال : ـ من لايمسح على خُفيه فهو صاحب بدعة ـ ومن لم يشرب النبيذ فهو مبتدع ـ ومن لم يأكل الجرش ( نوع من أنواع السمك ) وطعام أهل الذمة وذبائحهم فهو ضال ــ أما النبيذ فقد شربهُ عمرُ فرشحه بالماء ، وأما المسح على الخفين فقد مسح عمُر على الخفين ثلاثاً في السفر ويوماً وليلة في الحضر ، وأما الذبائح فقد أكلها عليٌ ،

وقال : كلوها فإن الله تعالى يقول : { أحلُّ لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم } ثم سكت . قال أبو عبد الله زدنا فقال : قد حدثتك بما سمعت قل أكلُّ الذي سمعت هذا ؟ قال : لا ، قال : حدثنا عمرو بن عبيد عن الحسن البصري قال : أشياء صدق الناس بها وأخذوا بها وليس في الكتاب لها أصل ، ومنها الميزان ، ومنها الحوض ، ومنها الشفاعة ، ومنها النيّة ينوي الرجل من الخير والشرّ فلا يعمله ، فيصاب عليه ولايصاب الرجل إلا بما عمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، قال : فضحكتُ من حديثه فغمزني أبوعبدالله إن كَفَّ حتى نسمع قال : فرفع رأسه إليَّ ما يضحك من الحق أو عن الباطل ؟ قلت له : أصلحك الله ، فإنما يضحكني منك تعجبنا كيف هذه الأحاديث ، فسكت ، قال أبو عبد الله : زدنا ، قال : حدثني سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر أنه رأى علياً على منبر الكوفة وهو يقول : لأن أتيت برجل يُفضلني على أبي بكر وعمر لآجلدنَّه حدَّ المفتري !

قال : حدثني سفيان الثوري عن جعفر بن محمد قال : حبُّ أبي بكر وعمر إيمانٌ وبغضهما كفرٌ ، قال أبو عبد الله زدنا ، فقال حدثني يونس بن أبيَّ عن الحسن البصري أنَّ عليّاً أبطأ عن بيعة أبي بكر فقال له عتيق : ما خلفك يا علي عن البيعة ؟

والله لقد هممت ان أضرب عنقك فقال له عليٌ يا خليفة رسول الله لا تصري . قال له أبو عبد الله : زد نا ، قال حدثني سفيان الثوري عن الحسن البصري ان أبا بكر أمر خالد بن الوليد أن يضرب عنق عليٌ إذا سلمّ في صلاة الصبح ، وأن أبا بكر سلم بينه وبين نفسه وقال يا خالد لاتفعل ما أمرت ، ثم قال : يا خالد لا تفعل ما أمرتك . قال له أبو عبد الله : زدنا ، قال حدثني نعُيم بن عبد الله عن جعفر بن محمد قال : ودّ علي بن أبي طالب أنه بُنخيلات ينبوع يستظلُّ بهن ويأكل من حشفهن ولم يشهد يوم الجمل ولا النهروان ، وحدثني سفيان الثوري ، قال أبو عبد الله ، زدنا ، قال حدثنا عبّاد عن جعفر بن محمد أنه قال : لما رأى علي بن أبي طالب يوم الجمل كثرة الدّماء قال لأبنه الحسن : يا بني هلكتُ ، قال له الحسن : يا أباه أليس قد نهيتك عن الخروج ؟ فقال علي : يا بني لم أدرِ أنَّ الأمر يبلغ هذا المبلغ !

