الرجعة

الرجعة : يتفرع البحث فيها إلى فرعين رئيسيين هما :

أولاً : رجعة الإمام المهدي :

وثانياً : رجعة الأئمة ــ سائر الأئمة .

اما عن الفرع الأول : فإعتقادنا ان المهدي محمد بن الحسن العسكري ولد يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان ــ 8 شعبان ــ وليس يوم 15 شعبان كما هو المشهور

( راجع رجال العلامة الحلي ص 273 الفائدة الخامسة )

والأخبار التي تؤيد ولادته كثيرة ومعتبرة ويركن إليها ، ولكن هل الإمام المهدي لا زال حياً بعد ولادته أم لا ؟

لا شكٌ أن الأخبار التي تتحدث عن حياته أخباراً ضعيفة من جهة الدلالة ومن جهة السند ، ولا يمكن الأعتماد عليها كحجة في إثبات حياته ،

إذ إن ما بأيدينا منها لا يركن إليه ولا يعتمد عليه وأقرأ ما شئت في ذلك تجد أنها صيغت بعبارة أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة وقد حاولنا جاهدين إيجاد مخرج لهذه الأزمة فلم نجد إلآ التعليل الذي يفتقد للدقّة لضعفه ومخالفته للواقع ولتناقضه وتحديده لأشياء هي من أختصاص الله وحده ـ بعلمه وبقدرته ـ

ثم إن هذه الأخبار جاءت بلسان الحكاية التبريرية التي لا يمكن ان تكون برهاناً لواقع ولحقيقة خبرية رصينة ونحن لذلك نتوقف بمسألة حياته لهذه الأعتبارات ولدليل العقل الذي يكشف عن قوة ومتانة النص وضعفه هذا أولاً ..

وأما حول السؤال الذي يقول بأحتمال كون الإمام المهدي ميتاُ ؟ ! .

فهذا أيضاً لا دليل عليه وقد وردت إشارات من الآخر في هذا المجال لا يعتد بها ولا يركن إليها ، ومن هنا أصبح مذهبنا التوقف في هذه المسألة تحديداً ، لأن التوقف هنا حاجة تعبر عن واقع موضوعي وضرورة دينية وهذا : ثانياً .

*ولكن لماذا المهدي ؟ المهدي كعنوان يمثل حقيقة الوعد الإلهي في العدل وسيادة القانون والنظام والحرية وإزالة كل ألوان الطبقية والأستغلال والتفاوت الأثني والقومي ، وهو يضمر في داخله السعي لزوال الأنظمة الرجعية والديكتاتورية والنظم الأحتكارية ، والمهدي وعد إلهي ضربه لنا رسول الله ، عبر مقولته الشهيرة : في ملء الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً ـ

أي أنه الوعد بحل إشكاليه التناقض والضدية بين العدل والظلم ، والنظام واللانظام ، والقانون واللاقانون ، وهو بعد تجسيد لآمال وطموحات الإنسان في تحقيقه لمبدأ السعادة ، المبدأ الذي جاءت الديانات وقوانين البشر لتأكيده كضرورة تاريخية حتمية ولا زمة للوجود البشري ،

ولا مناص من الآعتقاد بان الأرض لا بد أن تسود فيها مبادئ الخير وتنتهي فيها عبر صراع مرير ادوات الشر لأنه عدم محض ،

فالمهدي ضرورة تاريخية تعبر عن ضرورة إنسانية في سيادة العدالة والقانون والنظام ، وهو تجسيد لحلم عموم البشرية الطموحة بما يحمل من فكرة تنتمي إلى حاضر الإنسان ومستقبله .

*هناك آراء ثلاثة لابأس إليها بالضرورة تعبر عن فهم تاريخي للمهدي :

الأولى : تقول بأن ـــــ المهدي ــــ لم يولد ولكنه سيولد فيما بعد أي بعد أن يأذن الرب في ذلك .

الثانية : قالت بأن ـ المهدي ـ مولود وانه حي يرزق ويمارس حياته الطبيعية في عالمنا .

