العصمة في العقيدة الإلهية

التي مرّ البحث فيها بكتابنا حفريات أتنربولوجيا العلوم القرآنية ، رأينا الضرورة إدراجها هنا والمحل يسع المقام

يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34).

المعنى

قوله تعالى : ( يانساء النبي ) بعدما أمر الله نبيه قبل هذه الآيات بتخير نسائه بين الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة ( الآيات 28 ـ 29 من سورة الأحزاب ) فأخترن الثاني والتزمن ساحة النبوة وبيت الرسالة ، خوطبن بهذه الخطابات المشتملة على الترهيب الشديد والترغيب الأكيد ، فالخطاب الأول أدبهن أشد التأديب وزجرهن عن أرتكاب الفاحشة التي هي من أشدها قبحاً ، المبينة أي الواضحة غير المستورة وأوعد عليها ضعفين من العذاب ونبه على أن التعذيب المضاعف يسيرٌ على الله لا يصده عنه كونهن نساء النبي ، وإضافة النساء إلى النبي في حكم ذكر الدليل على هذا الترهيب والوعيد :

كأنه قيل : يا نساء النبي بما أنكنَّ في حريم الرسالة وبيت النبوة يجب عليكن المراقبة الشديدة والجهد الجهيد لطهارة ذيولكن عن الفاحشة المبينة لأن صدور الفاحشة منكن يدنس ساحة النبوة ويشوه وجوه الدعوة الإلهية وطبيعي أن الفاحشة الصادرة منكن تشيع سريعاً وتنقلها الأفواه وتصير حديث المجالس والمحافل وذلك يحّط من عظمة النبوة ويحّط من قدرها ويمنع من نفوذها كدعوة خيّرة لإصلاح البشر ، فالفاحشة لو صدرت منكن لكانت معنونة بعنوانين

إحداهما : كونها فاحشة ، أنها تدنسّ بيت النبوة وتنقص من قدر النبي ، ومقامه الشامخ في أعين الناس ، وهذا هو السرّ في مضاعفة العذاب ذلك لأن الذنب مضاعف يلزمه مضاعفة العذاب ... نعم يُقيد هذا عقلاً بالتذكير والألتفات إلا أن صدور الفاحشة منهن فتٌّ في عضد النبوة ووهن لمقام النبي ، وعلى ما ذكرنا فقيد ( مبيّنةٍ) في الآية ـ 30 ـ أحترازي لا توضيحي لأن الفاحشة لو لم تكن واضحة بيّنة بحيث لم يطلع عليها أحد لا تصير معنونة بالعنوان الثاني ولا تنقص من مقام النبي ، ومنزلته عند الناس . ولو قيل إنَّ هذه الآية تعطي ملاكاً كلياً ويستفاد منها أنَّ كل من عمل عملاً سيئاً وانطبق عليه عنوان ( السئ ) غير عنوانه الأصلي

( كالعالم الوجيه عند الناس يأتي بفاحشة بيّنة تنقص من قدر الدين )

يستحق عقابين لم يكن بعيداً ، قوله تعالى : ( ومن يقنت منكن ) إلى آخر الآية ـ 30 ـ ... هذه الآية ترغيب في التواضع لله ورسوله وفي العمل الصالح الذي يزيد قدر النبي ومنزلته ، وعلى هذا فالعمل الصالح في الآية ليس على إطلاقه بل المراد منه العمل الصالح الذي يرفع من قدر النبوّة ومنزلتها وإيتاء الأجر مرتين ليس جزافاً بل جرّي على القاعدة المشار إليها سابقاً أعني أنطباق العنوانين على عملهنّ فعملهن ّ المشار إليه في الآية أعني القنوت لله ورسوله والعمل الصالح يعنون بعنوانين ،

أحدهما : العنوان الأصلي الذي ينطبق عليه وإن صدر عن غيرهن ،

وثانيها : انه تبييض لوجه الرسالة وترفيع لشأنها ولو قيل في هذه الآية أيضاً نظير ما قلنا في الآية السابقة من أعطاء الملاك على عكس ما ذكرنا هناك لم يكن بعيداً

قوله تعالى ( يا نساء النبي لستن ) إلى آخر الآية ، هذا تصريح بما ربما يستفاد من إضافة النساء إلى النبي من أنَّ موقعهنَّ حسّاس وخطير ومقامهنّ رفيع بسبب الإضافة إلى بيت الرسالة الإلهية وإحراز هذا المقام مشروط بالتزامهن التقوى ونزاهة ذيولهنّ عن أيّ رجسٍ ودنس وقد نّبه عليه لفظ الآية ثم نهاهنّ عن الخضوع بالقول في محاوراتهن مع الرّجال لأن ترقيق الكلام من النسّاء من ألطف الحيل لأستجلاب الأفئدة وأستخفاف الألباب وبه يطمع مرضى القلوب فيما يطمعون وذلك يوهن من قدر النبي ويوجب ان يصير ذكر ناموسه نقل المحافل وضحكة المجالس ، ثم أمرهن بالقول بالمعروف أي الكلام الذي يعرف خيره وذلك يوجب توقير النبي وجلب رغبات الناس إليه والظاهر ان القول المعروف مطلق لا يختص بما يقلنه في محاورتهن مع الرجال ...

قوله تعالى : ( وقرن في بيوتكن ) إلى آخر الأية ، أمرهن بالتزام البيوت لما في التزام البيوت من الستر والعفاف ونهاهن عن التبّرج وهو التبرّز في مجامع الناس وأندية الرجال لما في التبرز من هتك السترَّ وإبداء الوجوه وقلة الحياء وغيرها مما ينافي نزاهة ناموس النبوة ، ثم أمرهن بإقامة الصلاة التي هي من العبادات كالعمود للخيمة ، وإقامتها وحفظها عن الضياع قلنا إن إقامة العمود حفظ عن السقوط أو الأعوجاج ، وأيضاً أمرهن بإيتاء الزكاة التي هي قرينة للصلاة وحافظ لكيان الدولة الإسلامية من الفقر المالي والسقوط المادي وقاضية للحوائج الأقتصادية للمجتمع الإسلامي ، ثم أمرهن بأمر كلي يوجب عليهن إطاعة الله ورسوله في جميع الشؤون والأمور وهو برنامج كلي عمومي أتي به بعد الخطابات الخاصة ختم به تلك الخطابات ، وهنا يقتضي المقام ان يسئلن :

لماذا هذا التشديد العنيف والأهتمام الشديد في أمرنا ؟

فمرة أوعدنا الله عن الإتيان بالفاحشة المبيّنة أشّد انواع العذاب ورغبّنا في القنوت لله ورسوله والعمل الصالح أحسن الترغيب ، وأخرى نهانا عن الخضوع بالقول وأمرنا بالقول المعروف وثالثة ، امرنا بالتزام البيوت ونهانا عن التبرج ، ورابعة أمرنا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وختم ذلك كله بتعين برنامج عمومي وهي الإطاعة لله ورسوله في جميع الشؤون ؟

ولماذا أخصنا الله بهذه الخطابات مع أن وظائفها عامة لجميع المكلفين ؟

وماذا يريد الله من توجيه هذه الخطابات

وهذه الأوامر والنواهي إلينا خاصة ؟ وماذا يريد من هذا الترغيب والترهيب ؟

فأتي في جواب كل تلك التساؤلات بجملة مستأنفة بأستئناف بياني في مقام التعليل

فقال : ( إنما يُريدُ الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) ، أي أنه لا يريد بذلك الترهيب والترغيب الخطير وتوجيه تلك الخطابات إليكن إلا إذهاب الرجس عن ساحة أهل البيت وتطهيرهم عن أي لوث يدنس بيت النبوّة ويشوه وجه الرسالة والمراد بالرجس هو الرين الذي يعتري الإنسان بسبب أرتكاب المناهي والمنكرات ، والإتيان بلفطة أهل البيت للأشعار بأنه يجب صيانة بيت النبوة وساحة الرسالة عن أي حزازة توجب تحقير قدر النبي ، وتصغير شأنه وأهل البيت إولى بحفظ شأنه من غيرهم والعدول عن ضمير النساء إلى ضمير الرجال للتغليب إشعاراًً بأنَّ وجوب صون بيت النبوة عن أي رجس ودنس لا يختص بالنساء بل على كل من كان من حواشي النبوة وحريم الرسالة ان يصون شرف النبوة وشأن صاحبها عن كل ما يوجب وهناً على صادعها ، فهو عموم تعليلي يوجب تعميم الحكم لسائر أهل البيت غير النساء ويؤيد ما قلنا ما نقله الطبرسي في مجمع البيان في تفسير ـ الآية 31 ـ من سورة الأحزاب أنَّ رجلاً قال لعلي بن الحسين زين العابدين

إنكم اهل بيت مغفور لكم فغضب علي بن الحسين وقال :

نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي من ان نكون كما تقول : إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب ثم قرأ الآيتين ـ 30 ــ 31 ــ من سورة الأحزاب ـــ وما نقله الطبرسي عن علي بن الحسين أحد الشواهد على أن ضمير المذكر في عنكم للتغليب وللدلالة على شمول آية التطهير للرجال والنساء من أهل البيت معاً ،

والتغليب شائع ذائع في لسان العرب كما ورد فيما حكي الله في القرآن من محاورة الملائكة مع زوج إبراهيم النبي ، لمّا عجبت من تبشيرها بالولد وهي عجوز وبعلها شيخ :

( قالوا أتعجبين من أمر الله ؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) ـ هود الآية 76ـ

وفي ذلك التغليب إشعار بأن رحمة الله وبركاته لا تختصان بزوج إبراهيم بل تعمّان كل من كان من حريم النبوة رجالاً ونساءّ . وليعلم أنَّ البيت في آية سورة الأحزاب وآية سورة هود ليس بيتاً مبنياً من الحجر واللبّن ـ الطابوق ـ بل هو بيت النبوة والرّسالة ومحله في العقول والقلوب لا في مكة أو المدينة او غيرها وذلك إعتبار عقلي شائع كما يقال : زيد من بيت الشرف والكرامة أي هو من حوزة الشرف والكرامة والنبي ، نفسه من أهل البيت أي من أهل بيت النبي

كما أن إبراهيم ، من أهل البيت في الآية السابقة وجملة : ( ويطهركم تطهيرا) تأكيد لما سبق مع أنه تنظيم لسجع الكلام وجعل آخر الآية موافقاً لأواخر الآية الأخرى ، ثم أكدّ الله تلك القوانين بقوله :

( واذكرن مايتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة )

إلخ ، تنبيهاً لوجوب شدّة المراقبة لأتباع اوامر الله ونواهيه كأنه قال الله : لا تنسينّ ما يقرأ في بيوتكن من آيات الله المشتملة على الحكمة واذكرن أن بيوتكن مهبط الوحي ومحل تلاوة الآيات فحريَّ لكنّ شّدة المراقبة لتلك الآيات الصادرة عن الحكمة الإلهية ففي ملازمتكن لاتباع تلك الآيات حفظ لحرمة مقام النبوة وبيت الرسالة ففيه نوع تأكيد لما سبق وبيان لما يبعثهن على شدة ملازمة التقوى وتطهير ذيلهن عن كل رجس ... فإن قلت : فعلى هذا قد أراد تطهير نساء النبي ، عن الرجس ! قلت : نعم قد أراد الله تطهيرهن عن الرجس فلو لم يرد تطهيرهن فلِم زجرهن عن تلك السيئات أشدّ الزّجر ورغبّهن في ملازمة التقوى وإطاعة الله ورسوله أحسن الترغيب ، وذكرهن بأن بيوتهن مهبط الوحي ومحل تلاوة آيات الله ، فهل هذا كله إلا لأن الله أراد تطهيرهنّ عن أي رجس ، لأن تطهيرهن تطهير لبيت النبوة ، فإن قلت : فإن أراد الله إذهاب الرجس عن نساء النبي ، فلِم خرجت عائشة على الإمام علي ـ ولم تحفظ ما أراد الله لها ، فهل يمكن ان لا يحصل ما أراد الله ؟

قلت : الجواب من وجهين ، الأول : النقض بآية التطهير بأن يُقال : إن الله أراد تطهير جميع المؤمنين في قوله في آية الضوء

: ( وما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهَّركم ) سورة المائدة : الآية 8 ) فَلمِ لا يتوضّأ بعض المأمورين بالوضوء ولا يحصل لهم الطهارة التي أراد الله لهم ؟

الثاني : حلَّ أصل الإشكال وهو ان أراد بتوجيه الخطابات إلى نساء النبي ، ومنها خطاب ( وقرن في بيوتكن ) أن يعملن بها ويطهرن من الرجس ولكن توجيه الخطاب لا يضطرهن إلى العمل كما أن توجيه خطاب الوضوء

( لا يضطر المكلفين إلى العمل به حتى تحصل لهم الطهارة التي اراد الله لهم ...

