{ باب أن الأئمة ، يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا بأختيار منهمّّّ

* المثال الثالث : علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن الحسن بن محمد بن بشار قال : حدثني شيخ من أهل قطيعة الربيع من العّامة ببغداد ممن كان ينقل عنه , قال :

ــ قال لي رأيت بعض من يقولون بفضله من أهل هذا البيت { يعني موسى بن جعفر الكاظم } فما رأيت مثله قط في فضله ونسكه , قال جمعنا أيام السندي بن شاهك ثمانين رجلاً من الوجوه المنسوبين إلى الخير ,

فإدخلنا إلى موسى بن جعفر فقال لنا السندي يا هؤلاء أنظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدثٌ ؟

فإن الناس يزعمون انه قد فعل به ويكثرون في ذلك , وهذا منزله وفراشه موسّعٌ عليه غير مضيق ولم يرد أمير المؤمنين به سوء , وإنما ينتظر به أن يقدم فيناظر أمير المؤمنين , وهذا هو صحيح موسّعٌ عليه في جميع أموره فَسئلوه

قال , ونحن ليس لنا همّ إلا النظر إلى الرجل وإلى فضله وسمته , فقال موسى بن جعفر أما ما ذكر من التوسعة وما أشبهها فهو على ما ذكر غير أنني أخبركم أيها النفر أني قد سُقيت السمُ في سبع تمرات , وأنا غداً أحضرُّ وبعد غدٍ اموتُ , قال : فنطرت إلى السندي بن شاهك يضطرب ويرتعد مثل السعفة " ـ أصول الكافي ج1 ص 383 ـ .

1 - محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين العبيدي أختلف العلماء في شأنه قال الشيخ الطوسي : إنه ضعيف وكان يذهب مذهب الغلاة ـ وقال جعفر بن معروف : إنه ندم إذ لم يستكثر منه .

وذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد قال : ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه .

2 - الحسن بن محمد بن بشار , مجهول لا نعرفه بكتب الرجال .. وهذا السند عن الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا .

قال المجلسي : مجهول لا نعرفه { مراآة العقول ج3 ص 119 } بعد أن نقل عن شخص أجهل منه ... فالسند مضطرب .

وأما بيانه : قال ـ سمته بمعنى هيئته ـ , نفر , قال الجواهري : النفر من الثلاثة إلى العشرة , ولكنها في المثال أستعملت في ال80 نفراً ...

في المثال قضيتان الأولى : أن الإمام يعلم بوقت موته ـ يوم موته ـ والثانية : أنه يموت بإختيار منه .

ولكن هل يعني ذلك العلم بالغيب ؟ أم العلم بالأسباب الطبيعية ؟

الظاهر أن العنوان يدل على ـ العلم بالغيب ـ ولكن هل جاء هذا العلم ـ الغيب ـ عن طريق الرسول وحياً ام جاءه بالألهام ؟

المثال لم يوضح لنا ذلك , وأيضاً هل تتفق جملة ـ وأنا غداّ أحضر وبعد غدٍ أموت ـ مع عنوان الباب ؟

الجملة في ظاهرها كما يبدو تعني العلم العادي , أي بالأسباب الطبيعية , ولذلك فلا تتفق مع عنوان الباب , إذن فكيف تفسر جملة ـ لا يموتون إلا بأختيار منهم ـ ؟

أي إن عزرائيل يطلب الإذن منهم أليس كذلك ؟

يبدو أن المثال ـ الخبر ـ لا يستقيم مع عنوان الباب فهو أجنبي عن مورد البحث ولا يمكن الأعتماد عليه لضعف سنده وأختلال مبناه .

المثال الرابع : علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن بعض أصحابنا , عن أبي الحسن موسى عليه السلام , قال : ( أن الله عز وجل غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم فوقيتهم والله بنفسي ( أصل الكافي ج 1 ص 383) .

- المثال ـ الخبر ـ ينقل بسند منقطع غير معروف ولا معلوم من الراوي الذي جاء به , وعليه فلا يعتد بمثل هكذا أخبار ساقطة جدلاً .

* واما بيانه : يتبادر إلى الذهن مجموعة من الأسئلة من بينها أولاً : ماذا نفهم من ـ الخبر ـ مثال ـ هل يعني التخيير أم الإلهام ؟ وماذا تعني جملة ـ فوقيتهم والله بنفسي ـ ؟

وكيف يتناسب المثال مع عنوان الباب ؟ فالتناسب مهم لأنه يعبر عن عنوان البحث القابل للاحتمالات والوجوه منها :

أولاً : إن ذلك كان شيئاً مبهماً لا يمكن فهمه وتمييزه .

وثانياً : إن الكلام في المثال ـ للراوي وليس للإمام ، ولذلك حدث الإنفكاك بين العقيدة واللاعقيدة في التركيز والدقة والعقلانية ، قال : لمجسي في شرحه للمثال بما يلي : .

