البداء

هو ظاهرة تتعلق بعوامل طبيعية تجري على أساسها ضمن القانون الطبيعي ،

إن تغيير النظام الكوني لا يرتبط جدلاً بمفهوم البداء ، لأن التغيير الفجائي كما يزعمون هو تعبير عن حركة آنية حادثة ترتبط بعامل ظرفي زماني معين ، وليس معناه أن الحكم الذي هو مدار الحكومة الإلهية يتعلق بالنظام التغييري الأهتزازي لأن ذلك خلاف القانون بإعتباره أحد الممتنعات التي لايجوز تغييرها كنظام كليات العوالم -

ولهذا فربط التغير بحالة الوجدان لاتعمم الصفة حتى يمكن أعتبارها قانوناً ، ولأن سلسة النظام ترتبط بقانون كلي يحمل في ذاته قدرته على التطور الإيجابي وهذا لا علاقة له ولا أرتباط بالترانيم والدعاء لأن هذه إحدى مقومات الذات في بعدها العام حالة النظام الكلي الذي تدخل فيه الأعمال والأفعال تحت مظلة الأختيار المودعة أساساً في ذاته ،

فالتغيير لا يرتبط بها بقدر أرتباطة بالصفة العمومية للقانون بملاحظة استثناءاتة لأنها لا تنفصل عنه .

إن البداء ظاهرة ترتبط بنظام الصيرورة العام وبجدلية الإنسان الطبيعية والله والإنسان وهذه الجدلية قانون في التطور الطبيعي الذي لا يُلغي العلم بل ويؤكد عليه ، لأنه سابق في تشكله الأول في عوامله المتعددة ، وهو يرتبط بالحوادث أرتباط العام الخاص ، وأرتباط الذات العرض ، فهو أرتباط لا تغييري فجائي بل قانون شمولي يحقق جدلية – إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون – تلك هي سنة القانون والنظام الطبيعي الكلي بعلته التامة ،

إن البداء ليس معناه النسخ بقدر ما يكون معناه التأكيد على قابلية الوجود لأستيعاب حركة جديدة قد لا تكون مألوفة نوعا ً ما ، وهذه الحركة تتضمن الإرادة والعلم وتختزنها ، ولكن تمثيل البداء بالنسخ يأتي للتقريب ولا يلزم منه محذور بل هو إقرار لله بالقدرة المطلقة على حدوث الأشياء وبقائها ، وفي نفس الوقت لا يوجب انقطاع امل العبد بتوفيقة للطاعات وإبعاده عن المعاصي والمنكرات ( البيان في تفسير القرآن لخوشئ ص 272 ) .

{ أي تاكيد على أصالة نظام الصيرورة وأستيعابه للحركة الإيجابية التي تهدف للعمل الصالح بحدود النفع العام وذلك قانون عام رتبته السماء

ولعله يتحصل لمن تتبع له ان البداء حقيقة تتعلق بممارسة الفرد للعبادة بروح ملؤها التفائل والحركة بأتجاه تلك الحقيقة .

وان الطاعة والخضوع والممارسات اليومية إنما هي بعين الله ، يراها ويرى الرغبة الحقيقة في التوسل بحيث تصبح عملاً لمصلحة الإنسان ، ومن هنا أصبح الدعاء باباً من الفرج وطريقاً موصلاً للطاعات للتأملات النفسية وتحقيقها على وجه الحقيقة ، وهذا الأمر لا يسلب من الفرد أعترافه بقانون الخلق وعلى وجه الدوام ، بل هو أعتراف على تمامية العلم لله ، وان العلم بأجمعه واقع تحت سلطانه ، ومنه يظهر ان من علمه ما لا يعلمه أحدٌ لأنه خاص به مستأثر به لنفسه : أي إن علمه المخزون قد خفي حتى على أقرب العباد إليه – الذين هو الأنبياء والرسل . - .

ولكن البداء الذي نحن بصدده يتعلق بأمور مجهولة عن الذهن الإنساني لآ أنها مجهولة عن علم الله أو أنَّ الله لا يعلمها ، ولذلك فليس معناه تغير العلم السابق لله وجعله يتحرك تبعاً للمصلحة والغاية الإنسانية ، لأن هذا ليس ذاك ولاهو من قبيل الشرط ومشروطه ، وهذا الأمر أساسه روايات وأخبار كاذبة جعلت من البداء نزعة على خلاف علمه تعالى مما يستلزم .