فإن قلت الإرادة في آية التطهير تشريعية أم تكوينية ؟ قلت : الإرادة في آية التطهير تشريعية والدليل عليه من وجوه ) )

لأول : أن قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) الخ ... تعليل للأحكام التشريعية التي ذكرت في تلك الآيات كما بيّناه ولا معنى لجعل الإرادة التكوينية علّة للأحكام الشرعية وذلك واضح لامرية فيه .

الثاني : أن أسلوب آية التطهير يشابه أسلوب الآيات التي ذكر فيها الإرادة التشريعية أنظر إلى آية الوضوء في سورة المائدة فقد ورد فيها ( ما يُريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يُريد ليطهركم )

فقوله : ( يُريد ليُطهّركم ) تعليل لإيجاب الوضوء والغسل والتيمم ولا أظنُّ أحداّ يتوهم أن الإرادة في قوله تعالى : ( يُريد ليطهَّركم ) في آية الوضوء تكوينية والظاهر أن أسلوب آية الوضوء وآية التطهير واحد وفي كلتيهما جعل الطهارة غاية للأحكام الشرعية . .

الثالث : أن سياق الآيات التي ذكر فيها الإرادة التكوينية لا يشابه سياق آية التطهير قال تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) وقال تعالى : ( إذا أراد الله بقومٍ سوءٍ فلا مردَّ له ) إلى غير ذلك من الآيات التي ذكر فيها الإرادة التكوينية والإرادة التكوينية علّة تامّة لوجود المراد لا يصدّها شئٌ كما يشير إليه لفظة ( فاء) في قوله : فيكون في الآية الأولى وقوله : ( فلا مردّ ) في الثانية .

الرابع : أن الإرادة التكوينية علّة فاعلّية لوجود المراد كما هو ظاهر الآيتين السّابقتين والإرادة التشريعية في مثل هذه الموارد تذكر في مقام ذكر العلّة الغائّية للحكم الشرعي الذي ذكر في ما قيل فقوله في آية الوضوء :

( ولكن يُريد ليطهرِّكم ) يشير إلى الغاية والغرض ، من تشريع الوضوء والغسل والتيّمم وكون آية التطهير بياناً للغاية والغرض من الخطابات السّابقة عليها مما لا يرتاب فيه من له أدنى معرفة بالقواعد العربية وأساليب القرآن

الخامس : أنه لو كان الإرادة في آية التطهير تكوينيّة للزم أن يكون طهارة أهل البيت ، من الرجس أمراً قهرياً اضطرارياً كطهارة الشّجر والمطر لأن الإرادة التكوينية علّة تامـّة لوجود المراد لا يمنع منها شئٌ وكون طهارة أهل البيت ـ تكوينياً قهرياً كطهارة الجماد والنبات مما لا يلتزم به أحد ولكان التكليف عنهم مطروحاً وهذا ما لا يقل به أحد إذن فلا تكون الإرادة في الآية تكوينية .

السادس : أنه لو كانت الإرادة في آية التطهير تكوينية لما كان وجهٌ للآيتين بلفظة ( إنما ) التي للحصر لأن مقتضى الحصر أنَّ الله لا يُريد لأهل البيت غير إذهاب الرجس شيئاً مع أنه يريد لهم غير إذهاب الرجس أشياء وأشياء من الحياة والموت والرزق والصحة والمرض والغنى والفقر إلى غير ذلك من الأمور التكوينية ( كل يومٍ هو في شأن ) . ولو قيل : لا يُريد الله في شأنهم وأمرهم إلا إذهاب الرجس كما قاله العلامة شرف الدين الموسوي في كتابه

( الكلمة الغراء ص 24

لما صح الحصر أيضاً لأن الله يريد في شأنهم غير إذهاب الرجس أشياء كثيرة كما قلنا ولو قيل المحصور فيه هو (عنكم ) فمعنى الآية أنَّ الله لا يريد إذهاب الرجس إلا عنكم ،

قلنا : هذا مخالف للقواعد العربية فإن كلمة ( إنما ) لحصر الجزء الأول في الثاني والجزء الثاني في الآية هو قوله : (ليذهب ) ولفظة (عنكم) من متعلقاته فما في تفسير التبيان للشيخ الطوسي من أن المحصور فيه هو قوله :

(عنكم ) ليس بصحيح وإن شئت مزيد بيان فانظر إلى قوله تعالى ( فلا تعُجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يُريد الله ليُعذبهم بها في الحياة الدنيا ) ـ التوبة : الآية 55 ـ فالمحصور فيه في هذه الآية هو التعذيب لا قوله : ( بها) ولا قوله :( في الحياة الدنيا ) لأنهما من متعلقات الفعل فكذلك لا يكون قوله : (عنكم ) في آية التطهير محصوراً فيه لوحدة السياق فيهما ...

السابع : لو كانت الإرادة في آية التطهير تكوينية لكانت الآية بشارة ً وإخباراً عما لم يقع نحو قوله : ( ونريد أن نمنَّ على الذين أستضعفوا في الأرض) إلى آخر الآية ولازم ذلك أن لايكون أهل البيت قبل نزول الآية ، وقد نزلت بعد مُضي نحو من ثماني عشرة سنة من بعثة النبي مطهرين من الرجس والنبي ، من أهل البيت ـ فيلزم ان يكون النبي الأقدس قبل نزول آية التطهير غير مطهر من الرجس ولا يقول بهذا أحد من أهل القبلة

أما إن كانت تشريعية (كما هي كذلك ) فلا يلزم ذلك لأن معنى الآية حينئذٍ أنَّ الله لا يريد من توجيه الخطابات المؤكَّدة إلى نساء النبي إلاّ طهارة أهل البيت يعني من كان من أهل البيت معرضاً للتدنُّس بالرجس يطهر منه بالعمل بتلك الخطابات ..

الثامن : أنه لو كان الإرادة في آية التطهير تكوينية فإمّا إنشاء الله المراد (أي الطهارة من الرَّجس ) ولوجده مقارناً لإنزال الآية أو سابقاً أولاحقاً ولاسبيل إلى الأول والثالث

لأنه يلزم أن لا يكون النبي وهو من أهل البيت طاهراً من الرجس قبل نزول الآية وهو خلاف الضرورة من دين الإسلام والثاني أيضاً باطل لأن لفظ (يريد) في الآية مستقبل ولم يعهد إرادة الماضي من المستقبل

التاسع : أن لفظ (يريد) في آية التطهير على فرض كون الإرادة تكوينية إمّا إخبار وإمّا إنشاء فلو كان إخباراً للزم منه عدم كون النبي مطهّراً من الرّجس قبل نزول الآية وإن كان إنشاءً أعتبارياً كإنشاء الأمر والنهي والبيع والنكاح فهو غير ممكن في هذه الآية لأن إنشاء إرادة التطهير ليس له معنىّ معقول ، وإن كان إنشاءً تكوينياً يلزم منه ما لزم من الوجه الثامن لأنه على هذا التقدير فإمّا إنشاء الله المراد حال نزول الآية أو قبله أو بعده والجميع باطل كما مرّ تفصيله

العاشر : إن من قال بكون الإرادة في آية التطهير تكوينية لابدّ له أن يقول إن معنى إذهاب إرادة إذهاب الرجس هو إذهاب الرجس وبعبارة أخرى :

الإرادة التكوينية : هي عين التكوين فيصير قوله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) في قوة أن يقال : إنما يذهب عنكم الرجس ففي الحقيقة على هذا الفرض أخبر الله بإذهاب الرجس وإيجاد الطهارة لأهل البيت وهو فعل الله التكويني على الفرض ولم يعهد من القرآن إذا أخبر بفعل من أفعال الله التكوينية أن يأتي بلفظ الإرادة بل يعبر بنفس الفعل قال الله تعالى :

خلق السموات والأرض ) ، وقال أيضاً : ( إن الله يمسك السموات والأرض ان تزولا) ولم يقل : ( أراد الله خلق السموات والأرض ) ،

والسر في ذلك أنه إذا كان المراد الإخبار عن إيقاع شئ في الخارج وإيجاده على نحو التنجيز ماضياً او حالاً فذكر الإرادة لغو مستهجن فإذا كان زيد قد أكرم عمراً لا يقال : زيد أراد إكرام عمرو ، نعم لو كان هناك بشارة او تعليق لكان ذكر الإرادة حسناً غير مستهجن كما يقال في مقام البشارة بزيد يريد إكرام عمرو أو يقال في مقام التعليق : إذا أراد زيد إكرام عمرو فلا مردّ له ... ومن البشارة قوله تعالى ( ونريد أن نمّن على الذين استضعفوا في الأرض ) ومن التعليق قوله تعالى : ( وإذا أراد الله بقومٍ سوءٍ فلا مردَّ له ) الرعد :الآية 12 ) ومن قال بكون الإرادة في آية التطهير تكوينية لا يقول إن قوله تعالى :

إن إيقاع الطهارة لأهل البيت على نحو الفعلية والتنجيز ولو كان كذلك لكان نظير قوله تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) بشارة أو تعليق حتى يستحسن ذكر الإرادة بل يقول :

( إن الله يمسك السموات والأرض ان تزولا ) ولكان ذكر الإرادة في آية التطهير لغواً وهزلاً وتعالى الله عن الغو والهزل : ( إنه لقوله فصل وماهو بالهزل ) فإن قلت : ماذا أراد الله بكلمة (إنما ) التي للحصر في آية التطهير ؟

قلت : أراد أنه ليس الغرض من هذه الخطابات المؤكدة من الأوامر والنواهي إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت النبوة وتطهيرهم بسبب تلك القوانين الحكيمة فتوجيه الخطابات سبب لإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم إن عملو بها ولا يضطرهم إلى الآلتزام بها ولا يلجئهم إلى تحصيل الطهارة التي تحصل بالمواظبة على التكاليف والعمل بها فالمحصور في الآية هو الإرادة والمحصور فيه هو إذهاب الرجس فإن لفظ (إنما ) لحصر الجزء الأول في الثاني ... فإن قلت :

كم عدة اهل البيت ، وهل يكون المراد به أفراد محصورين ؟ قلت : لما كان البيت بيت النبوة لا البيت الذي كان يسكنه النبي ، كما بيناه سابقاً وباني هذا البيت هو شخص النبي ، فكل من دنى وتدلىّ بالنبي ، بسبب أو نَسَبٍ بحيث يصدق عليه عرفاً انه من أهل البيت نعرفه من أهل البيت فأولاده وأزواجه من أهل البيت عند أهل العرف بلا كلام .

1- ويدل على أنَّ أولاده وإن نزلوا من أهل البيت ما في امالي الشيخ الطوسي بسنده عن أبي رجاء يقول :

لا تسبوّا عليّاً ولا أهل هذا البيت فإن جباراً لنا من التجبر قدم الكوفة بعد قتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين ورأه مصلوباً فقال : إلا ترون إلى هذا الفاسق كيف قتله الله ؟

قال : فرماه الله بقرحتين في عينيه فطمس بهما بصره فاحذروا أن تتعرَّضوا لأهل هذا البيت إلا بخير . أنتهى

وهذا يدل على أن زيد بن علي بن الحسين من أهل البيت ،

والآثار التي تدل على أن الحسنين وأولادهما وإن نزلوا من أهل البيت كثيرة جداً ضربنا عنهما صفحاً مخافة الإطالة .

2 - ويدل على ان أعمام النبي وبني أعمامه من أهل البيت ما في أمالي الشيخ الطوسي بسنده عن أبن عباس قال : قال رسول الله : يابني عبد المطلب إني سألت الله لكم ان يعلّم جاهلكم وأن يثبت قائمكم وان يهدي ضالكم وأن يجعلكم نجُداء

رحماء والله لو أن رجلاً صف قدميه بين الركن والمقالم مصّلياً فلقى الله ببغضكم أهل البيت دخل النار أنتهى . وهذا يدل على أنَّ بني عبد المَّطلب من اهل البيت .