قال أبو عبد الله زدنا ، قال حدثني سفيان الثوري عن جعفر بن محمد أنَّ عليّاً لمّا قتل أهل الصفين بكى عليهم ، ثم قال : جمع الله بيني وبينهم في الجنّة ، فضاق بي البيت ، وعرقت وكدت أن أخرج من مسلكي فأردت أن أقوم إليه وأتوطأه ، ثم ذكرتُ غمزة أبي عبد الله ، فكففت فقال له أبو عبد الله : من أيَّ البلاد أنت ؟ قال : من أهل البصرة : قال : أبي عبدالله فهذا الذي تُحُدّث عنه وتذكر أسمه جعفر بن محمد تعرفه ؟ قال لا ، قال هل سمعت منه شيئاً ؟

قال لا ، قال فهذه الأحاديث عندك حق ؟ قال نعم ، قال فمتى سمعتها ؟ قال لا أحفظ ، قال : إلاّ إنها أحاديث أهل مصرك منذ دهر لا يمترون منها ، قال له أبو عبدالله : لو رأيت هذا الرجل الذي تحُدث عنه فقال : لك هذه التي ترويها عني كذب لا أعرفها ولم أحدث بها هل كنت تصدقه ؟

قال : لا ، قال : لمَ ؟ قال : لأنه شهد على قوله رجال لو شهد أحدهم على عنُق رجل لجاز ، قال أبو عبدالله : أكتب بسم الله الرحمن الرّحيم حدثني أبي عن جدّي قال : ما أسمك ؟ قال : ما تسأل عن أسمي ؟ إن رسول الله ، قال : خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثم أسكنها الهواء فما تعارف منها أئتلف ههنا وما تناكر حشره الله يوم القيامة أعمى يهودياً وإن أدرك الدجّال آمن به وإن لم يدركه آمن به في قبره ..ثم قال يا غلام ضع لي ماءً ... "

*هذا الخبر غريب مستهجن رواه الكشي في رجاله

{ الكتاب الذي هذبه وجمعه الشيخ الطوسي وأسماه ـ أختيار معرفة الرجال } ، نقل فيه هذا الخبر ونسب الراوي فيه الكلام إلى الأئمة ، وزعم أن سفيان الثوري روي هذا الخبر وسفيان الثوري كان من أصحاب الإمام الصادق ، أشتهر بالورع والتقوى والزهد وحاله في كتب التراجم والرجال واضحة جليّة ، وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري نسبه إلى ثور وهو أبو قبيلة من مضر ، توفي سنة 160 أو سنة 161 هجرية { أنظر الرسالة المستطرفة ص 31 }

وجبريل بن محمد كان من شيوخ العياشي صاحب التفسير المعروف ، وقيل إنه من شيوخ الكشي كان كثير الحديث والرواية وهذا ما قاله صاحب قاموس الرجال .

ملاحظة : إن الموقف من رواة الأخبار ينبغي ان يكون نابعاً من التزام وقناعة وإيمان بالحقوق والواجبات وبالهدف الذي من أجله تأسس علم الحديث والرواية ، والموقف يجب أن يكون عقلانياً وقائماً على قواعد من العلم والعليّة والأسس المعرفية المطابقة للقرآن بإعتباره مدار الإرجاع في قضايا الصواب والخطأ .

والواقع ان هذه الأخبار نشأت بفعل عوامل سياسية واقتصادية وجاءت كتأكيد على صحة مذهب أو فرقة معينة ، وقد تشكلت تلك الفرق نتيجة الخلافات التي حدثت بعد الخلافة الراشدة ، مما جعلت للخبر مزايا تنسجم جدلاً مع طموحات الحاكم ورؤاه السياسية والفكرية بل والأقتصادية والأجتماعية وهي تعكس مدى التطور التاريخي أوعقم التجربة السياسية ببعدها السلطاني الملوكي ، ومن هنا نشأت الأخبار كقوة ردع ضد المعرضين السياسين والفكرين للحاكم ولتوجهاته في قيادة الأمة سياسياً واقتصادياً وثقافياً ،

وبالمقابل نشأت مدرسة للأخبار عند المعارضين تناقض في توجهاتها المدرسة الأولى وتتبنى مناهج تنسجم ونظرياتها السياسية ورواها الفكرية ، ولهذا جاء الخبر عند الفريقين تحكمه النزعة الضيقة التبريرية المهزوزة الضعيفة التي لا تنسجم وروح العربية وآدابها ورسوماتها بل وتختلف عن طبيعة الرسالة الإلهية ومضمونها الإنساني ، بل وجاءت مخالفة لقوانين التطور التاريخي والضرورة التاريخية والصيرورة التاريخية وحقائقها الموضوعية ، مخالفة في مستوى النظم التاريخي وتكوينه ومعطياته .