1 - قول ـ غضب على الشيعة ـ قال : إمّا لتركهم التقية فانتشر أمر إمامته فتردد الأمرُ بين أن يقتل الرشيد شيعته أو يحبسه ويقتله , فدعى ـ لشيعته واختار البلاء لنفسه .

2 - أو ـ غضب على الشيعة ـ لعدم أنقيادهم لإمامهم وخلوصهم في متابعته لأوامره فخيَّره الله تعالى .

المثال الخامس : محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد , عن الوشاء , عن مسافر , إن ابالحسن الرضا ، قال له : يامُسافر هذه القناة فيها حيتان ؟

قال نعم جُعلت فداك , فقال : إني رأيت رسول الله البارحة وهو يقول يا علي ما عندنا خيرٌ لك ..." {اصول الكافي ج1ص 383} .

قال المجلسي : الخبر ـ المثال ـ حسن الإسناد .

وإما بيانه : يفهم منه معنيان :

الأول : يرتبط بالحيتان .

والثاني : الأخبار عن الموت .

وقد ذكر المجلسي وجوهاً لذلك , فجملة ـ يا علي ماعندنا خيرُ لك ـ ماذا يمكن ان يُفهم منها ؟ هل يُفهم منها قرب الموت والأرتحال عن هذه الدنيا ؟ وإذا كان هذا المعنى فما هي المدة التي تتم فيها ؟

اـ الخبر المثال ـ أجنبي عن موضوع وعنوان الباب والظاهر انه حُشر فيه حشراً دون علم وتحقيق , فالعنوان ـ لايموتون إلا بإ ختيار منهم ـ وأين هذا العنوان من موضوع الخبر ودلالته وألفاظه ومعانيه , وكيف يمكن ان ينطبق عليه ؟ إذ لا دلالة على ذلك سواء أكانت دلالة لفظية أو دلالة معنوية أو دلالة تضمنية او دلالة مطابقية , فا لخبر ـ المثال ـ أجنبي ـ عن موضوع الباب كسابقيه ! ..

المثال السادس : محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الوشاء عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة عن أبي عبد الله قال : كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله وفي كنفه وفي دخوله قبره ،

, فقلت : يا أباه والله ما رأيتك منذ أشتكيت أحسن منك اليوم , ما رأيت عليك أثر الموت فقال : يا بني أما سمعت علي بن الحسين ، ينادي من وراء الجدار يا محمد تعال , عجَّل " { اصول الكافي ج1 ص 383 }.

قال المجلسي سند ـ المثال ـ ضعيف كالموثق ، والموثق في الحديث ؛ هو الذي يكون أحد رواته أو أكثر من غير الشيعة , فالسند ليس قوياً .

* وأما بيانه : المتن فيه أكثر من تسأل حتى لو فرضنا صحة السند , أولاً ما المراد من لفظة ـ الجدار ؟ هل هو الجدار العادي ـ الحائط ـ ؟ ام هو الصوت القادم من العوالم الخفية ـ عالم البرزخ مثلاً ؟

وما المراد من لفظة ـ تعال ، عجل ؟ هل تعني نهاية الأجل والموت القريب ؟ أم أنها تعني زمن الموت ـ الأرتحال ـ ؟

وكل ذلك لم نجده في المثال ـ الخبر ـ حتى الإمام الصادق يبدو لم يكن يعرف بالقضية ، وعليه فلا ربط موضوعي بين الخبر ـ المثال ـ وعنوان الباب خصوصاً الجملة الأولى من الباب ، ولو كان المراد من لفظة ـ تعال ـ ، عجل ـ تعني الكناية عن قرب الموت ، فهذا لا ربط له بالموضوع أساساً .

المثال السابع : عدَّ من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن علي بن الحكم عن سيف ابن عميره عن عبد الملك بن أعين عن أبي جعفر : قال : أنزل الله تعالى النصر على الحسين ، حتى كان (ما ) بين السماء والأرض ثم خُيرّالنصر أو لقاء الله فأختار لقاء الله تعالى ( أصول الكافي 1 ص 383)

سند الخبر ـ المثال ـ ضعيف والضعيف هو : ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن { التدريب ص 59 للسيوطي ). } .

وإما بيانه : المراد من النصر سببه أي الملائكة .

قد يتصور أحدكم ان الإمام ، كان يريد أن يقتل نفسه ، ولكن هذا الخبر ـ المثال ـ لايصل إلى حدَّ الحجَّية لمجموعة علل سنذكرها الآن :

1 - إن الخبر ـ المثال ـ لا يتفق مع عنوان الباب ـ يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلاّ با ختيار منهم ـ .