3 - ويدل على هذا أيضاً ما رواه الشريف الرَّضي في نهج البلاغة فيما كتبه الإمام علي إلى معاوية :

وكان رسول إذا أحمّر البأس قدَّم أهل بيته فوقى لهم أصحابهُ حَرَّ السُّوف والأسنَّة فقتل عبيده بن الحارث بن عبد المطلب يوم بدر وقتل حمزة يوم أحُد وقتل جعفر يوم مؤتة ـ نهج البلاغة الكتاب رقم 9 ، وهذا يدل على ان أعمام النبي وبني اعمامه من أهل البيت .

4 - ويدل على ذلك أيضاً ما نقله فريد وجدي بك في موسوعته دائرة المعارف ج1 ص 215 ـ عن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب أبنة عم النبي أنها قالت لمعاوية بن أبي سفيان في كلام طويل :

ـ فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً ، وقالت في آخر كلامها : فصرنا أهل البيت بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبنائهم ويستحيون نسائهم ـ أنتهى .

وهذا يدل على أنَّ أبنة عمَّ النبي من أهل البيت ... فظهر مما ذكرنا أنَّ أولاد أولاد النبي وإن نزلوا وأعمامه وبني أعمامه من أهل البيت ... فإن قلت :

فأيُّ فرق بين الزوجات وذوي القرابة في الأتصال ببيت النبوة والدخول في أهل البيت ؟

قلت : الفرق أن الزوجة ما دامت في حبالة النكاح تُعدَُ من أهل البيت فإذا طلعت خرجت عن أهل البيت وأما ذوو القرابة فلا يمكن خروجهم عن أهل البيت أصلاً .

نعم يمكن ذلك تجوزاً وادعاءً كما في قوله تعالى في شأن ابن نوح : ( إنه ليس من أهلك ) إنه تجوز وادعاء بقرينة قول نوح : ( إن ابني من أهلي ) فإن قول نوح حقيقة فقوله تعالى : ( إنه ليس من أهلك ) تجوز وادعاء ويعني أنه لما لم يعمل ابن نوح بمقتضى بيئته ووظيفته ينبغي ان لا يسمي ابنه لأنه عمل غير صالح فكونه عملاً غير صالح تعليل لسلب كونه ابن نوح تجوز أو ادعاءً ... فإن قلت :

إن كان أولاد النبي وأولاد أولاده وبنو أعمامه من أهل البيت ففاطمة وابناها وعلي من أهل البيت قطعاً فأيّ فائدة في إخبار النبي بأنهم أهل بيته ؟

فقد روي ان النبي جمع هؤلاء والقى عليهم كساءً وقال : اللهم هؤلاء اهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ..

قلت : لما كان يمكن أن يقول المعاندون إنَّ علياً ابن عم النبي وابن عم الرجل ليس من أهل بيته وإن الحسنين أبنا ابن عمه فليس من اهل بيته بطريق إولى وليسا ابني رسول الله بدليل قول الشاعر :

بنـونا بنـو أبنائنــا وبناتنــا بنوهـــن أبناء الرجــال الأبــاعــد

وإنَّ فاطمة لما خرجت من كفالة النبي وعيولته خرجت عن أهل البيت فلأجل ذلك عمد النبي بعد نزول آية التطهير إلى هذا الفعل والقول ليكون هذا نصاً منه على كون هؤلاء من أهل البيت وقطعاً لألسن المعاندين عن التفوه بأمثال تلك الكلمات ، مضافاً إلى ما في هذه العناية الخاصة لهم من الأفتخار الذي يبقى لهم أبد الدهر ولهذا عد علي ـ يوم الشورى هذه العناية الخاصة من النبي من فضائله الجمة وسوابقه الحسنة ...

وأيضاً ذكر سعد بن أبي وقاص عند معاوية بن أبي سفيان فيما ذكر من فضائل علي قصة الكساء ـ وأيضاً نبَّه الحسن بن علي ، على هذه الفضيلة بعد وفاة أبيه تارةً وبعد الصلح مع معاوية تارةً أخرى والحاصل ان هذا العمل من النبي كان تعظيماً وتكريماً لهم وعنايةً وعطفاً عليهم وتفضيلاً وتخصيصاً وإظهاراً لحبّه الطبيعي لهم بقي افتخاره لهم مّر الدهور وشاع ذلك وذاع واشتهر حتى لقبوا بأصحاب الكساء ويومهم ذلك بيوم الكساء ...

ومن راجع سيرة النبي وسيرها علم انه كان شديد الحب لهؤلاء كثير العطف عليهم ، كل ذلك تمهيداً وتؤطئةً لإقبال الناس عليهم والأهتداء بنورهم والأخذ بحُجُزهم بعد وفاة النبي وانقطاع الوحي وكان جمع هؤلاء تحت الكساء وقوله : هؤلاء أهل بيتي ودعاؤه لهم بقوله : فأذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيراً جرياً على هذا المنوال وتنصيصاً على كونهم من أهل بيت النبوة وحريم الرسالة ودفعاً لتوهم المتوهم وقطعاً لألسن المعاندين وأهل الضغائن فقد كان النبي يعرف المجرمين بسيماهم والمنافقين في لحن قولهم ويتوسم الحقد في وجوههم ويراه في فلتات لسانهم .

فقد روي المحدث البحرني في كتابه ( غاية المرام) في المقصد الثاني في ـ الحديث 22 ) رواه من طرق الخاصة أنه قال النبي لعليّ فيما قال :

( أتَّق الضغائن التي في صدور من لا يظهرها إلا بعد موتي ) . فتحصل أن جمع النبي هؤلاء تحت الكساء وقوله : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس

وطهرهم تطهيراً ، كان عملاً من النبي بسيطاً عادياً أراد به تبجيل هؤلاء وترفيع شأنهم مع ما فيه من إظهار حبه الطبيعي لهم ولم يرد بذلك صرف آية التطهير عن ظاهرها وإخراج النساء منها ، وتخصيص لفظة اهل البيت في الآية بأصحاب الكساء حتى يصير قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس ) ..إلى ألخ منقطعة عما قبلها غير مرتبطة بما بعدها ..

نعم صارت المسألة سياسية بعد أن كانت بسيطة عاديةً وغدت عويصة معضلة . بعد أن كانت واضحة بينة ، فلعبت بها يد السياسة والبغضاء تارة والعاطفة المذهبية العمياء أخرى فكان المنحرفون عن الإمام علي ـ يبذلون جهدهم في تخصيص آية التطهير بنساء النبي وإخراج الإمام علي ـ عنها ...

وفي قبال هؤلاء بعض الشيعة المفرطون المغالين في حب أهل البيت يجهدون لإخراج نساء النبي عن هذه الآية ظناً منهم أن هذه الآية تثبيت فضيلةً ليست في نساء النبي فالناصبيون والمنحرفون عن الإمام علي ـ يقولون بأختصاص آية التطهير بنساء النبي مستدلين بأن قبلها وبعدها في شأنهن ويغضون البصر عن التغليب الواقع في الآية ولا غرور فإن البغض يعمي ويصم ...

والغالون في حب الإمام علي يقولون بخروج نساء النبي عن الآية مستدلين بضمير المذكر في ( عنكم ) ويغضون البصر عن التغليب الواقع في الآية وعن الأرتباط الشديد بين الآية وما قبلها وما بعدها ولا غرو فإن الحب يعمي ويصم

روي الطبري بسنده عن علقمة قال : ( كان عكرمة وهو ناصب منحرف عن الإمام علي ، ينادي في السوق : ( إنما يُريدُ الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) قال : نزلت في نساء النبي خاصة ،

وطبيعي أن أعداء الإمام علي ـ كانوا يرجعون إلى قول عكرمة وأمثاله ويذيعونه ويروجونه ، والسلطات السياسية المعاندة للإمام علي ـ تؤيده طبعاً وإلا فما حمل عكرمة على أن ينادي في السوق باختصاص آية التطهير بنساء النبي لولا الحقد والبغضاء وتحريك الأيادي السياسية ؟ وأعداء الإمام علي ـ قد أشاعوا وأذاعوا قول عكرمة بخروج علي وأولاده عن آية التطهير فآل الآمر إلى أن انتشر رآي عكرمة بين عامة الناس وكانوا يؤذون أولاد الإمام علي ـ بتبليغ هذا الرأي وترويجه حتى غضب زيد بن علي بن الحسين من ذلك وأبطل هذا الرأي بنفس الآية فقد روي علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبي الجارود أنه قال : قال زيد بن علي بن الحسين إن جهالاً من الناس يزعمون أنه إنما أراد الله بهذه الآية أزواج النبي وقد كذبوا وأثموا وأيم الله ، ولو عني أزواج النبي لقال : لذهب عنكن الرجس . انتهى

ومراد زيد بن علي بن الحسين ـ نفي اختصاص الآية بأزواج النبي لأنه قال : يزعمون أنه إنما أراد الله بهذه الآية أزواج النبي ولفظة ( إنما) للحصر فنفى زيد ذلك الحصر وبين أنه لو كانت مختصة بهن لكان اللازم أن الآيتان بضمير المؤنث بل وقع في الآية تغليب فيشمل كل من دنا وتدلى ببيت النبوة بسبب أو نسب ولم يرد زيد إثبات اختصاص الآية بغير نساء النبي فهو رضي الله عنه كان من بيت الفصاحة والبلاغة فكيف يغفل عن ظاهر الآية وارتباطها بما قبلها وما بعدها كمال الأرتباط نعم ربما يظن بعض من غلب عليه العاطفة أن زيد بن علي أراد عدم شمول الآية لنساء النبي هيهات ما هكذا الظن به ولا المعروف من علمه وفضله و الظاهر من كلامه بل أريد زيد بن علي ، أبطال رأي عكرمة

الذي يقول بأختصاص الآية بنساء النبي . وإلى إبطال هذا الرأي ينظر ما نقلوه عن تفسير العياشي أنه روي عن أبي جعفر الباقر أنه قال : ليس شئ ٌ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ، أن الآية ينزل أولها في شئ وأوسطها في شئ وآخرها في شئ ثم قرأ : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرَّجس ) الآية انتهى ... يريد الإمام أبو جعفر ـ

أن التغليب الواقع في الآية أدل شئ على عدم اختصاص الآية بنساء النبي وكون أول الآية فيهن لا يدل على اختصاص آخر الآية بهن فقط فهذا أيضاً ينظر إلى إبطال قول عكرمة بأختصاص آية التطهير بنساء النبي الذي كان شائعاً ذائعاً في ذلك الزمان بين الذين يسلكون سبيل عكرمة ولا يريد الإمام الباقر ـ إخراج نساء النبي عن الآية كما ربما يظنه من غلب عليه العاطفة

فإن قلت : هل ورد في الأخبار ما يوجب صرف الآية عن ظاهرها وتخصيصها بأفراد معينة من أهل البيت ؟

قلت : ليس في الباب خبر صرف الآية عن ظاهرها وتخصيصها بأفراد معينة من أهل البيت ، ونحن نذكر تفصيلاً الأخبار الواردة في هذا الموضوع من طرق الفريقين ونأتي عليها حتى يتبين الأمر واضحاً جلياً فنقول :

الروايات الواردة في هذا الباب على طوائف :

الأولى : ما ورد أن النبي جمع علياً وفاطمة والحسنين وألقى كساءً أو عباءً عليهم ودعا لهم أو قرأ آية التطهير بدون الدعاء .

الثانية : ما ورد أن آية التطهير نزلت في النبي وعلي وفاطمة والحسنين ، وفي الأئمة من ولدهم .

الثالثة : ما ورد أن النبي بعدما نزلت آية ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) كان يأتي باب فاطمة ويدعو أهل البيت إلى الصلاة ويقرأ آية التطهير .

الرابعة : ما لا يجمعه ضابط كلي ونحن نذكر من الطوائف الأربع أوضحها واتقنها

الطائفة الأولى

أ – روي الطبرسي في مجمع البيان عن تفسير أبي حمزة الثمالي قال : حدثني شهر ابن حوشب عن أم سلمة قالت : جاءت فاطمة إلى النبي تحمل حريرة فقال لها أدعي زوجك وابنيك فجاءت بهم فطعموا ثم ألقى عليم كساءً خيبرياً وقال

اللهم هؤلاء اهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ) فقالت أم سلمة : يا رسول الله وانا معهم فقال : انتِ إلى خير ) .