الثالثة : قالت ـ بأن ـ المهدي ـ مولود وغائب ولكنه لا يعرف بالضبط ما إذا كان حياً أم لا ؟

لأن ـ المهدي ـ كحقيقة ربانية غيبية ترتبط بمفهوم الغيب والإيمان به ، كلإيمان بالقيامة والبعث والخلق والتكوين ، وإيماننا بذلك يجعل منا أكثر إلتزاماً بقراءة النصوص حول مفهوم الغيبة وكيفيتها وطبيعتها ، ولنفس السبب نرى ان تدرس القضايا التي ترتبط بمفاهيم القرأن بشئ من الموضوعية ، فمثلاً لازال الأعتقاد عند البعض بان عيسى بن مريم

قد رفع إلى السماء حياً وهذا الأعتقاد لا دليل عليه من نقل أو عقل فآيات القرآن أثبتت موته ، والعقل يثبت موته كذلك ولا دليل على بقائه حياً في السماء

*ويناقش جمهور المفكرين المسلمين بأن عيسى بعد أن نجا من اليهود عاش زمناً حتى أستوفى أجله ، ثم مات ميتة عاديةٌ روحه إلى السّماء مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء .... ( بل رفعه الله إليه ) النساء :158)

إنها تحقيق الوعد الذي تضمنته الآية : ( إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهركّ من الذين كفروا ) آل عمران : 55) وإذا كان قوله تعالى : ( بل رفعه الله إليه ) لايتضمن ذكر الوفاة واقتصر على الرفع فإنه لا بد من ملاحظة قوله تعالى:

( إني متوفيك ) ( مقارنه الأديان ص 57 المسيحية أحمد شلبي ) .

يقول الفخر الرازي : ــ إني متوفيك ــ أي منُهٍ أجلك ، ورافعك أي رافع مرتبتك ورافع روحك إليّ ، ومطهرك أي مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم

ويقول الألوسي : إن قوله تعالى : ـ إني متوفيك ـ معناه على الأوفق إني مستوفي أجلك . ومميتك موتاً طبيعياً ، لا أسلط عليك من يقتلك ، والرفع الذي كان بعد الوفاة هو رفع المكانة لا رفع الجسد خصوصاً وقد جاء بجانبه قوله تعالى : ـ ومطهرك من الذين كفروا ـ مما يدل على ان الأمر تشريف وتكريم .

ويقول ابن حزم الظاهري : إن الوفاة في الآيات تعني الموت الحقيقي ، وإن صرف الظاهر عن حقيقته لا معنى له . وإن عيسى بناء على هذا قد مات { الفصل في الهواء والملل والنحل من الكلام عن المسيحية } .

وقال الإمام محمد عبده : إن التوفي هو الإماتة العادية ، وإن الرفع يكون بعد ذلك وهو رفع الروح ـ راجع تفسير المنارـ .

*إن الرفع معناه رفع المكانة وقد ورد في القرآن بهذا المعنى قال :

1 – في بيوت أذن الله أن ترفع {النور : الآية 36} .

2 – نرفع درجات من نشاء {الأنعام : 83} .

3 – ورفعنا لك ذكرك {الأنشرح : 4} .

4 – ورفعناه مكاناً علياً {مريم :57} .

5 – يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات { المجادلة :11} .

ويقول الشيخ محمود شلتوت ـ : إن كلمة ـ توفي ـ قد وردت في القرآن كثيراً بمعنى الموت حتى صار هذا المعنى هو الغالب عليها المتبادر منها ، ولم تستعمل في غير هذا المعنى إلاَّ بجانبها ما يصرفها عن هذا المعنى المتبادر ويرى أن المفسرين الذين يلجؤون إلى القول بأن الوفاة هي النوم أو إن في قوله تعالى : ... متوفيك ورافعك ـ تقديماً وتأخيراً ، إن هذا تحميل للسياق ما لايحتمل ، فالرفع رفع مكانة ـ .

ويقول : إنه إذا استدل البعض بقوله تعالى : (وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين )على أن عيسى رفع إلى محل الملائكة المقربين . أجبناه بأن كلمة ـ المقربين ـ وردت في غير موضع من القرآن الكريم دون ان تفيد معنى رفع الجسم قال تعالى :

1 – ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) الواقعة : 10 – 11 ) .