إن الموقف من الخبر كل الخبر ينبغي إعادة النظر فيه بدرجة يمكن من خلالها تقويمه وتجديد فهمه وإنتاجه ، فالخبر بالنتيجة ليس وحياً ، وإنما يحتمل الخطأ والصواب ويعبر عن حالات حياتية معينة أجتماعية سلوكية وأخلاقية وتربوية تعليمية ، والخبر لغة ذات خطاب بيئوي معين لا يمكن ان يتعدى جدليّة العرف الزمن ، والأعتبار الذي نوليه ينبع من كوننا نعتقد فيه انه يمثل شيئاً ما من التفسير والشرح للنصوص التي تمس حياة الإنسان العربي آنذاك .

إن تجديد مباني التفكير يعطي للخبر قوته ومتانته الحضارية والتراثية ويجعل منه في أحيان كثيرة شريكاً في عملية التطور الحياتي والتقدم الإنساني ، ولذلك فالدعوة للتجديد دعوة للفهم الصحيح فهم الدلالة وفهم البيان وبهذا نكون قد أعدنا صياغة التجربة الحضارية بإنتاج جديد يقوم على تأصيل الأصول لكي تلبي الحاجة الإنسانية الملحة في إقامة التوازن الأستراتيجي بين المادي والروحي هذا التوازن الذي يكمن في إعادة تقييم هذا النوع من التراث الذي فيه القوة والغاية .

2 – روي ابن ماجه في سننه ج2 ص929 الحديث رقم 2780 قال : حدّثنا إسماعيل بن أسد حدثنا داوود بن المحبَّر أنبأنا الربيع بن الصبيح عن يزيد بن آبان عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله : ستفتح عليكم الآفاق ، وستفتح عليكم مدينة يقال لها قزوين من رابط فيها أربعين يوماً أو أربعين ليلةً كان له في الجنة عمود من الذهب علية زبرجدة خضراء عليها قبّة ٌ من ياقوتّة حمراء على كل مصراع زوجة ٌ من الحور العين ....

*يتصور أن { الحور العين } يقفن على الباب في حين أن الحور العين المقصورات في الخيام لا عند المصراع ـ الباب ـ !

1 – يزيد بن أبان الرقاشي البصري ، قال النسائي : متروك ، وقال الدارقطني : ضعيف والمتروك في أصطلاح المحدثين هو : ( الحديث الذي رواه واحدٍ متهم بالكذب في الحديث أو ظاهر الفسق بفعل أو قول ، أو كثير الغفلة ، أو كثير الوهم ـ ألفية السيوطي ص94 ) .

قال أحمد بن حنبل : كان يزيد منكر الحديث ، والمنكر هو الذي يرويه الضعيف مخالفاً رواية للثقة { علوم الحديث ومصطلحه ص203 صبحي الصالح } . وقال ابن الدورقي عن ابن معين : في حديثه ضعف ، وعدّه البخاري في الضعفاء .

2 – الربيع بن الصبيح البصري ، كان القطان لا يرضاه ، وقال الشافعي : كان رجلاً غـزاء . وقال ابن معين والنسائي : ضعيف .

3 – داوود بن المحبر بن قحذم ، قال أحمد : لا يدري ما الحديث ، وقال ابن المديني : ذهب حديثه ، وقال ابو زرعة : ضعيف ...