ب - وروي السيد هاشم البحراني في تفسير ـ البرهان ـ عن تفسيرالثعلبي (الحديث 32) بالإسناد إلى أم سلمة أن النبي كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمةٍ فيها حريرة فقال لها : ادعي زوجكِ وابنيك فذكر الحديث نحو ما مر في الحديث الأول ثم قال فأنزل الله : ( إنما يُريد الله ليذهب عنكم لرجس أهل البيت ويطهركم تطهراً ) :

قال فأخذ النبي فضل كساءٍ فغشاهم به ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال : ( اللهم هؤلاء اهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ) فأدخلت رأسي البيت وقلت : وانا معكم يا رسول الله ؟ قال : إنكِ إلى خير .

ج - وروي البحراني عن مسند أحمد بن حنبل ـ الحديث 53 ـ عن أم سلمة : تذكر أن النبي كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها علية قال : أدعي لي زوجك وإبنيك قال فجاء علي والحسن والحسين فدخلوا فجلسوا

يأكلون من تلك الحريرة وهو وهم على منام له وكان تحته كساءً خيبري قالت وأنا في الحُجرة أصلي فأنزل الله هذة الآية ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرَّجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً )

قالت : فأخذ فضل الكساء وكساهم به ثم اخرج يده فألوى بها إلى السماء وقال : ( هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ) ٌقالت : فأدخلت رأسي البيت وقالت : وأنا معكم يا رسول الله قال : إنكِ إلى خير .

د - وروي البحراني في تفسير البرهان عن أحمد بن حنبل بإسناده عن أم سلمة قالت : رأيت رسول الله وقد جائته فاطمة غداة ببرمة قد صنعت فيها عصيدة تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يدية فقال لها : أين ابن عمكِ ؟

قالت : هو في البيت قال : اذهبي فادعيه وأتيني بأبنيه قالت :

فجائت تقود ابنيها كل واحد منهما بيد وعلي يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول الله فأجلسهما في حجره وجلس علي على يمينه وجلست فاطمة على يساره قالت أم سلمة : فأجتذب من تحتي كساءً خيبرياً كان بساطاً لنا على المنامة في المدينة فلفه رسول الله وأخذ طرفي الكساء وألوى بيده اليمنى إلى ربه عزَّ وجل وقال : :

( اللهم هؤلاء اهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) قلت : يارسول الله ألست من أهلك قال : بلى وأدخلني في لكساء بعدما قضى دعاءه لأبن عمه علي وأبنيه وفاطمة .

ه - وروي محمد بن جرير الطبري بسنده عن عبدالله بن وهب بن زمعة قال : أخبرتني ام سلمة ان رسول الله جمع علياً والحسنين ثم أدخلهم تحت ثوبه ثم جأر إلى الله ثم قال : هؤلاء أهل بيتي فقالت أم سلمى يارسول الله أدخلني معهم قال : إنكِ من أهلي .

و - وروي البحراني في تفسير ـ الحديث 17 ـ عن محمد بن العباس بإسناده عن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي وفي البيت سبعة جبرائيل وميكائيل ورسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين قالت : وكنت على الباب فقلت يارسول الله ألست من أهل بيتك قال : إنك ِ إلى خير إنكِ من أزواج النبي وما قال : إنكِ من أهل البيت .

ز – وروي البحراني في تفسير البرهان ( الحديث 20) عن أمالي الشيخ الطوسي بإسناده عن أم سلمة أنها قالت : نزلت هذه الآية في بيتها : ( إنما يُريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً )أمرني رسول الله ان أرسل إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فلما أتوه أعتنق علياً بيمينه والحسن بشماله والحسين على بطنه وفاطمة عند رجله ثم قال : ( اللهم هؤلاء أهلي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) . .

ح - وروي البحراني في تفسير البرهان ـ الحديث 21 ـ عن الشيخ الطوسي بإسناده عن علي بن الحسين ـ عن أم سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي وفي يومي كان رسول الله عندي فدعا علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاء جبرائيل فمدّ عليهم كساءً مذكياً ثم قال : ( اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) قال جبرائيل : وانا منكم يا محمد ؟ فقال النبي وأنت منا يا جبرائيل ، قالت أم سلمة فقلت : يا رسول الله

وأنا من أهل بيتك فجئت لآدخل معهم ، فقال : كوني مكانكِ يا ام سلمة إنكِ إلى خير إنكِ من أزواج نبي الله فقال جبرائيل ، أقرأ يا محمد ( إنما يُريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً )

في النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين .

ط - وروي البحراني في تفسير البرهان ـ الحديث 27 ـ عن مجالس الطوسي بإسناده عن الحسن بن علي عندما صالح معاوية قال : جمعنا رسول الله في كساءٍ لآم سلمة خيبري ثم قال :( اللهم هؤلاء اهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرَّجس وطهرهم تطهيراً ) .

ي - وروي البحراني في تفسير البرهان ـ الحديث 14 ـ عن محمد بن العباس بإسناده عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه انه قال : كان رسول الله في بيت أم سلمة فأتى بحريرة فدعا علياً وفاطمة والحسن والحسين

فأكلوا منها ثم جلل عليهم كساءً خيبرياً ثم قال : ( إنما يُريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) فقالت أم سلمة : وأنا منهم يا رسول الله قال : أنتِ إلى خير ... .

تلك عشرة كاملة من الطائفة الأولى من الأخبار بشأن آية التطهير من طرق اهل السنة والشيعة

ثمانية منها تنتهي إلى أم سلمة واثنان منها وهما الأخيران إلى الحسن والحسين ... وهذه الروايات على أختلاف ألفاظها ، تحكي قضية واحدةٌ وقعت في منزل أم سلمة بمرآى منها وسمع وهي أن رسول الله بعدما نزلت آية التطهير (والظاهر أنها نزلت مع ما قبلها وما بعدها دفعة واحدةً لشدة الأرتباط بينها بحسب المعنى )

جمع علياً وفاطمة والحسنين فجلسوا وكان مجلس أنس ومحفل قدسي أجتمع فيه النبي مع خاصته وأحبته فأكلوا من الحريرة أو العصيدة التي جائت بها فاطمة ثم ناموا واستراحوا فألقى النبي عليهم أو لف بهم كساءً أو فضل كساء كان تحتهم وقال : ( اللهم هؤلاء أهل بيتي ودعا لهم أقتباساً من آية التطهيرأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً ) وقد ألقى عليهم من عطفه وحنانه كساءً معنوياً وأفاض عليهم من رقيق لطفه ولطيف رأفته ما سمحت به روحه . :

الحنّانة العطوف وأوجد فيهم من أنين دعائه وحنين مناجاته وجدا سما بهم إلى أجواء من عالم الصفاء والنور وهذا شرف عال ومقام رفيع لم يكن أحد من أهله غير بضعته وسبطيه ومن هو كنفسه ولهذا لما تذرعت أم سلمة بكونها من أهل البيت للدخول معهم أوقفها النبي في مكانها وقال لها إنكِ إلى خير أو على خير تنبيهاً على أن هذا العطف والحنان والعناية الدعاء مختص بهم لايشارك فيه غيرهم مضافاً إلى أن دخول أم سلمة تحت الكساء للنوم والأستراحه معهم

فيه حزازة لا تناسب شأن أهل البيت أضف إلى ذلك ان علياً كان فيهم ونوم أم سلمة معهم وعلي فيهم لا يناسب نزاهة بيت النبوة أصلاً وهذه الأخبار كما ترى لا تدخل على أن النبي كان بصدد تفسير آية التطهير وبيان أن الأرادة فيها

تكوينية أو تشريعية وأن لفظ اهل البيت يشمل غير أصحاب الكساء أو لا يشمل ، وعلى هذا فما قالته أم سلمة من قولها : ألست من أهل البيت أو لست من أهلكِ ليس سؤالاً عن أن لفظ أهل البيت المذكور في آية التطهير يشمل أم سلمة أم لا ؟ لأن هذا سؤال ساذج لا يتفوه به م يعلم أنه ن أهلالبيت والليل على أن أم سلمة كانت بكونها من أهل البيت لفظ ـــ ألست من أهل البيت ــ ؟ ،

فإن هذا أستفهام إنكاري يقول به من يعلم بنفي هذا النفي ويعلم ان مخاطبه يعلم بنفي هذا النفي نحو قوله تعالى : ( ألست بربكم ) وقول النبي يوم غدير خم : ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ ولذا يأتي في هذا الأستفهام بلفظ (بلى ) كما ورد في الرواية الرابعة مما نقلنا هنا حيث أن النبي حين سألته أم سلمة : ألست من أهلك ؟ قال : بلى ، ويدل أيضاً على أن أم سلمة كانت تعلم أنها من أهل البيت قولها في الرواية الثامنة مما نقلناه : ( فقلت يا سول الله وأنا من أهل بيتك

( فجئت لأدخل معهم ) فإن لفظ ـ أنا من أهل بيتك ـ إخبار لا أستفهام بقرينة قولها : فجئت لأ دخل معهم .

فهذه الكلمات التي نقلت عن ام سلمة لا تدل واحدة منها على انها كانت شاكة في كونها من اهل البيت بل إن الذي صدر يدل على اعتقادها بكونها من اهل البيت فسؤالها يرجع إلى انها كانت تتمنى ان يشركها النبي في هذه العناية المخصوصة والتكريم والدعاء والدخول تحت الكساء فجعلت كونها من اهل البيت مرقاةً للتدرج إلى هذه المنزلة كما يشير إلى ذلك قولها :

فجئت لآ دخل معهم فقال لها النبي ـ مكانك إنك إلى خير أو إنك من أزواج النبي أو غير ذلك تنبيها على أن كونها من اهل البيت لا يوجب دخولها في هذه العناية المخصوصة فكأنه قال لها : هذا التكريم والدعاء مخصوص بهؤلاء :

ولكن لا تيئسي ولاتحزني بل أبشري فإنك إلى خير ، وعلى هذا فما في التبيان للشيخ الطوسي من أن التبي بعدما سألت أم سلمة : هل أنا من أهل البيت ؟ قال : لا ، ليس بصحيح بل هو خطأ لعلّه صدر عن النساخ أو من الرواة فإن أكابر هذه الأخبار ، موجودة في أمالي الطوسي وليس في واحد منها لفظ ـ لا ـ مضافاً إلى انه مخالف لظاهر الآية بل صريحها كما بيناه سابقاً ومخالف أيضاً للأخبار الكثيرة التي وردت في هذا الباب ، والحاصل أن جميع ما ذكرنا ان قصة الكساء وفعل النبي وقوله ليست ناظرة إلى تفسير آية التطهير وليس في تلك القصة ما يصرف الآية عن ظاهرها ويخصصها بأفراد معينة من أهل البيت وليس فيها ما يدل على أن الإرادة في الآية تكوينية ... فإن قلت : أكان نزول آية التطهير قبل ما جمع رسول الله علياً وفاطمة والحسنين تحت الكساء أم بعده ؟

قلت : صريح الرواية التاسعة مما إوردناه الأول فإنه قال فيها الإمام الحسن بن علي ـ لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله في كساء لأم سلمة خيبري الخمير ـــ

وهو الظاهر من الرواية الثانية والثالثة والسابعة والثامنة بل ومن الأولى والرابعة لأن النبي على ما في الأولى والرابعة بعدما جمعهم تحت الكساء دعا لهم أقتباساً من آية التطهير والأقتباس يقع بعد النزول

نعم روي المحدث البحراني في تفسير البرهان ـ الحديث 12 ـ عن الصدوق بإسناده عن مكحول انه قال : الإمام علي ــ فيما قال : فإن رسول الله نام ونومني وزوجتي فاطمة وأبني السين والحسين وألقى علينا عباءً قطوانياً فأنزل الله فينا

( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس )

. وهذه الرواية ظاهرة في نزول الآية جمعهم في الكساء ولكن ظهورها لا يكافئ نص الرواية التاسعة وظهور الثانية والثالثة والسابعة والثامنة فالواجب طرح هذا الظهور أو تأويله على نحو يوافق سير الروايات

وأيضاً روي البحراني في تفسير البرهان عن تفسير الثعلبي ـ الحديث5 4 ـ بسندٍ غير معتبرٍ رواية معناها مشابه لرواية مكحول والواجب أيضاً طرح ظهورها أو تأويله على نحو رواية مكحول مما نقوله ونعتقده انه نزلت آية التطهير أولاً ثم بعده وقعت قصة الكساء ...