2 – ( فأما إن كان من المقربين فروحٌ وريحانٌ وجنة نعيم ) الواقعة :88 _ 89) .

3 – (عيناً يشرب بها المقربون ) المطففين : 28} .

راجع القتاوي ص2 وما بعدها للشيخ محمود شلتوت .

وقال السيد محمد رشيد رضا : ليس في القرآن نص صريح على أن عيسى رفع بروحه وجسده إلى السماء ، وليس فيه نص صريح بانه ينزل من السماء ، وإنما هي عقيدة أكثر النصارى ، وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهور الإسلام بثها في المسلمين ( تفسير المنار ج10 رشيد رضا) .

وقال الشيخ المراغي : ليس في القرآن نص قاطع على ان عيسى عليه السلام رفع بجسمه وروحه وعلى انه حيٌّ الآن بجسمه وروحه ، والظاهر من الرفع رفعُ درجات عند الله ، كما قال تعالى في إدريس : ـ ورفعناه مكاناً علياً ـ فحياة عيسى حياة روحية كحياة الشهداء وحياة غيره من الأنبياء

{ نقلاً عن كتاب الفتاوي ص74 للشيخ شلتوت }

وقال الشيخ عبد الوهاب النجار : إنه لا حجة لمن يقول بأن عيسى رفع إلى السماء لأنه لا يوجد ذكر للسماء بإزاء قوله تعالى : ـ ورافعك إليَّ وكل ماتدل عليه هذه العبارة ان الله مبعده عنهم إلى مكان لا سلطة لهم فيه ، وإنما السلطان فيه ظاهراً وباطناً لله تعالى : ( قصص الأنبياء 57 النجار ) .

ويقول السيد قطب : لقد أرادوا قتل عيسى وصلبه ، وأراد الله ان يتوفاه وفاة عادية ففعل ، ورفع روحه كما رفع أرواح الصالحين من عباده ، وطهره من مخالطة الذين كفروا ، ومن بينهم وهم رجس ودنس

( في ظلال القرآن ج3 ص87) .

إن الخلط المعرفي الذي وقع لكلمة ـ رفع ـ إنما جاءت كتأثير غير مباشر لعقل الآخر الذي أسسه بولس الرسول في رسالته إلى أتباعه والتي قال فيها بمفهوم ، عودة الأبن إلى أبيه ـ عودة عيسى الأبن إلى أبيه الله وهذا في عقيدة المسلمين جميعاً باطل ،

لأن الله واحد منزه عن الجسمانية والشريك وكل خواص المادة ، وعودة عيسى إلى الله يعني ضرورة أن محله محل أجسام مادية وهذا مخالف للواقع الذي هو عليه الحال الإلهي . فالله ليس له مكانٌ حسي حتى يكون الرفع حسياً أيضاً ثم إن الخواص الجسمانية في حياتها تحتاج إلى كل ما يحتاجها حيّة بالعنوان الكلي الذي تدخل فيه الغريزة والشهوة ، والمحل الإلهي الخالص منزه عن هذه الأشياء لأصل الوجود ومقتضى الضرورة ، وعليه فلا نجد بأساً من إبطال المفهوم السائد حول حياة عيسى الجسدانية الروحية وإعتبارات الإشارات والإخبار في ذلك تعبيراً عن حياة الأنبياء بعد الموت أي تكريم أرواح الأنبياء بقربها من الله قرب مكانة وعلو كما وصف المتقين والشهداء ، و بذلك يبطل القول بأن عيسى رفع إلى السماء طالما عرفنا أن السماء بلحاظ الكناية المعنوية عن الله ليست محلاً للأجساد وهذا متفق عليه عند أهل البيان والبرهان ، واعتقادنا فيه أنه قد مات ورفعت روحه إلى محلها من الأرواح الطيبة للأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً .

والمهدوية

تعبير عن حلم الإنسان في السعادة في عالم يسوده القانون والنظام ، وهي فكرة إنسانية وليس بالضرورة ان تكون دينية وتحقيقها رهن بممارسة إيجابية وفعل متكامل تحقيقاً لوعد الإنسان بصيرورة أجتماعية اكثر تطوراً وتقدماً ونتاجاً

والمهدوية فكرة تصح للديانات والمذاهب والقوانين والمجتمعات كافة لأنها غاية في حد ذاتها ، فالعدالة مبدأ يسعى الإنسان لتحقيقه في بلاده ومجتمعه ، والمهدوية فكرة تعبر عن قيمة عليا في ممارستها لدور الخليفة على الأرض عبر الإصلاح والعدل الأجتماعي بشؤونه ومسائله ، إن تحقيق حلم المهدوية على الأرض حاجة يسعى الإنسان لنيلها عبر ممارسات وأعمال يقوم بها وتشكيلات وتنظيمات وأفكار وقوانين ، ولكن هذه الممارسة تظل مجرد عمل دعائي وقائي مرحلي ولم يتحول إلى صيغة استراتيجية إلآَّ بعد أن أهدت إليها رسالات السماء عبر ضرورة الأنتظام في المجتمع ، وقد مارس الأنبياء مع أقوامهم دور المبلغين والهداة إلى تأسيس هذا الأصل الإنساني ، ولكن نظام الجماعة السائد والمصالح الطبقية وطريقة الإنتاج الأقتصادي والإجتماعي حاربت هذا النهج وحاولت عبر ممارسات شتى إلى إلغاء المطالب الإنسانية بسيادة العدل والقانون ، ولكنه مع ذلك ظل كنهج يمثل الشعار التعبوي التحريضي والذي يمارسه المؤمنون برسالات السماء وبالصيغ القانونية الأكثر تحضراً ،

وهذا الجزء المنبسط من الفكرة المهدوية عززته تجارب الأمم والحضارات ودعت إليه كشكل من أشكال التنظيم الأجتماعي الذي يقضي على التفاوت الطبقي والمصالح البرجوازية الرأسمالية والفوقيات والأحقيات المذهبية والعرقية والأثنية الضيقة ، وهنا نصل إلى سرّ التسمية ومدى إنطباقها على مصاديقها .

واما عن النوع الثاني

رجعة الأئمة إلى الدنيا ، فهذه الفكرة أختلقتها يد الأخبار الكاذبة ـ الإسرائليات ـ التي تحكمت في قسط وافر من معارفنا وقد قام بالترويج والدعاية لها الوعاظ وأهل المنابر الذين ألحوا على صحة هذه الأخبار وصحة صدورها عن الأئمة ، والحال ان العلماء يقولون بأن هذه الأخبار من الموضوعات وحتى الذين قالوا بصدورها عن الأئمة التزموا بتأويلها وحملها على أقرب الإحتمالات التي لا تتنافى مع العقل .

إن العودة الشخصانية للأئمة ، فكرة تخالف العقل والدين لأنها عودة مادية تحتمل ظرفاً زمانياً مكانياً معيناً في شرط معين يتلازم فيه الأصل الذي تتم من أجله الرجعة ، فلو أفترضنا جدلاً عودة الإمام علي إلى الدنيا من أجل محاربة معاوية وغلبته لكي يثبت للناس إنه على حق ومعاوية على باطل .

فإن هذا يستلزم أولاً إبطال مبدئي العقاب والثواب في الآخرة ، وثانياً يشترط ان تتم الرجعة في ظرف زماني مكاني معين ومحدد

وبالتالي فهي إن حدثت فهي حجة على من رآها ، بمعنى أدق إن الذي قبلها والذي يأتي بعدها لا تكون عليه ـ الرجعة ـ حجة

