.

الباب الثاني

 

{ باب الأئمة ، لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهدٍ من الله عزَّ وجل وأمرٍ منه لايتجاوزونه}

{ أصول الكافي ج2 ص 28 }

الخبر الأول : محمد بن يحيى والحسين بن محمد عن جعفر بن محمد عن علي ابن الحسين بن علي عن إسماعيل بن مهران عن أبي جميلة عن معاذ بن كثير عن أبي عبدالله ، قال :: إن الوصية نزلت من السَّماء على محمدٍ كتاباً ، لم يُنزل على محمد ، كتابٌ مختومٌ إلاّ الوصَّية فقال جبرائيل ـ يا محمد هذه وصيتك في أمتك عند أهل بيتك ، فقال رسول الله أيَّ أهل بيتي يا جبرائيل ؟

قال : نجيب الله منهم وذريته ليرثـك علم النبوة كما ورثته إبراهيم ، ميراثه لعلي ، وذريتك من صلبه قال : وكان عليها خواتيم ، قال : ففتح علي ، الخاتم الأول ، ومضى لما فيها ثم فتح الحسن ، الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها ، فلما توفي الحسن ومضى فتح الحسين ، الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فاقتل وأخرج بأ قوام للشهادة لا شهادة لهم إلاّ معك ، قال ففعل الحسين فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين قبل ذلك ، ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن أصمت واطرق لما حُجبِ الِعلمُ ، فلما توفي ومضى دفعها إلى محمد بن علي ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله وصدق أباك وورّث أبنك وأصطنع الأمّة وقم بحق الله عزََّ وجل وقُـُل الحق في الخوف والأمن ولا تخشى إلاّ الله ، ففعل ثم دفعها إلى الذي يليه ، قال قلت له : جُعلت فداك فأنت هو ؟

قال : فقال : ما بي إلاّ أن تذهب يا معاذ فتروي عليَّ ، قال : فقلت أسأل الله الذي رزقك من آبائك هذه المنزلة ان يرزقك من عقبك مثلها قبل الممات قال : قد فعل الله ذلك يامعاذ ، قال : فقلت فمن هو جُعلت فداك ؟ قال : هذا الرّاقد وأشار بيده إلى العبد الصالح وهو راقدٌ " .

1 - أبو جميلة : هو المفضل بن صالح ضعيف كذاب يضع الحديث ... العلامة الحلي ص 258 رجال العلامة .

قال ابن الغضائري : أبو جميلة المفضل بن صالح ضعيف يضع الحديث ـ مجمع الرجال ج6 ص122 للقهباني ـ .

وقال ابن داوود الحلي في رجاله ص 518 : المفضل بن صالح السكوني وقيل الأسدي مولاهم يضع الحديث مات في حياة الإمام الرضا ، كان نخاساً يبيع الرقيق ـ نسخة بدل نحُاس ـ . قال المجلسي الخبر الأول ضعيف السند .

والضعيف : ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن { التدريب ص 59 } .

* واما بيانه: الظاهر أن الخبر يجعل من عمل الأئمة ، عملاً خاصاً لا يمكن الأقتداء به ، ولذلك فهو ليس حجة علينا ، فالقول بأن عملهم خاص يولد سلسة من التولي الفاسدة منها:

أولاً : التالي الفاسد الأول هو ـ ان عمل الإمام ، لايمكن جعله أسوةٌ وقدوةٌ ، ولكن القرآن نص على فعل النبي ، أسوةٌ وقدوة حيث قال : ( ولكم في رسول الله أسوةٌ حسنة ) أي ولكم في سيرته وأعماله أسوة حسنة

ويمكن قياس سيرة الإمام وعمله عليه ، وعندما نخرج السيرة والعمل من الحجية فيصبح الأقتداء به باطلاً يقيناً والعكس صحيح .

ثانياً : التالي الفاسد الثاني هو : نفي عصمة الإمام ـ وبالتالي يصبح فعله وعمله كفعل الحجر والشجر وعملهما ، وعند ذلك يفتقد للملكة التي تحصنه من الزلل وأرتكاب المعاصي .

ثالثاً : التالي الفاسد الثالث هو : توجيه وتبرير أفعال الإمام ـ بطريقة لا عقلانية ولا منطقية ، ما يجعل من فعله مجرداً من الأختيار ولزوم أنتخاب الأفضل ، وهذا لا يتم بطريقة لا عقلانية ولا منطقية ولا واقعية ولا تنطبق على مقدمات وقواعد ومعطيات وأسس صحيحة .