فإن قلت : ما الفرق بين جمع رسول الله أهل بيته تحت الكساء بعد نزول الآية وبين عكسه ؟ قلت : الفرق انه لو كان نزول الآية بعد جمعهم في الكساء لكان اجتماع هؤلاء تحت الكساء مورداً لنزول الآية بخلاف العكس .

فإن قلت : لو كان نزول آية التطهير بعد اجتماعهم بعد تحت الكساء فهل يمكن اختصاص الآية بهؤلاء الذين قال النبي في حقهم : هؤلاء أهل بيتي . ؟

قلت : لا يمكن اختصاص الآية بالذين قال النبي في حقهم : هؤلاء أهل بيتي لأنهم كانوا أربعة والنبي ليس فيهم لأن لفظ

هؤلاء أهل بيتي ـ لا يشمل نفس النبي وآية التطهير تشمل نفس النبي بلا خلاف بين المفسرين ويدل عليه الأخبار الكثيرة فلو فرضنا فرض المحال وقلنا بان نزول الآية بعد قول النبي

هؤلاء أهل بيتي وكان هؤلاء الأربعة مرداً لنزول الآية لكان اللازم أيضاً التجاوز عن مورد النزول والأخذ بظاهرلفظ الآية حتى تشمل نفس النبي ولازم الأخذ بظاهر للآية شمولها لجميع أهل البيت من النساء والرجال على ما بيناه سابقاً ، وعدم كون المورد مخصصاً لحديث شائع بين المحصلين ... فإن قلت :

أ كانت قصة الكساء بمرأى من الصحابة ومسمع ، أم كانت بمعزل عنهم ؟

قلت : الظاهر من الروايات ان تلك القصة كانت بمعزل عنهم ، خذ النبي ، بأحّبته وخاصته وأكلوا حريرة وناموا واستراحوا فألقى عليهم فضل كساءٍ كان تحتهم ليستتروا به ـ وهنا ألتذ النبي بصحبته بضعته وسبطيه وابن عمه وللحسن وقتئذٍ نحو من ثلاث سنين والحسين أصغر منه واهتزت عاطفته ومحبته

فدعا لهم بأحسن دعاء ـ والأجتماع مع الأحبة وأكل الحريرة والنوم تحت العباء للأستراحة لا يقع في أجتماع فيه الصحابة لا سيما من مثل النبي الذي هو منبع الحياء البشري ومشرعة ،

نعم ام سلمة التي وقعت هذه القصة في بيتها أو على منامةٍ تجاه بيتها كانت حاضرة عندها ولهذا روي أكثر الرواة قصة الكساء عن ام سلمة ويدل على وقوع تلك الواقعة بمعزل عن الصحابة وما رواه محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن أم سلمة أنها قالت : جاء النبي إلى بيتي فقال : لا تأذني لأحد ، فجاءت فاطمة فلم أستطع ان أحجبها عن ابيها ثم جاء الحسن فلم أستطع ان أمنعه ان يدخل على جده وامه ، وجاء الحسين فلم أستطع ان احجبه فا جتمعوا حول النبي على بساط فجللهم نبي الله بكساء الخبر ...

فتحصّل ان هذه الواقعة وقعت في خلوةٍ من الصّحابة وكان محفل أنس أجتمع فيه النبي مع بطانته وخاصّته وأكلوا الحريرة وناموا للاستراحة والحاجة تقتضي بإلقاء الكساء عليهم في حال النوم والأستراحة

( وأما في حال الجلوس فبعيد في العادة إلقاء الكساء عليهم )

وفي تلك الحال في خلو عن الصّحابة دعا لهم النبي بان يذهب الله عنهم الرجس ويطهرّهم تطهيراً ...

وجزم بوقوع واقعة الكساء في الخلوة وبمعزل عن الصّحابة العلامّة عبد الحسين شرف الدين في رسالته ( الكلمة الغراء ص 12) وهو الحق الحقيق بالقبول فالذين حضروا تلك الوقعة ثم رووها بلا واسطة هم أم سلمة والإمام علي والحسن والحسين ـ

ولم أر من رواها عن فاطمة لعلّ وجهة أن الوقعة كانت تنتقل في مقام الأحتجاج وذكر المفاخر كما ذكرها الإمام علي ـ بعد مضى نحو من سبع عشرة سنة من وقوع تلك الوقعة في يوم الشوَّرى ضمن مفاخره الجمّة وذكرها الإمام الحسن ـ بعد خمس وثلاثين سنة ضمن خطبته بعد استشهاد أبيه ـ تارةً وبعد الصلح مع معاوية تارةً أخرى وفاطمة لم تعش بعد أبيها كثير من الزمان حتى تذكر هذه الوقعة في مقام الأحتجاج وذكر المفاخر في أحوال تقتضي ذلك والظنّ الغالب أنَّ الرّاوين لوقعة الكساء الذين لم يحضروها ولم يروها إنما أخذوها عمن حضرها ثم أسقطوا الواسطة في مقام النقل فأمثال ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وواثلة بن الأصقع وعبد الله بن جعفر وعائشة الذيَّن رووا قصّة الكساء ولم يكونوا حاضرين عند وقوعها قد سمعوها ممّن سمعوها ومن أسقطوا الواسطة في النقل ومثل هذه المسامحة في النقل كبيرٌ جداً في نقلة الآثار .. وأما ما رواه الطبري في تفسيره عن بن أبي أم سلمى وربيب النبي قال : نزلت هذه الآية على النبي في بيت أم سلمة ، وجملة القول في هذا البحث أن قصة الكساء وقعت بمعزل عن الصحابة ، ولم يحضرها غير أصحاب الكساء وأم سلمة والطبقة الأولى من رواة هذه الواقعة وهم الإمام علي والحسن والحسين وأم سلمة ، ولم أرى من رواها عن فاطمة كما مّر ، ومعلوم إن حديث الكساء مستفيض معتبر موجب للإطمئنان و العلم العادي بوقوعها . وفي تفسيرها عن عمر بن أبي سلمة المخزومي ابن أم سلمة وربيب النبي قال : نزلت هذه الآية -

إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا - على النبي في بيت ام سلم فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة الخبر ...

: فالظاهر ان هذا الخبر مرسلٌ إيضاً لأن عمر بن أبي سلمة كان عند نزول آية التطهير له نحو خمس سنوات ، أي إنه وقتذاك كان صبياً يلعب مع الصبيان وضبط الصبي الصغير لآمثال هذه القضايا في غاية البعد ، ونقول : إنه في الظاهر قد سمع هذه الواقعة بعد ما كبر ، أعني إنه سمعها بالواسطة ، ومعلوم إن الأصل في رواية هذه الواقعة أربعة : وهم الإمام علي والحسن والحسين وام سلمة الذين حضروا تلك الوقعة ووعوها ... واما ما رواه البحراني في

تفسيره البرهان عن تفسير الثعلبي بسنده عن مجمع قال : دخلت مع أمي على عائشة فسألتها أمي قالت : رأيت خروجك يوم الجمل قالت : إن كان قدراً من الله فسألتها عن علي فقالت : سألتني عن أحب الناس إلى رسول الله لقد رأيت

علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقد جمع رسول الله قوماً عليهم ثم قال : هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي فأ ذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيراً ،

قالت ام سلمة : يا رسول الله إنا من أهلك فقال : تنحّي إنكِ إلى خير ، فالظاهر أنه بعينه حديث أم سلمة سمعته عائشة ممن سمعته ثم روته مرسلاً لأنَّ يوم الكساء كان يوم ام سلمة والحادثة وقعت في بيتها وحضور عائشة في بيت ضّرتها في يوم لم يكن يومها بعيدٌ عادةً وعلى هذا فقول عائشة لقد رأيت علياً ... إلخ

معناه لقد علمت بوقوع تلك الحادثة واستعمال رأيت في معنى علمت غير عزيز وعلى فرض حضور عائشة عند وقوع القصّة فالقصّة هي قصّة ام سلمة لا أنها وقعت تارةً أخرى عند عائشة

وروي هذا الخبر بعينه الطبرسي في مجمع البيان إلا أنه أسقط منه لفظ ـ قالت أم سلمة ـ فيزعم القارئ أن عائشة قالت:

يارسول الله ولسنا من أهلك وان تلك الواقعة وقعت تارةً أخرى عند عائشة وليس الأمر كذلك بل الصحيح قالت ام سلمة : يا رسول الله وأنَّا من أهلك ومثل هذا السقط والسهوّ كثيرٌ في نقل الأخبار والآثار .. وروي أيضاً قصة الكساء عن عائشة على تلخيص وتغيير وإسقاط ،

فقد روي الطبري بسنده عن عائشة قالت : خرج النبي ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله معه ثم جاء علي فأدخله معه ثم قال :

( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرَّجس)

إلخ .. والظاهر أن إسقاط الحسين وفاطمة وقع من غير عائشة والدليل على ذلك ما عن البخاري ومسلم بسندهما عن عائشة قالت: خرج النبي ، غداة ثم ساقت الحديث نحو ذلك إلا أنه لم يسقط منه فاطمة والحسين ويعلم القارئ أن ما حكته عائشة في هذا الخبر بعينه قصة الكساء التي وقعت في بيت أم سلمة ، غاية الأمر أنه لم يذكر فيها أكل الحريرة والنوم تحت الكساء ودعاء النبي

دوماً للاختصار فمعنى الحديث ان النبي خرج من بيت عائشة وقد لبس مرطاً مرجلاً وذهب إلى بيت أم سلمة وكان اليوم يومها ـ ولذا ذهب النبي إلى بيتها غداة ـ فوقعت واقعة الكساء في بيتها

وعلى هذا لم ينقل عن عائشة قصة غير قصة أم سلمة ... وأما ما رواه واثلة بن الأصقع فالظاهر أنه أيضاً حديث أم سلمة فقد روي البحراني في تفسير البرهان ـ الحديث 39 ـ عن مسند أحمد بن حنبل عن شداد بن عبد الله قال : سمعت واثلة بن الأصقع وقد جئ برأس الحسين قال فلقيه رجل من أهل الشام فأظهر سروراً فغضب واثلة وقال :

والله لا أزال أحب علياً وحسناً وحسيناً أبداً بعدما سمعت رسول الله في منزل ام سلمة ، وجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبله ، ثم جاء الحسين فأجلسه على فخذه اليسرى وقبله ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه ثم دعا بعلي فجاء ثم أغدف عليهم كساءً خيبرياً كأني أنظر إليه ثم قال :

( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرَّجس ) إلخ . فهنا بعينه حديث أم سلمة إلا أن واثلة بن الأصقع أسقط الواسطة ونقل القصة على نحوٍ يوهم أنه كان حاضراً عندها ولم يكن كذلك لأن واثلة لم يكن مسلماً عند وقوع حادثة الكساء لأنه على الأشهر أسلم سنه تسع من الهجرة وحادثة الكساء حدثت بين أواخر الخامسة وأوائل السادسة من الهجرة وحضور واثلة الكافر واقعة الكساء التي وقعت في خلوة وبمعزل عن الصحابة محال عادةً ... وروي أيضاً حادثة الكساء عن واثلة مع تغيير وتحريف فعن مسند أحمد بن حنبل بسنده عن واثلة بن الأصقع قال : طلبت علياً في منزله فقالت فاطمة : ذهب إلى رسول الله قال : فجاءِأ جميعاً فدخلا ودخلت معهما فأجلس علياً عن يساره وفاطمة عن يمينه والحسن والحسين بين يديه ثم ألتف عليهم ثوبه وقال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) إلخ . اللهم هؤلاء أحق ،

قال واثلة فقلت من ناحية البيت : وأنا من أهلك يا رسول الله ؟ قال : وأنت من أهلي ، قال واثلة : فذلك أرجى ما أرجو من عملي ...