ّ وإذا المراد إفهام الناس بإحقية علي فألأحقية ترتبط بواقع موضوعي خارج الوعي الإنساني ، الحديث عن جدلية الصراع الذي تمّ في فترة تاريخية معينة بشروط معينة خاصة ’ حديث عن الصراع الطبقي الموضوعي الذي يرتبط بقضايا جوهرية تقوم أساساً على مبدئي الحق والباطل ، وإثبات احقية الإمام ، لا يستلزم التمثلات المادية في لحظة تاريخية معينة بل هو ثوابت وحقائق موضوعية ، الحكم فيها للعقل من خلال النصوص الصحيحة ولا يشترط في صحتها إنجازها في واقع معين ـ مادي ملموس ـ بل إن العقاب المترتب على أرتكاب الباطل حددت له الرسالة السماوية مجموعة حدود وقوانين تضبط آلية هذه العملية ، والإيمان بوجود ـ العقاب ـ جزء من الإيمان بالوحدانية ،

والإيمان بالسنن والنواميس الإلهية ، مادام العقاب مع ثبات الجرم مترتب في عالم القيامة والبرزخ والذي حدثتنا عنه السماء عبر الوحي النازل على النبي ، وآمنا به كما آمن به الإمام علي ، فشرط رجعة الإمام من أجل الجزاء وإثبات الحق في الدنيا غير مرغوب فيه ولم يأت دليل من عقل اونقل على ثبوته ،

وقد جاء التأكيد منه تعالى بأنه أعد للمتقين جناتٍ وعيوناً في الآخرة وقال بان للكافرين والمنافقين نار جهنم في الآخرة أيضاً ،

ولم يحدثنا عن عودة جسمانية روحانية للأئمة لكي يتقاضوا في دار الفناء مع أعدائهم ، مع أننا نؤمن بأن الله تعالى إذا أراد ان يأخذ بحق المظلوم من ظالمه فمن السهل ان يأخذه من يد ظالم من دون رجوع احد من المظلومين من عالم الآخرة إلى عالم الدنيا ، ونؤمن بأن الجزاء الأخروي أشد وأقوى من الجزاء الدنيوي ،

والقول بأن للعزير وحمارة رجعة تحدث عنها القرآن قول بعيد لما نحن فيه ، لأنه يتعلق بقدرة الله ولا نقاش في هذا الأمر ، كالقول في إحياء الموتى لإبراهيم ، والحكم فيها كما ينطبق على الإمام علي ، ينطبق كذلك على سائر الأئمة ـ ، والرجعة بهذا المضمون لا تعني العودة الشخصانية كما يحلو للبعض تأويله من الأخبار الكاذبة ، بل تعني عودة وسيادة المبادئ الصحيحة على الأرض من خلال الرجال الأكفاء الذين يؤمنون بالحق والعدل والحرية ، المبادئ التي تعني دولة الإنسان وحاكمية الله على الأرض هذا هو أعتقادنا بالرجعة في الفرع الثاني .

" الرجعة ليست من العقيدة ولا من الضرورة الدينية ، والنصوص التي تعرضت لها لو صحت عن الأئمة ، لا بد من تأويلها برجوع سلطان الأئمة ومبادئهم ...."

( العلامة هاشم الحسني الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص 237 ) " .

*إن الذي جعل النتاج الفكري يميل ذات اليمين وذات الشمال إنما بسبب الأخبار الكاذبة ورواتها أصحاب المذاهب والفرق والتي أثرت بشكل ملحوظ في تفتيت بنى العقيدة وحرّفها عن مسارها الإنساني النبيل ، ولم يقتصر الحال على الزيف العقيدي بل تعداه إلى قضايا السلوك والأحكام الشرعية .

فقضايا الشريعة هي الآخرى بحاجة إلى أجتهاد أكثر واقعية وأكثر أنسجاماً مع طبيعة التفكير والحاجة الأجتماعية ، ويجب تنبيه الأمة إلى مخاطر الأجتهاد الممنوع الذي يمارس سرّاً وعلانيةً في بعض المدارس والحوزات فمثلاً :

الموقف من المتعة وتباعيضها

والإفتاء بجواز التمتع بالرضيعة هو نوع من الأجتهاد الممنوع لأنه يخالف الكتاب والسنة وخروج عن أدب الأجتهاد لأنه تدنًّ في السادية وتجاوز للفطرة وللذوق وللإنسانية ـ فالرضيعة الطفلة التي لم تبلغ سنها الثالث ـ

والإجتهاد في هذا اللون من التشريع عدوان على الإنسان والضمير وطبيعة الخطاب الألهي ومقتضياته ...