4 - *قال ابن الجوزي هذا الحديث من الموضوعات لا شك في ذلك ، لضعف سنده فسنده مسلسل بالضعفاء أي ضعيف يروي عن ضعيف ، ثم قال لا أتهم غير يزيد بن أبان الرقاشي بوضع هذا الحديث ، ثم أردف قائلاً : والعجب من ابن ماجه لم يشر إلى ضعفه مع علمه بذلك ، وكيف جاز له ان يذكر هذا الحديث في كتاب السنن ولا يتكلم عليه ؟ .

ولعل ابن ماجه القزويني ذكر الحديث ولم يردّه لأنه كان مرتبطاً بفضائل مدينته قزوين مسقط رأسه ، وهذا اللون جرى تقليده عند أكثر المحدثين في مدح وإبراز فضائل مدنهم كما نقرأ عن مدينة قم وغيرها ويبدو أنها في الأساس لا سند تاريخي لهذه الأخبار بل هي من الموضوعات ...

3 – روي الكليني في أصول الكافي ج1 ص242 في باب ـ إنا إنزلناه في ليلة القدر وتفسيرها ـــ روي تسع أحاديث في إحدى عشرة صفحة تقريباً ، وكل هذه الأحاديث التسعة لا سند لها وتنتهي إلى راوٍ واحدٍ هو : الحسن بن العباس بن الحريش روي عن أبي جعفر الثاني الإمام الجواد

*ونحن لا بد ان نتعرف على هذا الراوي من خلال أقوال علماء الرجال فيه . قال النجاشي : الحسن بن العباس بن الحريش الرازي روي عن أبي جعفر الثاني ضعيف جداً ، له كتاب إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وهو كتاب ردئ الحديث مضطرب الألفاظ .

وقال العلامة الحلي : الحسن بن العباس بن الحريش روي عن أبي جعفر ضعيف جداً ـ الخلاصة ص 214 ـ .

وقال ابن الغضائري : الحسن بن العباس بن الحريش أبو محمد ضعيف الرأي ، روي عن أبي جعفر الثاني فضل إنا أنزلناه في ليلة القدر كتاباً مصنفاً فاسد الألفاظ ، مخايله تشهد على انه موضوع ، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب حديثة .

قال وبهذا الإسناد : إن أمير المؤمنين قال لأبي بكر يوماً ـ لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون ـ وأشهد أن محمداً رسول الله مات شهيداً ، والله ليأتينَّك فأيقن إذا جاءك فإن الشيطان غير متخيل به {وكان يجب أن يقول غير متمثل به } فأخذ عليٌ بيد أبي بكر فأراه النبي فقال له : يا أبا بكر ، أمن بعليّ و بأحد عشر من وُلدِه إلاّ النبوّة وتب إلى الله في ما بيدك فإنه لا حق لك فيه ، ثم ذهب فلم يُرّ ...

*قوله : فإن الشيطان غير متخيل به ، وهذا اللفظ منه صحيح والصواب أن يقول : ــ لا يتشكل به أو لا يتمثل به ــ وأما معناه فأي ربط لقوله تعالى : { ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل أمواتاً بل أحياءً عند ربهم يرزقون } ــ مع مجئ النبي إلى أبي بكر ؟

والمراد من الحياة في الآية الشريفة هو الحياة في عالم الآخرة لا عالم الدُنيا وليس المقصود من ـ عند ربهم يرزقون ـ العندية المكانية ولا الرزق المادي وإنما المقصود تكريم الروح بقربها من الله قرب مكانة والأستمتاع باللذائذ أستمتاعاً روحياً لا جسمياً . وليس معنى الحياة هو حياة الجسم فجسم الشهيد قد وُري التراب .

وعليه فلا وجه مناسباً لترتيب مجئ النبي إلى أبي بكر ، ثم لو كانت الشهادة موجبة لذلك لجاز أن يأتي كل شهيد إلى هذا العالم ويخاطب الناس بما يريده ، وهذا خلاف الضرورة من الدين والعقل .