الخبر الثاني : أحمد بن محمد ومحمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن أحمد ابن محمد عن أبي الحسن الكناني عن جعفر بن نجيح الكندي عن محمد بن أحمد بن عبيد الله العمري عن أبيه عن جده عن أبي عبد الله ، قال :

1 إن الله عزَّ وجل أنزل على نبيه ، كتاباً قبل وفاته ، فقال يامحمد هذه وصُيتك إلى النجبة من أهلك ،

قال : وما النجبة يا جبرئيل ؟ فقال : علي بن أبي طالب وولده ـ وكان على الكتاب خواتيم من ذهب فدفعه النبي ، إلى أمير المؤمنين ـ وأمره أن يفك خاتماً منه ويعمل بما فيه ، ففك أمير المؤمنين ـ خاتماً وعمل بما فيه ثم دفعه إلى أبنه الحسن ـ ففك خاتماً وعمل فيه ، ثم دفعه إلى الحسين ـ ففك خاتماً فوجد فيه أن أخرج بقوم إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك وأشّر نفسك لله عز وجل ففعل ثم دفعه إلى علي بن الحسين ـ ففك خاتماً فوجد فيه أن أطرق واصُمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك القين ففعل ثم دفعه إلى أبنه محمد بن علي ـ ففك خاتماً فوجد فيه حدّث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله عزّ وجل فإنّه لا سبيل عليك ـ ففعل ـ ثم دفعه إلى ابنه جعفرالصادق ، ففكك خاتماً فوجد فيه حدثَّ الناس وأفتهم وأنشر علوم أهل بيتك وصدّق آبائك الصالحين ، ولا تخافن إلاّ الله عزّ وجل وانت في حرز وأمان ، ففعل ثم دفعه إلى ابنه موسى ، وكذلك يدفعه موسى إلى الذي بعده ثم كذلك إلى قيام المهدي .. : { أصول الكافي ج2 ص28 ومرآة العقول ج3 ص88 } .

1 - ابو الحسن الكناني مجهول الحال لا نعرفه بكتب الرجال .

2 - جعفر بن نجيح الكندي مجهول الحال لا نعرفه بكتب الرجال .

فالخبر من جهة الإسناد مجهول .

* واما بيانه: في البداية لا بد من التذكير بأن الخبرين كانا منقولين بالمعنى عند القول بأنهما خبران ، وإلاّ فهما خبٌر واحد ، وهذا الأحتمال وارد يؤيده سياق الخبرين على الظاهر ، أما الأختلاف في بعض عبائرهما فناتج من تعدد الرواة ـ قد يتصور المرء للوهلة الأولى حينما ينظر للخبرين : إنه يجب على الإمام أن يقتل نفسه وقد بينا خطأ هذا التصور في كتابنا ـ إشكالية الخطاب في القراءة التاريخية لوقعة كربلاء ـ ص192 ،

ولابدَّ أن نفهم هل هذا الخبر حددّ للإمام الوظيفة العملية والتكليف الشرعي ؟ ضمن أدوار إمامته ، أم أنه قد عين الوظيفة العملية لزمن مخصوص ومحدد من أدوار إمامته ؟ .

ولكن هل هذه الوظيفة العملية هي حلالٌ للأئمة وحرامٌ على الناس الآخرين ؟

أي إن لهم تكاليف شرعية خاصة على خلاف التكاليف الشرعية للناس الباقين ، أليس هذا خلاف ما يقوله علماء أصول الفقه والذي زُعم فيه الإجماع ؟ .

من مسلمات البحث الأصولي القول بأن كليات المسائل والأحكام موجودة في الكتاب المجيد ،

وقد بينها النبي ، للناس وهذه الأحكام تتعلق بسلوك وممارسة فيها الثابت وفيها المتحول ، فيها المنقبض وفيها المنبسط ، فيها الساكن وفيها المتحرك , ولكن تغيير هذه الأحكام دفعةً واحدة وبصورة فجائية لا يتم بسهولة لأنه تغيير في مباني ومناهج السلوك في الطريقية والموضوعية ، وما نحن فيه يتعلق بنظام الإمامة ومتعلقاته ، وهو نظام جدلي لا يمكن تغييره تبعاً لتغير النبي ، أو الإمام ، ومن يقول بالتغيير فهو يخالف مناهج القرآن في ضبط آلية النظام الموضوعي خارج الوعي وداخل الحس والمادة .

إن التغيير يسير ضمن سنن كونية إلهية لا تخالف في نمطيتها المألوف من طريقة الوحي ومجاري معلوماته .