2 - وجود معارض له في المقام هو حديث لوط بن يحيى الذي ذكره الطبري وكذلك النجاشي , ولوط بن يحيى كتب مقتل الحسين الذي يعتمده الميرزا النوري وكذلك القمي ، ولعل كتابه هذا من اهم الكتب في هذا الموضوع ، ولوط بن يحيى

يروي عن عقبة بن بشير الذي قال : قال لّيَّ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين : إن لنا فيكم يابني أسدٍ دماً ، قال : قلت ماذ ذنبي أنا في ذلك رحمك الله يا أبا جعفر وما ذلك ؟ قال : أتى الحسين ، بصبي له فهو في حجره إذ رماه أحدكم يا بني أسدٍ بسهمٍ فذبحه فتلقى الحسين دمه فلما ملأ كفيه صبّه في الأرض ثم قال : ( ربّ إن تك حبست عنا النصر من السماء فأجعل ذلك لما هو خير ، وأنتقم لنا من هؤلاء الظالمين ... ) تاريخ الطبري ج 4 ص 342 )

عقبة بن بشير يروي عن أبان بن عثمان ، ولأن أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع فلهذا يُعتمد على ما يرويه عقبة بن بشير { الكافي ج4 ص205 الحديث 4 }.

الخبر ـ المثال ـ الذي رواه الكافي يتحدث بإطلاق عن نزول النصر على الحسين ، ولكنه في خبر لوط بن يحى لم يدعُ نزول النصر ومع التعارض نلتزم بالتحقيق . .

خبر الكافي وطبق ما ذكره العلامة المجلسي في كتابه ـ مرآة العقول ج1 ص 189 ـ قال عنه بأنه ـ خبر ـ حسن الإسناد ـ ومصطلح ـ الخبر الحسن ـ عند علماء الحديث يعني أنه مقبول إلى بعض الحدود ولكنه لا يصل إلى مستوى الخبر الصحيح .. الحديث الحسن : هو ما اتصل سنده بنقل عدل خفيف الضبط ، وسلم من الشذوذ والعلة { ألفية السيوطي في مصطلح الحديث ص 11 ) . }

وأما خبر لوط بن يحى الذي رواه الطبري فهو كذلك مقبول إلى بعض الحدود ، لأن لوط بن يحيى وحسب ما صرح به النجاشي في رجاله ص 245 ، انه روي عن أبي جعفر الصادق وأنه معتمد الحديث ، والراوي الآخر هو عقبة بن بشير ينقل عنه أبان بن عثمان الذي هو من أصحاب الإجماع ،

ولو أفترضنا أن ما رواه الطبري لم يكن بمستوى ما رواه الكليني من جهة الإسناد ، لكن هذا المقدار من الأعتماد يُنزل خبر الكافي عن الحجية ...

ولأن الإمام الحسين ، كان يطلب النصر ويُريده وهذا ما أفاده الشيخ المفيد { الإرشاد ص 221} .

3- يلزم من مثال ـ خبر الكافي ـ أن الحسين ـ كان مخالفاً لسيرة جده رسول الله لأن رسول الله أستنزل النصر الإلهي حسب ما جاء في الأخبار

المعتبره في معركة بدر الكبرى وغيرها والذي كان له كبير الأثر على حسم المعركة لصالح الإسلام والمسلمين ، ولكن ما جاء في الكافي يؤكد بأن الحسين ـ رفض النصر والمدد الإلهي الغيبي وهو بذلك إنما يُخالف سيرة جده رسول الله والمسلم المؤمن لا يمكن نسبة الخلاف من الحسين ـ لسيرة جده رسول الله ) .

4 - وأيضاً يلزم أن يكون إرساله ـ مسلم بن عقيل ـ إلى الكوفة عملاً عبثياً ، ولماذا إذن يطلب منه أخذ البيعة من أهلها ؟ ولماذا يطلب مساعدة الرجال ونصرتهم له ؟ ولماذا بعث حبيب بن مظاهر إلى بني أسد ليدعوهم لنصرته ؟

ولماذا طلب من زهير ابن القين والحر بن يزيد الجعفي وغيرهم للالتحاق به ؟ فهل كان يرغب بقتل هؤلاء الأخيار حتى ينتصر البغي وقوى العدون ؟ هل كان ذلك هدف الإمام الحسين ؟

تنبيه

لا يمكن القول إن الله لم يكن يريد النصر من خلال المعجزة والإمداد الغيبي ، فكذلك الإمام لا يريد النصر من خلال المعجزة والإمداد الغيبي لإنقاذ الإسلام من الخطر

إن هذا اللون من القياس باطل يقيناً ، لأن الله في مقام أحديته ليس فرداً مكلفاً ، ولكن الإمام كان مكلفاً بالحدود التي تجعل من الإسلام ان يصبح قوة قاهرة ،

وثورته كانت في هذا الأتجاه ، إضافة إلى ان الله أستنزل النصر على الحسين ولكنه رفض ذلك كما ورد في خبر الكافي ! والحق يقال : إن الخبر فيه نقاط ضعف كثيرة وكذلك فلا يمكن جعله كدليل على رفض الإمام للنصر من خلال الإمداد الغيبي ، أو علمه بموته وبأختيار منه ، إن المثال ـ خبر الكافي ـ لا ينطبق على عنوان الباب ، فهو غريب عنه والأستدلال به ليس منطقياً للأدلة التي ذكرناها وللعيوب التي لا حظناها ! .