وجواز مجئ النبي من جهة نبَّوته المعنوية لا من جهة شهادته المادية حتى يحتاج إلى إثبات حقيقة المراد عودة الشهيد ، ومعلوم من دين الإسلام ان الناس ليسوا مكلفين بغير إمام موجود ظاهر قد رأوه ، فكيف يقول لأبي بكر أمن بعلي وبأحد عشر من ولده ؟ .

والتكليف منوط بالقدرة وهي تحتمل الشئ بما هو هو ، ولذلك يبطل مع عدم القدرة على أدائه فكيف والتعليل مرتبط بقضية لا أعتبار لها ولا سند ؟ .

مشكل اللفظ المعنى

إن حَّل مشكل اللفظ المعنى لا بد أن يقوم على حلَّ التناقض القائم بين الدلالة والمضمون بحسب مباني التحقيق في الأخبار والتحقيق في الرجال أي ما نسميه السند التاريخي الذي يجسد لحظة زمانية معينة تحكم على سيرة وتكامل عملية التطور المعرفي لما نريد بيانه ، وهو ليس واحداً بلحاظ التعدُّد ولكنه يتقوَّم بالمنهاج الذي يمكن على ضوئه معرفة الخطاب وصحته ، صحة العبارة والصياغة والأنطباق المصداقي على الشئ الذي تتحدث عنه باللحاظ التاريخي المكون له أو المنتج فيه وهو الذي يدلنا على قوة ومتانة المعنى المراد وهذا يكمن داخل قضية التطور المعرفي ككل .

ولأن الحديث يتناول مشكل اللفظ المعنى في الميزان الخبري فلا بد إذن من إعادة تصميم اللوحة الخبرية من خلال إعادة أصول التعليم التي تقوم على حلّ الأضطراب والخلل في الأخبار ، والذي هو جزء من العملية التعليمية ككل . لقد كان المجلسي محقاً في إعطائه الدروس من الكتب الروائية والخبرية لأنه بذلك يدفع إلى معرفة الخبر وصحته وضعفه وماهيته ومدى أنطباقه على الواقع التاريخي والواقع الزمني ، ومدى أنطباقة على مضامين القرآن الكريم .

وأظن أن مشكل اللفظ المعنى مرتبط بإشكالية الدين العقل ، والدين الواقع ، سواء داخل التعدد الفكري والفرقي ، أو داخل الفرقة الواحدة . ومنه نعلم أن حديث تفترق أمتي إلى بضع وسبعين فرقة لا أساس له من الصحة لأنه يعارض آيات القرآن ويعارض منطق العقل وهو تكلس معرفي صنعته أيد سياسية ومذهبية لا علاقة لها بالدين ،

والتفاخر الذي نجده بألسن الطوائف والمذاهب على أنها المعنية بالفرقة الناجية ليس أكثر من تهويش لا قيمة معرفية له .

ولو أردنا تتبع منابع هذا الحديث لوجدناه من الموضوعات [راجع ميزان الأعتدال ج2 ص250] .

*روي الشيخ الصدوق في كتابه أخبار الرضا ـ أن الإمام الرضا قال : [يا ابن أبي محمود ، إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام ، أحدها : الغلو ، وثانيها : التقصير ، وثالثها : التصريح بمثالب أعدائنا ، فإذا سمع الناس الغلو فينا كفرّوا شيعتنا .. ] .

*وقد أورد الخطيب في كتابه [الخطوط العريضة ] بعض هذه الأخبار ، وقال إن الشيعة تعتقد بأن الأئمة من أهل البيت هم الله ! .

وهذا القول منه لم يأت أعتباطاً بل جاء نتيجة حتمية لوجود هذه الأخبار في كتبنا الروائية ، ولم يتصد أحدٌ لحذفها وإخراجها من فصول وأبواب هذه الكتب ، بل وقد تبناها البعض وأحاطوها بهالة من التقديس المثيولوجي في جو سكوني أسموه عرفاناً ، والحق انه تطرف وغلو وعدم دقة في فهم النصوص ، وعدم تطبيق لهذه الأخبار على المضامين القرآنية واختلقوا من أجل دعواهم رموزاً وإشارات نسبوها زوراً إلى أئمة أهل البيت وهم منها براء .