لا يشك أحدٌ أن هذه القصة التي نقلها واثلة ـ وهو صحابي مجهول ـ هي بعينها روتها أم سلمة في عدة روايات غاية الأمر أن الواقعة بعد مضي أكثر من نصف قرن من وقوعها إذا نقلتها الأفواه يقع فيها تغيير وتبديل طبعاً وقد يغيرها الناقلون تبعاً لأهدافهم ،

نقل واثلة هذه القصة بعد وقعة كربلاء وقد مضى من حادثة الكساء نحو من خمس وخمسين سنة وقد بقي من أصحاب رسول الله شرذمة قليلون منتشرون في أقطار الوطن ، وكانت تشرئبُ أعناق الناس لرؤية أي صحابي إن ظفروا به ليستفيضوا من حضرته لأن الصحابي كان عند الناس وقتئذ بقيةٌ من بقايا أيام الرسالة فكانوا ينظرون إليه بعين الأحترام ومن المعلوم أن الصحابي إن لم يكن من أهل التقوى يقص على الناس حينئذٍ ما يثبت أختصاصه برسول الله وأظنُّ أن واثلة كان من أهدافه في نقل تلك القصة تزكية نفسه ، وترفيع مقامه عند الناس كما يشعر به قوله :

كأني أنظر إليه بعد ان مضى من تلك الحادثة أكثر من نصف قرن كأني أنظر إلى رسول الله ـ وإلى كسائه ـ يعني ولهذا الغرض حرّف القصّة في إحدى الروايتين فنسب ما قالته أم سلمة إلى نفسه حيث قال : فقلت من ناحية البيت : وأنا من أهلك يا رسول الله قال : وأنت من أهلي ،

وما قال هذا إلاّ ليثبت تقربه من رسول الله لترتفع منزلته من الهمج الرعاع من الناس ومن ثم قال : فذلك أرجى ما أرجو من عملي . يعني تبشير رسول الله بأني من أهله أزكى عمل وأحسن فعل أرجوه من أعمالي ومثل هذا يقول المتزهد المتورع لجلب رغبات الناس إليه وإلا فلو كان مثل واثلة وهو صحابي مجهول كان مشركاً عند وقوع وقعة الكساء ولم يكن له من صحبة رسول الله أكثر من سنةٍ تسع من الهجرة فلو كان واثلة من أهل بيت رسول الله لكان أمثال أبي سفيان الذي أسلم قبل إسلام واثلة بسنةٍ من أهل بيت الرسول بطريق أولى ولم يقل ولا يمكن ان يقول به أحد .

وقد مُنى الإسلام بأمثال هؤلاء المحرفين من أهل التدليس ووقع فيه ما وقع في الأصول والفروع وحتى في التاريخ كما هو غير خاف على أهله ، والحاصل أن ما نقله واثلة ليس إلا حديث ام سلمة وقد سمعه واثلة ممن سمعه بعدما أسلم ثم نقله بلا واسطة وحرفه في إحدى الروايتين فما قاله بعض العلماء من وقوع واقعة الكساء تارةً أخرى في بيت فاطمة أستناداً لحديث واثلة كما قاله السيد شرف الدين في كتابه ـ الكلمة الغراء ـ ص15 ـ

ليس بصحيح ، وجملة القول في هذا البحث أن قصة الكساء وقعت بمعزل عن الصحابة ولم يحضرها غير أصحاب الكساء وأم سلمة والطبقة الأولى من رواة هذه الواقعة هم الإمام علي والحسن والحسين ـ وام سلمة ولم أر من رواها عن فاطمة كما مّر ومّر ما يمكن ان يكون سبباً لذلك فحديث الكساء مستفيض معتبر موجب للأطمئنان بل العلم العادي بوقوعها .

فإن قلت : يوجد في روايات الكساء ما يدل على قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراًُ)

نزلت مستقلة ممتازةً غير مرتبطة بما قبلها وما بعدها في دفعةٍ من دفعات الوحي ؟

قلت : ليس في وقعة الكساء ما يدل على ذلك لأن رواة تلك الواقعة كانوا في مقام بيان انه جمع النبي بعد نزول آية التطهير هؤلاء تحت الكساء ودعا لهم دعاءاً أقتباساً من تلك الآية واما ان هذه الآية أعني قوله تعالى :

(إنما يريد الله ) وهو في الحقيقة بعض ـ الآية 33 ـ من سورة الأحزاب نزلت مع ما قبلها وما بعدها دفعة أو أنها نزلت مستقلة عما قبلها وما بعدها فأخبار وقعة الكساء ساكتة عنه ، وسياق الآيات يشهد بنزول قوله تعالى :

(إنما يريد الله ) إلى قوله : ( يطهركم تطهيراً) مع ما قبلها وما بعدها دفعة واحدةً لشدة الأرتباط بين تلك الآيات بحسب المعنى لأن قوله تعالى (إنما يريد الله ) إلى آخر الآية تعليل للخطابات السابقة كما أوضحنا ه سابقاً ، ومن عجيب ما قيل لإثبات أستقلال هذه الآية ويعتبر صحيح بعض الآية عما قبلها وما بعدها ما قاله السيد شرف الدين في ـ كلمته الغراء ص 21 ـ

وآية التطهير جاءت مستطردة بين آيات النساء بسبب أستطرادها ان خطاب الله لهن بتلك الأوامر والنواهي والنصائح والآداب لم يكن إلا لعناية الله بأهل البيت ( أعني الخمسة ) لكيلا ينالهم ـ ولو من وجهتين ـ لوم او ينسب إليهم ولم بواسطتهن لما هناة ، أو يكون عليهم للمنافقين ـ ولو بسببهن ـ سبيل ، ولولا هذا الأستطراد ما حصلت هذه النكتة الشريفة التي عظمت بها بلاغة الذكر الحكيم وكمل إعجازه الباهر كما لا يخفى ـ أنتهى ما نقلناه عن العلامة شرف الدين ولا نعلق عليه شيئاً ونتركك حراً في التفكير فتفكر وتعقل هل تفهم منه شيئاً معقولاً ؟

هذا تمام الكلام في الطائفة الأولى من الروايات المتعلقة بآية التطهير ...

الطائفة الثانية

وأما الطائفة الثانية وهي ما ورد فيها أن آية التطهير نزلت في الإمام علي ـ أو في أصحاب الكساء او في الإمام علي والأئمة ـ من ولده فنذكر منها ثلاث روايات :

الأولى : ما وراه الطبري في تفسيره بسنده عن حكيم بن سعد قال : ذكرنا علي بن أبي طالب عند ام سلمة قالت : فيه نزلت آية ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجّس ) إلخ . . .

الثانية : ما رواه البحراني في تفسيره عن الثعلبي بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال : نزلت هذه الآية في خمسة فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة

( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس) إلخ ...

الثالثة : ما رواه البحراني عن الصدوق بسنده عن علي قال : دخلت على رسول الله في بيت أم سلمة وقد نزلت هذه الآية : (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس )إلخ .

فقال رسول الله : هذه الآية فيك وفي سبطي ولأئمة من ولدك ، أقول في توضيح هذه الأخبار : جملة ـ نزل فيه ـ وما يجري مجراها تستعمل في لسان الروايات في ثلاثة مواضع :

الأول : أن يكون واقعة شخصية سبباً لنزول آية ومورداً لها ويكون لفظ الآية خاصاً لا عاماً نحو قوله تعالى في سورة المجادلة : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ) عن أبن عباس أن هذه الآية نزلت في خولة بنت خويلد وقد ظاهرها زوجها أوس بن الصامت الخزرجي فجادلت النبي في زوجها واشتكت إلى الله ، فهنا لفظ الآية أعني ( التي تجادلك في زوجها ) خاص ليس له عموم أو إطلاق ففي مثل هذا المورد لفظ الآية لا يشمل غير مورد نزولها .

الثاني : ان تكون واقعة شخصية سبباً لنزول الآية ومورداً لها ولكن يكون لفظ الآية عاماً شاملاً لمورد النزول وغيره نحو قوله تعالى في سورة الأحزاب ـ الآية 36 ـ (

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً ان يكون لهم الخيرة من أمرهم )

قال المفسرون : هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش أبنة عمة النبي وأخيها عبد الله بن جحش أراد النبي أن يزوجها من زيد بن حارثة فأبت هي وأخوها فنزلت الآية . في مثل هذا المورد لفظ الآية عام يشمل غير موردها وفي مثل هذا يقول المحصلون : أن المورد لا يكون مخصصاً .

الثالث : أن لا يكون واقعة شخصية سبباً لنزول الآية ويكون في لفظ الآية شمول وعموم ومثاله الآيات التي ذكرناها في صدر هذه المقالة النازلة في شأن نساء النبي الشاملة لآية التطهير فهنا لم تكن واقعة شخصية سبباً لنزول هذه الآية وفي لفظ الآيات عموم وشمول يشمل جميع نساء النبي وآية التطهير تشمل جميع من كان من أهل بيت النبوة رجالاً ونساءاً على ما فصلناه بقولة تعالى :

وقرن في بيوتكن ولاتبَّرجن تبَّرج الجاهلية الأولى )

يشمل جميع نساء النبي ولا يختص ببعضهنَّ فما رواه البحراني في تفسير البرهان عن الصدوق بسنده عن ابن مسعود عن النبي أنه قال هذه الآية :

( وقرن في بيوتكن ولا تبرَّجن تبرَّج الجاهلية الأولى ) نزلت في عائشة فمعناه أن عائشة من مصاديق الآية لا أن الآية مختصة بها وآية التطهير من هذا القبيل لأنه لم تكن واقعة شخصية مورداً لنزول آية التطهير وأيضاً لفظ الآية عام يشمل جميع أهل بيت النبوة على كثرتهم رجالاً ونساءاً ،

فما روي الطبري عن أم سلمة أنها نزلت في الإمام علي ـ الحديث 1 من الطائفة الثانية ـ معناه ان علياً من مصاديق الآية وعلى هذا لا يكون بين هذا وبين ما رواه أبو سعيد الخدري أنها نزلت في قصة ـ الحديث الثاني ـ تعارض ،

وأيضاً لا يكون بين هذين الخبرين وبين ما رواه الصدوق بسنده عن الإمام علي ـ انه قال له النبي :

هذه الآية فيك وفي ّ سبطي والأئمة من ولدك ـ الحديث الثالث ـ تعارض ، والسر في ذلك أن لفظ الآية يشمل كل من كان من أهل البيت على كثرتهم وهذه الأخبار ليست في مقام الآية تخصيص ببعض أفرادها بل في مقام بيان بعض المصاديق ففي كل واحد من هذه الأخبار الثلاثة ذكر بعض مصاديق آية التطهير ففي الخبر الأول ذكر الإمام علي ـ فقط وفي الثاني ذكر خمسة هم أصحاب الكساء وفي الثالث ذكر الإمام ـ والحسنين والأئمة من ولدهم ولم يذكر رسول الله ولا فاطمة ـ فكل خبر يذكر بعض مصاديق الآية ولا ينفي ما عداه فكما ان ما روته ام سلمة أنها نزلت في الإمام ـ لا ينفي

كون النبي وفاطمة والحسنين ـ وأولادهما من أهل البيت ، وما رواه الصدوق عن الإمام ـ أنه قال له النبي : هذه الآية فيك وفي سبطي والأئمة من ولدك ولا ينفي كون رسول الله وفاطمة ـ من اهل البيت فكذلك لا ينفي واحداً من هذه الأخبار كون نساء النبي موضوعاً وحكماً ، فنلخص من جميع ما ذكرنا أن لفظ ـ نزلت فيه ـ وما يجري مجراه في هذه الأخبار لا يفيد أزيد من بيان المصداق ولا يستفاد منه تخصيص آية التطهير ببعض أهل البيت دون بعض موضوعاً أو حكماً وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان ...

تنبيه : زعم السيد العلامة شرف الدين في رسالته ـ الكلمة الغراء ص12 ـ 15 ـ " أن جمع النبي علياً وفاطمة والحسنين ـ تحت الكساء وقوله :

( اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) يدل على أختصاص آية التطهير بأ صحاب الكساء أعني النبي وعلياً وفاطمة والحسنين ـ

ونحن نعلق على قول السيد العلامة ونقول : إن قول النبي ( هؤلاء أهل بيتي ) لا يشمل نفس النبي بلا شك فهل يريد النبي بقوله هذا إخراج نفسه من آية التطهير موضوعاً أو حكماً ؟

قد استدل السيد بقول النبي : " هؤلاء أهل بيتي " على اختصاص آية التطهير بالخمسة أصحاب الكساء فلو دل قول النبي هذا على الأختصاص لدل على اختصاص الآية بأريعة من اصحاب وهم المشار إليهم بقوله :

هؤلاء فلفظ ( هؤلاء ) لا يشمل نفس النبي بل يشمل أربعة من اصحاب الكساء وهم الإمام علي وفاطمة والحسنان ـ فهل يرضى السيد بهذا ؟

كلا ، لا يرضى أبداً فكما ان قول النبي : " هؤلاء أهل بيتي " لا يفيد إخراج نفس النبي من آية التطهير وتخصيصها بأربعة من أصحاب الكساء فكذلك لا يفيد إخراج سائر أهل البيت على كثرتهم رجالاً ونساءاً من آية التطهير موضوعاً وحكماً وهذا واضح جداً لا غبار عليه .