إن الخبر أورد قضايا عليها مجموعة أسئلة منها ؛ ما الهدف من نزول الصحيفة السماوية ؟ وما المراد من خاتم الذهب ؟ وماذا يعني ذلك الخاتم ؟

ثم إن الوصية أمرت الإمام علي بن الحسين بالصمت والسكون لأن العلم محجوب كما في الخبر الأول ، فهل ان هذا المسلك يعني ـ الصمت والسكوت ـ ينطبق على سيرة الإمام علي بن الحسين ـ طوال مدةّ إمامته ال53 عاماً ؟

الأمر ـ بالصمت والسكوت ـ أمر مخالف للنص القرآني ومخالف للعقل ، وهل يجوز على الله أن يأمر على خلاف قرآنه ؟ وهل يكون الأمر جائزاً ومعقولاً في مخالفته للقرآن ؟ وهل كان الإمام علي بن الحسين صامتاً ساكتاً طوال مدة إمامته ؟ وإذا كان صامتاً فمن أين أتت الصحيفة السجادية ؟ ومن الذي دعا بها ؟

وإذا كان صامتاً فلماذا يذكر لنا الشيخ الطوسي في رجاله مجموعة من أصحاب الإمام وطلبته ؟ وأصحابه من الفقهاء والمحدثين الذين دأبوا على أخذ العلم من الإمام طوال مدة إمامته منهم :

1 - إسماعيل الأسدي المفسر المعروف.

2 - آبان بن تغلب العالم الفذ كان ثقة عظيم الشأن.

3 - آبان بن أبي عياش الذي روي كتاب سُليم بن قيس الهلالي.

4 - أبو حمزة الثمالي ـ ثابت بن دينار ـ المحدث المعروف.

5 - جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي المعروف.

6 - زيد بن علي بن الحسين الشهيد الذي ثار ضد الظلم الأموي بعهد هشام ابن عبد الملك.

7 - حبيب بن أبي ثابت الفقيه الكوفي المعروف.

8 - سُليم بن قيس الهلالي المعروف بفضله ووثاقته.

9 - سعد بن طريف ـ سعد الإسكاف ـ كثير الرواية كان يلازم الإصبغ بن نباتة.

10 - ميمون القداح {ابو عبد الله بن ميمون القداح كان من أصحاب الصادق والذي ساند الإسماعيلية}.

11 - معروف بن خربوذ ، ثقة.

12 - سعيد بن المسيب ثقة كثير الرواية.

13 - سعيد بن جبير ثقة عدل قتله الحجاج سنة 95.

14 - أبو الأسود الدؤلي واضع علم العروض والنحو.

15 - طاووس اليماني الزاهد المعروف كان من حواري الإمام السجاد.

16 - ابن شبرمة القاضي صاحب الفتاوي المشهورة.

17 - عامر بن واصلة أبو الطفيل كثير الرواية معروف.

ملاحظة : لقد أثر في العقيدة والشريعة جماعة الرواة الذين أشتهروا بالكذب والتدليس ، حتى أثرّوا في الفكر وطبيعة الإنتاج الفكري من جعل آلية التفكير أسيرة إلى جملة أخبار باطلة ومهزومة ،

إن قراءة بسيطة في أدب الكتابة والرواية عند العرب يجعل منا أكثر إصراراً وأعتقاداً بأن ما نسميه ـ إسرائيليات ـ في الأدب والتاريخ والأخبار العربية قد زحفت بشكل مثير للدهشة إلى قضايانا المصيرية وتحكمت بها نتيجة لطريقة الإنتاج المعرفي آنذاك ،

حتى اختلطت على الباحث كثير من الأوراق التاريخية والروائية والتي أثرت سلباً على قضايا العقيدة والشريعة والتفسير ، إن نتاجات عقيدية وتشريعية قامت أساساً على أخبار باطلة وغير صحيحة وضعيفة في كل اعتبار مما أربك فينا الزمان والمكان ، وأربك فينا الذات الموضوع ، وأربك فينا الخاص العام ، إرباك على مستوى الفهم والتصور ومستوى التصديق والبرهان ، فكان لا بدَّ من إعادة تقييم لهذه النتاجات إعادة بحسب الضوابط والقواعد المقررة ...

هناك سلسلة من القضايا المعرفية التي أختلط على الباحث أمر الحكم فيها ، نتيجة للتدافع الروائي والنفسي الذي ربما يوهم بصحة ما قدمه السلف في ظرف تاريخي سابق ، ولكن إعادة التقويم العقيدي تستدعي مراعاة أدوات الضبط تحقيقاً لمصلحة الإنسان والإسلام ، ومنه يلزم ان نبدأ بقراءة موضوعية متأنية لبعض ألقضايا التي هي عنوان الأمثلة سقناها في هذه الحلقة نأمل ان تبحث بشكل أوسع في الحلقات القادمة منها :