والأغرب ان بعض متفقهة هذا العصر يبذلون المال من أجل ممارسة ألوان المتعة وتباعيضها ، مع العلم أن النكاح الدائم يشترط فيه قبول المرأة ورضاها وهو ككل سنة مستحبة فكيف والحال المتمع بها رضيعة ؟

حتماً إن إتمام العقد يتم بالولاية من خلال الأب أو ما ينوب عنه ولائياً ، فأي أب هذا يسمح بالتلاعب بأبنته الرضيعة وبهذا النحو ؟

وأي فقيه متحضر يفتي بهذا اللون من الفتاوي القاتلة للإنسان والضمير ؟

إن الحاجة تدعو إلى إعادة تقييم وتقويم لهذا النهج اللامسؤول والتشريع الخاطئ فلا بد من فهم طبيعة النصوص وطبيعة العرف والمؤسسات الأجتماعية ونطامها التآلفي ، ولا يصح إطلاقاً ان تكون هذه الفتاوي تنطلق من جو آني سكوني ممتزج بلون خلافي ذي طابع عتيق ومرموز له بضدية الآخر حتى لو كانت هذه الضدية تؤول إلى خلاف النص والعقل ، وهذا الأمر جرى تقليده عند الجميع حتى أعتبره البعض إجماعاً .

2 – الموقف من الخمس :

إن توزيع الثروة بالشكل العادل يعتبر أحد أهم مزايا النظام الإسلامي وقانونه ، فالأقتصاد العادل يرفع حالات الفقر والجهل والمرض والأمية ، وقد جاء التأكيد على أن موارد الخمس المالية يجب ان ترفع الحاجة الواقعة على جماعة المحتاجة ، وهكذا هي النصوص والأخبار ، ولكن الذي يجري الآن هو خلاف ذلك إذ يُصار إلى تكديس للثروة والأخماس بيد جماعة معينة هم حاشية المرجعية يصرفونها بشؤونهم الخاصة ومواردهم المعينة بحيث تجعل منهم أباطرة وقياصرة جدداً ،

فكم من مرجع قد مات وترك من بعده الأموال الطائلة في بنوك الغرب تشهد لذلك الإحصائيات المتكررة والخلافات الحادة .

إننا نقترح ان تشكل لجان مهمتها متابعة أخبار هذه الأموال وتوزيعها على المواطنين بشكل عادل ، كما نرى أن تُصرف أموال الخمس في مناطقها ودون إرسالها إلى حاشية المرجع الذي يبذرها بقضاياه وشؤونه الخاصة ،

إن أموال الخمس يمكن أن يقام بها المشاريع الإنمائية والصحية وبناء المدارس وتعبيد الطرق وبناء الجسور وبناء البيوت لذوي الدخل المحدود ،وإنشاء دار الضمان الأجتماعي لصرف الرواتب الشهرية على العجزة والمرصى وكبار السن ومستحقيها ،

وهذا بأعتقادنا لا يتم إلاَّ بوجود مرجعية رشيدة تهتم بأمور المسلمين وترعى مصالحهم ، تكون معهم في الضراء والسراء ، مرجعية متعددة المواهب تتابع عن كثب وتعمل بجد ليل نهار من أجل حماية الناس والدفاع عن حقوقهم ،

لا مرجعية خاملة متعبة منكوبة مرهقة لا تقوى للدفاع عن نفسها ، لا مرجعية تنصب نفسها ظل الله وسلطانه من أجل التكديس اللامشروع للثروة والنفوذ السياسي داخل الطائفة .

إن الخمس باب لسد العوز والفاقة ، وتلافي حالات الضعف الأجتماعي والثقافي والتربوي والتعليمي ، الخمس مال هائل وكبير لا بد أن يصرف بعدل ولا يحق أخذه وتوزيعه بالمشاريع الميتة والتي لا تنفع بل تضر ... وهذا كله نتاج ردئ للآجتهاد الممنوع ، الأجتهاد الذي يحسب الأشياء حساب الربح والخسارة حساب التجار ، لا حساب الرضى الألهي ومصالح الناس .