*إن المسؤولية الشرعية والأحتياط الديني يلزمان الفرد بعدم الجري وراء الأخبار دون تدبر ، وقد ثبت في التاريخ أن الجري وراء الأخبار دون تدبر باطل ، وبملاحظة بسيطة للزمن الثقافي الذي دوِّنت وصيغت فيه هذه الأخبار ، نجد أنها نتاج للعقل المخالف للدين ونواميس السماء ومصالح الناس .

إن الخطيب وأمثاله لم يأتوا بزعم من خارج دائرة المنظومة الروائية والخبرية الشيعية بل منها ، ولذلك لا ينبغي الطعن فيه والتشكيك بنواياه بقدر ما يجب أن نعيد بناء هذه المنظومة على أسس دينية وعقلية شرعية ، بعيدة عن التهويل والخداع والتزييف والعرفانيات الضيقة الأفق .

إن المشروع الذي نتبناه في إعادة تقويم الهيكلية الروائية يقوم على أسس علمية وموازين ومقدمات أعتمدها علماء الرجال في التمييز بين الأخبار والرواة داخل قانون . الجرح والتعديل الذي عرّفه [ صاحب الظنون ] بقوله : [ علم يبحث فيه جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة وعن مراتب تلك الألفاظ [ كشف الظنون ج1 ص 582] .

فالجرح والتعديل علم خاص له شروط معينة منها :

1 – أن لا يقبل الجرح إلاّ مفسَّراً ، أما التعديل فلا يشترط فيه البيان لأن أسبابه كثيرة متشعبة يعسر حصرها وتعدادها ، فلذلك لم يلتزموا بيانها . قال ابن الصلاح :

التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور ، لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها ، أما الجرح فإنه لا يقبل إلاّ مفسّراً مبين السبب ، لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح فيطلق أحدهم الجرح بناءً على أمر اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر ، فلا بد من بيان سببه لينظر فيه أهو جرح أم لا [ مقدمة ابن الصلاح ص 220 ] .

2 – أعتماد قبول الجرح المجمل غير المفسر في حق من خلال من التعديل إذا جاء عن ثقة متمكن قال الحافظ : [ فإن خلا المجروح عن التعديل قبُلِ الجرح فيه مجملاً غير مبين السبب ، إذا صدر عن عارف على المختار لأنه إذا لم يكن فيه تعديل كأنه في حيز المجهول ، وأعمال قول المجرح أولى من إهماله [ شرح النخبة ص24] .

3 – سلامة الجرح من الموانع التي تمنع قبوله ، قال اللكنوي : [ يجب عليك أن لا تبادر إلى الحكم بجرح الراوي بوجود حكمة من بعض أهل الجرح والتعديل ، بما يلزم عليك أن تنقح الأمر فيه فإن الأمر ذو خطر وتهويل ، ولا يحل لك ان تأخذ بقول كل جارح في أي راوٍ كان . وإن كان ذلك الجارح من الأئمة ، أو من مشهوري علماء الأمة ، فكثيراً ما يوجد أمر يكون مانعاً من قبول جرحه ، وحينئذٍ يحكم برد جرحه وله صور كثيرة لا تخفى على مهرة كتب الشريعة فمنها أن يكون الجارح في نفسه مجروحاً ، فحينئذٍ لا يبادر إلى قبول جرحه ، ومنها أن يكون الجارح من المتعنتين المشددين [ الرفع والتكميل ص 115 ــ 117 ] .

*ومن هذه القواعد نجد أن المحدثين قد أسسوا هذا العلم على أسس واضحة وقواعد سليمة وهي تمثل القاعدة الأساسية لعلم النقد [ راجع أصول منهج النقد عند أهل الحديث ص 38 ـــ 39 عصام البشير طبع مؤسسة الريان ] .