الطائفة الثالثة

وأما الطائفة الثالثة من الروايات المتعلقة بآية التطهير وهي التي ورد فيها دعوة النبي وعلياً وفاطمة ـ إلى الصلاة وقراءته آية التطهير فنذكر منها ثلاث روايات :

الأولى : ما رواه المحدث البحراني في تفسيرالبرهان : الحديث 62 " عن موفق ابن أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري أنه قال : لما نزل قوله تعالى : ( وأمر أهلك بالصلاة ) كان رسول الله يأتي باب فاطمة وعلي تسعة أشهر كل صلاة فيقول : الصلاة . يرحمكم الله : ( إنما يُريد الله ليذهب عنكم الرجَّس أهل البيت ويطهركم تطهيرا

الثانية : ما رواه البحراني أيضاً في تفسير " الحديث 52" عن الثعلبي بسنده عن أبي الحمراء قال : أقمت بالمدينة تسعة أشهر كيوم واحد وكان رسول الله يجيئ كل غداةٍ فيقوم على باب علي وفاطمة فيقول :

الصلاة ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) الآية وفي معناها عن أمالي الشيخ الطوسي بسنده عن أبي الحمراء إلا أنه قال بدل " تسعة أشهر " أربعين صباحاً .

الثالثة : ما رواه الطبري في تفسيره بسنده عن أنس أن رسول الله كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة فيقول :

أهل البيت ، ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرَّجس أهل البيت ) الآية هذه الأخبار كما ترى تحكي عملاً قد استمر عليه رسول الله مدة لم تكن أقل من أربعين صباحاً وهو أنه كان يأتي باب دار علي وفاطمة ـ كلما خرج إلى الصلاة ويدعو أهل تلك الدار إلى الصلاة كل غداةٍ أو كل صلاةٍ ويقرأ آية التطهير وكان مأموراً بذلك لقوله تعالى ( وأمر أهلك بالصلاة )

على ما دل عليه خبر أبي سعيد الخدري الذي مرّ آنفاً وقراءته آية التطهير بعد دعوتهم إلى الصلاة في حكم التعليل لدعوته يعني بذلك أن الله أمرني بدعوة أهلي إلى الصلاة بالخصوص فأدعوكم إلى الصلاة أتباعاً لأمره ولا يريد الله بذلك إلا تطهير أهل البيت عن الرجس ،

وقد شدَّد الله الأمر على حريم الرسالة وبالغ في تأديبهم حيث أنه بمقتضى عموم التعليل في آية التطهير ردع جميع أهل البيت عن المنكرات أشدّ الردع ودعاهم إلى فعل الخيرات أبلغ الدعوة مع ان عمومات الأوامر والنواهي الكلية كانت تشمل أهل البيت كسائر الناس ،

ثم لم يكتف الله بذلك حتى حث نبيه في قوله : ( وأمر أهلك بالصلاة ) يأمرهم بالخصوص من بين الناس بالصلاة ، كل ذلك صوناً لحريم النبوة وبيت الرسالة عن أي رجسٍ ودنسٍ وإلى ذلك يشير قوله تعالى :

( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجَّس ) الآية كما أسلفنا بيانه ،

ولذا كان يقرؤها النبي تعليلآً لدعوتهم إلى الصلاة كل صلاة ، يعني ان الله شاء تأديبكم وتهذيبكم أكثر مما شأء تأديب سائر الناس فلذا أمرني أن أدعوكم بالخصوص من بين الناس إلى الصلاة فأدعوكم إلى الصلاة عملاً بأمر الله وتحصيلاً للغاية المتوخاة من آية التطهير وهي طهارة أهل بيت النبوة من كل رجس .

وليس في عمل النبي ذلك وقراءته آية التطهير دلالة على اختصاص الآية بمن كان يدعوهم إلى الصلاة ، ولم يكن النبي بصدد تفسير الآية وبيان المراد من لفظ أهل البيت لأن معنى هذا اللفظ كان واضحاً وفهمه موكول إلى أهل العرف ،

ولو فرضنا محالاً أن النبي كان بصدد تخصيص الآية بمن كان يدعوهم إلى الصلاة للزم خروج النبي عن الآية لأن النبي لم يدع نفسه إلى الصلاة والتالي باطل فالمقدم مثله .

الطائفة الرابعة

واما الطائفة الرابعة من الروايات المتعلقة بآية التطهير وهي التي لا يجمعها ضابط كلي فنذكر منها روايتين :

الأولى : ما رواه المحدث البحراني في تفسير البرهان عن تفسير الثعلبي بسنده عن ابن عباس قال : رسول الله قال : قسم الله الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً فذلك قوله :

وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ، فأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين ثلاثاً فجعلني في خيرها ثلاثاً قوله تعالى : وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ؟ والسابقون السابقون فأنا من السابقين وانا من خير السابقين ثم جعل القبائل ثلاثاً فجعلني من خيرها بيتاً ، فذلك قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا

الثانية : ما رواه البحراني في تفسير البرهان عن الصدوق بسنده عن علي بن الحسين عن علي ـ في حديث طويل يحتج فيه الإمام ـ على أبي بكر فقال لأبي بكر فيما قال : نشدك بالله إليَّ ولأهل بيتي آية التطهير من الرجس ام لك ولأهل بيتك ؟ فقال : لك ولأهل بيتك . :

والرواية الأولى كما ترى لا تدل على أزيد من أن بيت النبوة من خير البيوت والثانية لا تدل على أزيد من أنَّ علياً وأهل بيته من آية التطهير ، فهي تجري مجرى ما ورد

أن آية التطهير نزلت في علي والأئمة من ولده ، وقد مرّ أن ذلك لا يفيد الأختصاص وإخراج غير علي ولأئمة من ولده كالنبي وأزواجه من آية التطهير ... هذا تمام الكلام في الروايات المتعلقة بآية التطهير بنوع من التعليق وقد ظهر أنه ليس في روايات الباب ما يفيد اختصاص الآية ببعض أهل البيت دون بعض ،

فالآية باقية على ظاهرها تشمل كل من يعد من أهل البيت عرفاً ولغةً وقد مر معنى أهل البيت لغة ً وعرفاً ... ولو فرضنا فرضاً محالاً ورود مخصص يخصص حكم الآية بأصحاب الكساء فالمخصص لا ينفي شمول لفظ أهل البيت لجميع أولاد النبي وأولاد أولاده وأزواجه وأعمامه وبني أعمامه

بل يؤكده لأنه لو لم يكن ظاهر اللفظ شاملاً لجميعهم لم يكن لإخراج بعضهم عن حكم الآية معنى ففائدة المخصص إخراج بعض الأفراد من الحكم المذكور في الآية ، والحكم المذكور في الآية إرادة تطهير جميع أهل البيت تشريعياً من كل رجس بتوجية تلك الخطابات إليهم فإلى النساء في ظاهر اللفظ وإلى سائر أهل البيت بعموم التعليل فلو فرضاً دليلٌ يخصص حكم الآية بأصحاب الكساء للزم منه أمور لا يمكن الالتزام به وتوال فاسدة يجب التجنب عنه وإليك هذه الأمور والتوال الفاسدة :

الأول : انه يكون حاصل معنى المخصص أن الله لا يريد تطهير بعض أهل البيت وذلك ممتنع عقلاً فهل يجوز عقلاً أن يقال إن الله الذي شرع الشرائع لتطهير الناس وتهذيبهم لا يريد تطهير بعض أهل بيت النبوة من الرجس ؟

الثاني : انه يلزم أن تكون الخطابات المتوجهة إلى النساء في الآيات التي مرت في صدد هذه المقالة بلا غايةٍ وهدف لأن ظاهر آية التطهير وإن كان يقتضي أن الله يريد تطهيرهن من الرجس بتوجيه تلك الخطابات لكن مقتضى المخصص المفروض أن الله لا يريد تطهيرهن با لإرادة الجسدية فتكون تلك الخطابات ــ والعياذ بالله ـــ لغواً وهزلاً ، وحاش لله ما علمنا عليه من هزل ،

إنه لقول فصل وما هو بالهزل .

الثالث : أنه يلزم من ذلك تخصيص الأكثر فإن لفظ أهل البيت كما دللنا عليه شامل لجميع نساء النبي وأولاده وأولاد أولاده بأعمامه وبني أعمامه فيلزم من إخراج كلهم سوى الخمسة تخصيص الأكثر مستهجن عقلاً كما قرر في علم الأصول ، وما هو مستهجن وقبيحٌ عقلاً ممتنعٌ عقلاً

فإن قلت : قد ذكر الطبرسي في تفسير مجمع البيان ان أم سلمة وعائشة ووائلة بن الأصقع وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك قالوا بأختصاص آية التطهير بالخمسة أصحاب الكساء فما الجواب عنه ؟ .

قلت : إن هؤلاء لم يعهد منهم التحقيق والأجتهاد في تفسير القرآن وإظهار الرأي وإنما هم نقلوا بعض الروايات المتعلقة بآية التطهير فأما أم سلمة وعائشة ووائلة فقد رووا قصة الكساء ، وأما أبو سعيد الخدري فروي عن النبي قال :

نزلت آية التطهير في خمسة وأما أنس فروي أن رسول الله كان يمر بباب دار فاطمة ويدعو أهلها إلى الصلاة ويقرأ آية التطهير ، وقد ذكرنا الأخبار التي رواها هؤلاء وأوضحنا معناها ، وقلنا ليس في الإخبار دليلٌ واحدٌ يدل على أختصاص آية التطهير ... إلخ ، بأصحاب الكساء فقد ظهر ان هؤلاء الذين رووا هذه الأخبار لم يكونوا أهل نظر وأجتهاد ولو فرضنا انهم كانوا اهل نظر واجتهاد لم ينظروا ولم يجتهدوا في هذه الأخبار وإنما نقلوا بعض الأخبار المتعلقة بآية التطهير فحسب فما في مجمع البيان من نسبة القول بأختصاص آية التطهير بالخمسة أصحاب الكساء إلى هؤلاء الناقلين لهذه الأخبار ليس بصحيح

 

خلاصة : بحث العصمة في العقيدة الإلهية

 

فإن قلت : حاصل ما ذكرته من أول البحث إلى هنا ان الإرادة في آية التطهير تشريعية وأن الآية شاملةٌ لجميع أهل البيت من النساء والرجال وهذا مخالف إجماع علماء الشيعة فما الجواب

قلت : لو فرض ، إجماع من علماء الشيعة في المسألة فمستنده آية التطهير والأخبار المتعلقة التي ذكرنا شطراً منها فالإجماع من حيث هو إجماع من بعض علماء الإسلام ليس حجةً في المقام لأن مستنده معلوم والمسألة ليست تعبدية وللنظر والأجتهاد فيها مجال فاللازم النظر في مستند الإجماع المفروض فإن دلً على ما أجمعوا عليه فهو مقبول وإلا فهو مردود ،

نعم لو أجمع علماء الإسلام لا بعضهم على أمرٍ تعبديٌ غير نظري ولم يكن مستند الإجماع معلوماً يصير ذلك الأمر كالضروري من الدين ومقبولاً عند المسلمين وما نحن فيه ليس من هذا القبيل لأن مسألتنا نظرية أجتهادية ومستند الإجتهاد فيها معلوم وقد نظر فريق من علماء الإسلام فيها واجتهد ونحن نظرنا واجتهدنا واجتهادهم الذي حصل منه الإجماع المدعى ليس بحجةٍ لنا كما ان اجتهادنا ليس بحجةٍ لهم ،

وعلى المحقق المثقف أن ينظر في ادله الطرفين ويختار أحد القولين ... وأول من نظر واجتهد في هذه المسألة من علماء الشيعة هو( الشيخ المفيد) ثم كل من تأخر عنه قال بقوله ومال إلى رأيه ،

ونحن نذكر ما نقل عنه في ذلك ثم نشير إلى مواضع النزاع فنقول :

نقل المحدث الكبير محمد باقر المجلسي في كتابه الكبير " بحار الأنوار " في احتجاجات الشيخ المفيد على المخالفين ما حاصله :

لا خلاف بين الأمة أن الآية من القرآن قد تأتي وأولها في شئ وآخرها في غيره ووسطها في معنى وقد نقل المخالف والمؤالف ان هذه الآية ( يعني آية التطهير ) نزلت في بيت أم سلمة ورسول الله

في البيت ومعه عليٌ وفاطمة والحسن والحسين وقد جللهم بعباءة خيبرية وقال :

اللهم هؤلاء اهل بيتي فأنزل الله عليه آية التطهير فتلاها رسول الله فقالت أم سلمة : ألست من أهل بيتك ؟

فقال لها : إنك إلى خير ولم يقل لها : إنك من اهل بيتي فلم يختلف أصحاب الحديث في خصوص آية فيمن عددناه ( يعني أصحاب الكساء ) .