1 – يستلزم الباطل لأنه تعالى إن علم بأنه سيبدو له ومع ذلك قضى بشئ فهو لغوٌ وهو قبيحٌ والقبيح محال بالنسبة إليه تعالى ، وإن لم يعلم فهو جهل وهو أيضاً محال عليه عزَّ وجل .

2 – يستلزم كون مصلحة القضاء الأول محدوداً بحد خاص به فلا وجه لتغييره ، وإلا فلا وجه للقضاء الأول بذلك الحد .

3 – يستلزم تكذيب الرسل وعدم اعتماد الناس على إخبارهم بالمغيبات { تهذيب الأصول ج1 ص144 ــــ السبزواري }

لأن ذلك سيستلزم القول بجهله تعالى وهذا خلاف عقيدة المؤمنين ، ولم يقل به أحد،

اما ما يتعلق بمسائل الرزق والثواب والأعمار فإنما تتعلق بفعل الإنسان وإخلاصه مع الطلب الحقيقي الذي فيه مرضاة الله ، فلذلك لا خلاف عليه بل عليه اعتقاد المسلمين جميعاً ، وهو ما يفهم من البداء حقيقةً وإلى ذلك نصت اخبار منها خبر محمد بن مسلم عن أبي عبد الله ـ قال : ما بعث الله عزّ وجل نبياً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال :

ذ – الإقرار بالعبودية

2 – وخلع الأنداد

3 – وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ـ { التوحيد ص 272 الصدوق والوافي ج1 ص 113 الفيض الكاشاني }

وجاء في الشرح : أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن الله غير قادر على ان يغير ما جرى عليه قلم التقدير تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، فإن كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه وذلك يوجب عدم توجهه في طلباته إلى ربه

والبداء حقيقة علمية ثابتة للمسلمين جميعاً فقد روي البخاري عن أبي هريرة قال : سمع رسول الله ، يقول : إن ثلاثة في بني إسرائل : أبرص وأعمى وأقرع ، بدا لله عزَّ وجل أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص ..

ـ صحيح البخاري ج4 ص46 } والرواية تعطي صفة الإظهار التي هي المصداق الأبرز للبداء وهذا السياق في لحن الخطاب يجري بمستوى قوله تعالى : { .. عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً } الأنفال :66} .

وأما ما روي عن سليمان فهي خاصة بالدعاء المراد للقضاء فقد قال رسول الله : " لا يرد القضاء إلاّ الدعاء ولا يزيد في العمر إلاَّ البَّر {صحيح الترمذي ج8 ص 350

لا يزيد في العمر إلاَّ البرّ ، ولا يرد القضاء إلآَّ الدعاء ، وإن الرجل ليحوم الرزق بخطيئة يعملها )" صحيح ابن ماجة ج1 ص24 ومسند احمد ج5 ص280 ) وروي ثوبان قال قال رسول الله : }

ويظهر لك أن البداء لا يقع في القضاء الحتمي فإن ذلك لا مبدل له ، قال الشيخ المفيد :

" الذي أقوله في البداء هو ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء والإمراض بعد الإعفاء والإماتة بعد الإحياء والزيادة في الآجال والأرزاق بسبب بعض الأعمال " { رسالة في التوحيد والسياسة ص276للمؤلف }.

وقال الشيخ الصدوق : ( بدا لله في كذا أي ظهر منه ، وهو خاص فيما يظهر من الفعل الذي كان وقوعه مستبعداً بنظر الإنسان ) الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة ص231 الحسني } .

وقال محمد بن علي الكراكجي : - إن المراد من البداء أن يظهر للناس خلاف ما توهموه وينكشف لهم غير ما كانوا يعتقدون من دوام الأمر واستمراره ، وسمي بداء لمشابهته لمن يأمر بالشئ او يجزم به ثم ينهى عنه في وقته _ { كنز الفوائد ص 104} .