3 - الموقف من أهل الذمة :

ولا بد أن نسأل هنا : هل لازال يصدق عليهم مفهوم أهل الذمة أم لا ؟ إذ ان التشكل الحديث للدولة القطرية جعل منهم مواطنين

عاديين لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات تماماً كما للمواطن الآخر الذي لا يقع في دائرة التعريف ـ بأهل الذمة ـ وهم بدورهم يساهمون في بناء الدولة سياسياً واقتصادياً وتربوياً وثقافياً ، كما أنهم يحملون السلاح كجنود في جيش الوطن يقاتلون الطامع والمستعمر والغازي ويتحملون في ذلك عبئاً مضاعفاً ويقدمون تضحيات جساماً . فهم بهذا اللحاظ أهل البلاد بكل معطيات عناوين هذه الكلمة ،

والنظام السياسي المعاصر لا يقوم أساساً على النظرية الدينية حتى يقسم الناس بحسب ولاءاتهم الدينية ولا يوجد نظام سياسي يقوم على القانون الإسلامي في عصرنا الراهن ، وأيضاً فإن قضية الجهاد في ظل الحاكم الإسلامي أصبح عنواناً بحاجة إلى إعادة قراءة وترتيل من جديد لئلا يفهم منه الخلط لمجرد التسمية .

*إن أهل الذمة عنوان يجب أن يؤخذ بحسب ظرفي الزمان والمكان خاصة مع تجدد العنوان واندماجه بالكل العام ، فيصبح الواحد منهم بعنوان الكلية مواطناً لا خصوصية له ولا استثناء لأن رفع الحواجز الزمنية في باب التشريع يسمح لأنطلاق حالة الإبداع المجتمعي العام الذي يهدف بالنتيجة إلى بناء الوطن وإصلاح حال المواطن ، أما التصنيف بحسب الولاء الديني المذهبي فيلغي بالضرورة دور الإنسان وضميره ومشاعره ، ويجعله أقل كفاءة وإنتاجاً وأقل شعوراً وأحساساً في قضايا ليست من صميم العملية التنموية الطموحة .

هذا كله بلحاظ الدولة القطرية الحديثة والمعاصرة وإلاَّ فهو عنوان له ما يبرره في زمن سيادة الإسلام كنظام وكشريعة وكعقيدة وذلك بالتأكيد عمل عقلاني مشروع يعمل في حينه لحماية المواطن صاحب الرخصة الشرعية في القعود عن الجهاد الإسلامي بعنوانه .

ملاحظة : لقد أشرنا فيما مضى إلى قضايا اعتبرناها أمثلة لا بد أن تخضع إلى ضابطة التغيير في مباني الأستدلال والأستنباط بلحاظ الزمان والمكان ، ولاشك أننا نعتبر كل قضايا الفقه التي هي مورد أجتهادي بحث قابلة للتقويم والقراءة الصحيحة بحسب الواقع والمصلحة .

والأمر بأعتقادنا لا بد أن يتعدى حدود التنظير والأمل إلى الدخول بمعترك النزاع ليتمكن الإنسان من رؤية الدين على أنه حياة الشعوب وليس أفيونها .

وهذا لا يتم تحديداً دون تغيير مناهج عملية كثيرة وكبيرة ليس أهمها البحث في مشروعية الفقه . وهل هو القانون او البديل عنه أم الشأن الشرعي ؟

وهل تتداخل فيه قضايا الحق والباطل بلحاظ العقيدة وشؤونها الفردية والأجتماعية أم لا ؟ .

إنها مجرد أسئلة أرتأينا أن نضعها بين يدي القارئ العزيز ليطلع بنفسه إلى مدى الحاجة والضرورة إلى تأصيل الأصول وتقعيدها وحلّ إشكالياتها وتناقضاتها ، فمثلاً لازال البحث يجري عتيقاً في مفهوم الإماء وملك اليمين ولازال البحث يجري بصفة استقلالية حول الحقوق الشرعية في باب الولاية المطلقة والمقيدة ، إنها مجرد أسئلة