وأيضاً إن الله تعالى قد دلّ على صحة ذلك بمضمون الآية حيث يقول :

( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجَّس ) ، وإذهاب الرجس لايكون إلاًَّ بالعصمة من الذنوب ، والخبر عن الإرادة ههنا إنما هو خبر عن وقوع الفعل خاصة (أي الإرادة التكوينية ) دون الإرادة التي يكون بها لفظ الأمر أمراً ( أي الإرادة التشريعية ) وفرق بين الخبر عن الإرادة في آية التطهير وبين الخبر عن الإرادة في قوله : يريد الله بكم اليسر ،

إذ لو جرت فيها مجرى واحداً لم يكن لتخصيص اهل البيت بها معنىً إذ الإرادة التي تقتضي الخبر والبيان تعم الخلق كلهم ، فلما خص أهل الله البيت بإرادة إذهاب الرجس دل على وقوع إذهابه عنهم وذلك موجب للعصمة ،

وفي الأتفاق على عدم عصمة الأزواج دليل على بطلان مقال من زعم أنها ( أي آية التطهير ) فيهن مع أن ضمير جمع المذكر الواقع في الآية لا يمكن ان يكون مستعملاً في المؤنث لا حقيقةٌ ولا مجازاً ولا يمكن أدعاء التغليب إذ لم يذكر رجل في ضمن الأزواج حتى يصح التغليب فلما بطل التغليب وبطل أن يتوجه إلى الأزواج اختصت الآية بمن ذكرنا ، ( آي أصحاب الكساء ) أنتهى ملخصاً مانقله المجلسي في البحار عن الشيخ المفيد .

أقول : قولة : " لا خلاف بين الأمة أن الآية قد تأتي أولها في شئ وآخرها في غيره

نحن نسلم بذلك وآية التطهير من هذا القبيل لأن صدر الآية وماقبلها في الأزواج فقط وذيلها في الأزواج وغيرهن من أهل البيت لما وقع فيه التغليب ولذا أبطلنا قول عكرمة حيث قال : آية التطهير مختصة بأزواج النبي وأنت إذا أحطت خبرأً بما أسلفناه تبين لك جهات الضعف في كلام الشيخ المفيد ولكن نشير إليها هنا إشارة فنقول في كلامه وجوهٌ من الإشكال

الأول : ما يستفاد من كلامه من أن آية التطهير نزلت بعدما جمع النبي علياً وفاطمة والحسنين تحت الكساء مخالف لما يستفاد من الروايات الكثيرة الدالة على أن الرسول الأقدس جمع هؤلاء تحت العباء بعدما نزات آية التطهير ،

منها رواية الإمام الحسن بن علي ـ حيث قال فيه : " لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله في كساءٌ لأم سلمة خيبري " وهي الرواية التاسعة من الطائفة الأولى مما ذكرناه سابقاً ويدل على ذلك أيضاً الرواية الثانية والثالثة والسابعة والثامنة من الطائفة الأولى ،

نعم يوهم ما ذكره الشيخ المفيد روايتين قد أشرنا إليهما وقلنا هناك إنه يجب طرحهما أو تأويلهما على وجهٍ يوافق سائر الروايات ... وقد أدعى السيد شرف الدين في (الكلمة الغراء ص 12 )

إجماع جميع المسلمين على أنه بعدما نزلت آية التطهير وقعت واقعة الكساء فقال في رسالته المشار إليها :

( وقد أجمعت كلمة أهل القبلة من أهل المذاهب الإسلامية كلها على أن النبي ، لما نزل الوحي بها " أي آية التطهير " عليه ضم سبطيه وأباهما وأمهما إليه ثم غشاهم ونفسه بذلك الكساء " وهذا كما ترى على طرف النقيض مما يستفاد من كلام الشيخ المفيد وما قاله شرف الدين هو الحق لموافقتة للروايات التي أشرنا إليها آنفاً .

ولو فرضنا نزول الآية بعد جمعهم تحت العباءة وقوله : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، حتى يكون قوله هذا مورداً لنزول الآية لما كان أيضاً وجه الأختصاص الآية بأصحاب الكساء لأن المورد لا يكون مخصصاً وقد مر تفصيل ذلك فلا نعيده

الثاني : أن عدم قول النبي في جواب أم سلمة : " أنك من أهل بيتي " لا يدل على عدم كونها من أهل البيت كما زعمه الشيخ المفيد لأن أم سلمة لم تسأل عن أنها من أهل البيت أم , لا ؟

لأنها لم تكن شاكة في كونها من أهل البيت حتى تسأل عن ذلك بل جعلت كونها من أهل البيت ذريعة للدخول تحت العباءة كما جاء في الخبر الثامن ، من الطائفة الأولى مما نقلناه " فقلت يارسول الله وأنا من أهل بيتك فجئت لأدخل معهم

فقال : مكانك " ولم ينف النبي كون أم سلمة من أهل البيت بل منعها من الدخول تحت العباءة لما في دخولها في تلك الحال تحته من الحزازة التي لا تناسب ولا تلائم شأن اهل البيت خصوصاُ وعلي مستريحٌ تحت العباء ..

وأيضاً قول أم سلمة : " ألست من أهلك ؟

كما جاء في الرواية الرابعة من الطائفة الأولى ونقله الشيخ المفيد أيضاً ما مر يدل على أنها كانت معتقدة بكونها من أهل البيت لأن هذا أستفهام إنكاري يقوله من يعلم بنفي هذا النفي وقد قال النبي في جوابها ـ بلى ـ

فيما نقلناه وصدقها في أعتقادها بكونها من اهل البيت ، وعلى هذا فلا تعارض بين الروايتين أعني الرواية التي نقلها الشيخ المفيد وفيها قال النبي لأم سلمة : إنكِ إلى خير وهذه الرواية التي نقلناها وفيها قال النبي في جواب أم سلمة : ـ بلى ـ .

الثالث : أن قوله : " فلم يختلف أصحاب الحديث في الآية فيمن عددناه ـ ليس على ما ينبغي لأن أصحاب الحديث لم يعهد منهم إلا نقل الأخبار واما النظر والأجتهاد في معانيها فلا ، وقد شرحنا أخبار الباب وأوضحنا مغزاها وبينا انه ليس فيها ما يدل على اختصاص آية التطهير ببعض أهل البيت فراجع

الرابع : أن قوله : " لو كان الإرادة في آية التطهير مثل الإرادة في قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ، التي هي تشريعية لما امكن وجه لأختصاصها بأهل البيت ولا تثبت ما أدعاه من كون الإرادة في آية التطهير تكوينية لأن يقال له :

هل كان حرمة الآيتين بالفاحشة المبينة وحركة الخضوع بالقول في محاورة الرجال وحرمة التبرج مختصةً بنساء النبي ؟ وهل كان وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله مختصاُ بهن ؟

لا يمكنه أن يقول : ( نعم ) لأن جميع المسلمين مكلفون بهذه التكاليف فلم وجه الله الخطابات المشتمله على هذه التكاليف إلى نساء النبي خاصة في الآيات التي مرت في صدر هذا البحث ؟

فهل كان الله ـ والعياذ بالله ـ في توجيه تلك الخطابات إليهن خاصةً هازلاً ؟

كلا ، بل أراد منها غاية مقصودة بينها بقوله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) الآية يعني لا يريد من توجيه تلك الخطابات إليكن إلا إذهاب الرجس عن حريم الرسالة بالعمل بتلك القوانين فلم يخصص الله إرادة إذهاب الرجس بأهل البيت

بل بينّ أن الغاية في توجيه تلك الخطابات إليهن ( مع أنّ تلك القوانين عامة لجميع المؤمنين ) لا تكون إلاًّ إذهاب الرجس عن بيت الرسالة لشرف الرسالة وحركة النبوة وذلك لا ينافي إرادة إذهاب الرجس عن جميع المكلفين بتوجيه الأوامر والنواهي إليهم في مقامات آخر كما قال تعالى في آية الوضوء : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) يعني لا يريد في الأمر بالوضوء والغسُل والتيمم إلا تطهيركم ، فلو كان إرادة التطهير من الله موجباً لعصمة من وجه إليه الخطاب من الذنب للزم عصمة جميع المؤمنين الذين وجه إليهم خطاب الله في قوله ( ولكن يريد ليطهركم ) فثبت ان الإرادة في الآيتين تشريعية ، لا تكوينية ، لوحدة الأسلوب ووحدة الغرض فيهما ، وبذلك يظهر ان آية التطهير لا تنظر إلى العصمة من الذنب حتى يكون في الأتفاق على عدم عصمة أزواج النبي دليل على بطلان قول من قال إن آية التطهير شاملة لهن كما زعمه الشيخ المفيد

الخامس : إن قوله (لا يجوز التغليب لأنه لم يجز ذكر رجل في ضمن النساء ليس على ما ينبغي ، قال الله تعلى في قصة زوج براهي وتبشيرها بإسحاق

( قالت ياويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشئٌ عجيب ، قالو : أتعجبين من أمر الله ؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) " هود : الآية 75 " . فهل جرى ذكر رجل مع زوج إبراهيم حتى صح التغليب في قوله : عليكم أهل البيت في الخطاب مع زوج إبراهيم ؟ :

فإن قيل : قد جرى ذكر إبراهيم في الآيات السابقة . قلنا قد جرى ذكر النبي في آيات النساء حيث أضاف النساء إلى النبي في قوله تعالى (يانساء النبي ) في مضوعين ، وأيضاً قد جرى ذكر النبي قبل تلك الآيات في قوله تعالى: (ياأيها النبي قل لأزواجك ) الآية والحاصل أن وقوع تغليب الرجال على النساء في آية التطهير لا مرية فيه ولا شك يعتريه ...

هذا ما خطر بالبال من وجوه الإشكال في كلام الشيخ المفيد ، وما قلنا في كلامه من وجوه الإشكال نقوله فيما قاله الشيخ الطوسي في تفسير التبيان وما قاله الطبرسي في تفسير مجمع البيان في هذا المجال ولا نحتاج إلى التكرار ... نعم ذكر الشيخ الطوسي في التبيان والطبرسي في مجمع البيان وجهاً آخر لكون الإرادة في آية التطهير تكوينية

وحاصلة أن آية التطهير تقتضي المدح من غير شك ولا مدح في الإرادة المجرة ( أي التشريعية ) فيثبت كونها تكوينية ... ولا يخفى ما فيها من الإشكال فإن قوله تعالى :

(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) ليس في مقام مدح أهل البيت بل في مقام بيان الغاية المطلوبة من توجيه الخطابات إلى النساء وان تلك القوانين الشديدة لم تكن إلا لصيانة بيت النبوة من الرجس فشموخ مقام النبوة أقتضى ذلك التشديد في تهذيب حريمها فليس قوله تعالى : (إنما يريد الله) الآية في مقام مدح أهل البيت حتى يقال : لا مدح في الإرادة المجردة كما قال الطوسي والطبرسي ؛ نعم يستفاد من إضافة الأهل إلى البيت مدح إضافي لأهل البيت لكن الكلام ليس مسوغاً للمدح فلا تغفل فإن بينهما فرقاً لا ينبغي أن يغفل عنه .