ومن امثلة ذلك ما حكاه الله سبحانه في كنابه الكريم عن إبراهيم وولده إسماعيل ، حيث اوحى إليه في نومه ان يذبح ولده إسماعيل ، ولما تهيأ لذبحه وأظهر ولده رضاه واستعداده لتنفيذ أمر الله فيه ، نهاه الله عن ذبحه ، فقد بدا لإبراهيم بعد النهي غير ما كان يعتقده وإرادة الله سبحانه لم تتعلق بالذبح وإنما تعلقت بمقدماته من القصد والقيام بكل ما يتوقف عليه الذبح كأخذ السكين ووضعها في العنق وغير ذلك وقد أطلق على هذا النوع من العمل ذبحاً وتجوزاً وتوسعاً _ كنز الفوائد ص105 ـ الكراجكي ـ .

*قوله تعالى : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب } الرعد : 39} وقد قيل في بيانها وجوه منها :

1 – إن ذلك في الأحكام وهو النسخ .

2 – إن ذلك في المباحات المثبتة في صحائف الأعمال يمحوها الله ويثبت ملكاتها طاعة أو معصية مما فيه الجزاء .

3 – إن ذلك محو ذنوب المؤمنين فضلاً وإثبات ذنوب الكافرين عقوبة .

4 – إنه في موارد يؤثر فيها الدعاء والصدقة في المحن والمصائب وضيق المعيشة .

5 – إن المحو إزالة الذنوب بالتوبة ، الإثبات تبديل السيئات حسنات .

6 – إنه محو ما يشاء الله من القرون ، والأثبات إنشاء قرون لآخرين بعدهم .

7 – إنه محو الدنيا وإثبات الآخرة .

8 – إن ذلك في الأرواح حالة النوم يقبضها الله فيرسل من يشاء منهم ويمسك من يشاء .

9 – إن ذلك في الآجال المكتوبة في ليلة القدر يمحو الله مايشاء منها ويثبت ما يشاء .

10 – إن الله سبحانه في كل وقت واجل كتاباً أي حكماً وقضاء بأنه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والأحكام والأقضية ويثبت ما يشاء .

11 – إن المحو والإثبات يجريان في أم الكتاب التي هي الآيات المحكمات إذ يجري فيها التغير النسبي الجزئي في مسائل العبادات والفروض والسلوك ـ وعنده أم الكتاب ـ أي إن الأحكام المتعلقة بقضايا السلوك والأخلاق هي عند الله ولكن فهمها بالنسبة للأنسان فهم متغير نسبي تبعاً لتغير الأزمان والأمكنة ولذا قيل إن تعليل الأحكام يتبع ظرفي الزمان والمكان أي إن منطقة الفراغ هي التغير الذي يجري فيه المحو والإثبات يعني القابلية على إدراك الحكم الواقعي بالسعي ضمن الظروف الموضوعية .

وإلى ما ذهبنا إليه وردت رواية عن منصور بن حازم قال : ( سألت أبا عبد الله ، هل يكون اليوم شئ لم يكن في علم الله بالأمس ؟

قال لا ! من قال هذا أخزاه الله ، قلت أرأيت ما كان ، أرأيت ما هو كائن إلى يوم القيامة ، أليس في علم الله ؟ قال بلى ّ قبل أن يخلق الخلق ) .

12 – كل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه ليس شئ يبدو له إلاَّ وقد كان في علمه ، إن الله لا يبدو له عن جهل .

13 – إن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده ام الكتاب .

هذا ما أردنا بيانه حول مفهوم البداء كظاهره وكنزوع وكمبدأ ، وقد قلنا إنه يثبت في الجانب الأكثر أتصالاً بالفرد بعالمه فيما يتعلق بفعله وهو لا شك يرتبط بنظام الصيرورة وجدلية التطور الطبيعي ، وليس هو تغيراً لنظام كوني جرى تقريره في التشكل الأول والأنفجار الأول .

والبداء حدوث عرضي في مسار العمل يؤكد جانب الأحتمال ويدفع للتأمل في جدية الحكم الواقعي والسعي ونحوه ، وهذا حقيقة البداء وغيره مجرد حلمٌ مغامر ليس له رصيد من القوة والصحة .