بحث في العلة التامة

أن نسبة الفعل وهو معلول إلى علته التامة نسبة الوجوب والضرورة فالعلة التامة ، هي تلك المقدمات التي تتهيأ من أجل إنجاز عمل ما . والتي من جملتها إراءة الرسول " فمثلاً أكله للحم المسموم " فنسبة هذا الفعل إلى علته التامة نسبة الوجوب والضرورة , أي النسبة الحتمية , يعني لا يوجد ـ عدم الأكل ـ كنسبة جميع الحوادث إلى عللها التامة, فالحوادث جميعاً عندما تحصل علتها التامة يحصل منها المعلول , وتخلف المعلول عن علته التامة محال , وهذا ـ ضروري الوجود ـ ونسبته إلى إرادتنا وهي جزء علته نسبة ــ الجواز والإمكان ــ فحصول العلة التامة يعني أن النسبة أصبحت قطعية ضرورية ،

فلو نظرنا إلى جزء علته , فجزء العلة هي نفس الإرادة , ونسبة الإرادة إلى رسول الله ، إرادة الإمكان ـ إرادة الأكل أو عدمه ـ ونسبتها إلى المجموع نسبة الضرورة والحتمية , فتبين أن جميع الحوادث الخارجية ومن بينها أفعالنا الأختيارية ممكنة بالنسبة إلينا مع وجوبها على ما تقدم ـ وهذا دفع وهو جواب للسؤال المقدر ـ وعليه يكون فعل الإنسان لو تم بالطريقة ـ الأتوماتيكية ـ يكون هذا الفعل هو الجبر ـ والقول لا ينافي ذلك ؛ أي إن الكلام الذي قلناه لا ينافي أفعالنا الأختيارية , وأفعالنا نسبة لنا ممكنة الوجود لا ضرورية الوجود ـ مع وجوبها على ما تقدم ـ مع أن نسبتها إلى العلة التامة نسبة الوجوب والضرورة والحتمية , ولهذا القانون قلنا :

إن إمكان تخلف المعلول عن علته التامة ممتنع , وعلى هذا الغرض فكل فعل نقوم به علته التامة منجزة , والفعل لم ينجز مادام علته التامة غير منجزة ، والعلة التامة مجموعة الإرادة والعلم وأدواتهما , فإذا كان كل حادث له علة تامة فإن أفعالنا الأختيارية التي تقع بصفة الأختيار لها علة تامة كذلك .

فإن قلت : يقع العلم اليقيني في مجرى أسباب الأفعال الأختيارية كالعلم الحاصل بالطرق العادية , فإذا خالفها فيصير سبباً للفعل والترك يبطل معه العلم العادي .

قلت : كلا فإن المفروض تحقق العلة التامة للعلم العادي مع سائر أسباب الفعل الأختياري , فمثله كمثل أهل الجحود والعناد من الكفار يستيقنون بأن مصيرهم مع الجحود إلى النار ومع ذلك يصرون على جحودهم لحكم هواهم بوجوب الجحود , وهذا منهم هو العلم العادي بوجوب الفعل , قال تعالى في قصة آل فرعون : ( وجحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم ) .النمل /14

* على أساسٍ أن كل العلل هي فعل أختياري , وأن حصول باقي العلل حتمي , مادام قد حصلت العلة التامة فعلى أثرها يحصل المعلول , وهذا مثل إنكار الكفار الذين جحدوا بالحق بعد معرفته , فالكافر يتعامل بلونين فيعمل بالأول ويترك الثاني , وبهذا يندفع ما يمكن أن يقال : لايتصور عِلمٌ يقيني بالخلاف مع عدم تأثيره في الإرادة ، فينكشف عدم تأثيره في الإرادة من عدم تحقيق علم هذا الوصف .

وجه الأندفاع : إن مجرد تحقق العلم بالخلاف لا يستوجب تحقق الإرادة , مستندةً إليه وإنما هو العلم الذي يتعلق بوجوب الفعل مع إلتزام النفس به ـ كما مرّ في جحود أهل الجحود وإنكارهم الحقَّ مع يقينهم به , ومثله الفعل بالعناية كسقوط الواقف من جبل عال , وهذا ما يقال له فعل بالعناية , وهناك فعل بالإرادة , فالإرادة مقدمات ويكون ولا يكون , ولكن الفعل بالعناية ليس كذلك , ولذا يقال عن الله إنه ـ فاعل بالعناية ـ .

الإرادة عندنا شئ حادث , وهي تنتفي بمجرد تصور السقوط على الأرض , ولكن مجرد تصور السقوط لا يمنع عنه علمه بأنَّ في السقوط هلاكه الحتمي : وقد أجاب بعضهم , عن أصل الإشكال بأن النبي ، والأئمة ـ تكاليف خاصة بكل واحد منهم فعليهم أن يقتحموا هذه المهالك , وإن كان ذلك منّا إلقاء النفس في التهلكة وهو حرامٌ , وإليه إشارات في بعض الأخبار , ففي الكافي باب بعنون

ـ إنهم لا يفعلون ـ إ لا بأمر الله ـ واعتقادنا بأن هذه الأخبار موضوعة كتبها الغلاة وأهل الكذب أمثال ـ أبي جميلة المفضل بن صالح ـ وقد أجاب بعضهم ، عن ذلك بأن الذي ينجز التكاليف هو العلم بالطرق العادية ، وأما غيره فليس بمنجز ويمكن توجيه الوجهين بما يرجع إلى ما تقدم وهو مخالف للآية ( ولو كنت أعلم الغيب .. وما مسني السوء ) . وماهية العلم وحقيقته شئ واحد وذلك هو واقع المسألة . ,

ظاهرة التطرف : دأب علماؤنا الأعلام على محاربة النزعات المثيولوجية . وظاهرتي التطرف والغلو في الأعتقاد , ويبدو من التتبع التاريخي لهذه الظاهرة التي عاصرت عهد الأئمة ، في بداية تشكله الأول كمنهج في الفكر والعقيدة والشريعة , ولكن التصدي لهذه الظاهرة قد أخذ بُعده الأستراتيجي مع عهد الإمام الرضا ـ

, وقد ألف جمع من كبار العلماء رسائل في الردَّ على الغلو والأفراط والتطرف في قضايا المعرفة العامة والشؤون المتعلقة بأئمة أهل البيت , وقد ذكر لنا أبو العباس النجاشي في فهرسه عدداً من هؤلاء العلماء الذين تصدروا لظاهرة التطرف والإنحراف في عقل وفكر الأمة منهم : :

1 - يونس بن عبد الرحمن الذي كان من الدعاة البارزين لمحاربة ظاهرة الغلو وكشف زيفها والرد على أصحابها , وقد ذكر صاحب " الفهرست " ص349 أن له كتاباً بعنوان " الرد على الغلاة "

2 - الفضل بن شاذان : وكان ثقة جليلاً فقيهاً متكلماً قيل إنه صنف مائة وثمانين كتاباً , ذكر صاحب " علل الشرئع " وكذلك النجاشي في " الفهرست " ص 236 أن له كتاباً بعنوان " الرد على الغلاة "

3 - الحسين بن سعيد الأهوازي : ثقة عين جليل القدر له كتاباً " الرد على الغلاة " ذكره النجاشي ص46 .

4 - سعد بن عبد الله الأشعري : جليل القدر , واسع الأخبار والتصانيف ثقة , له كتاب " الردعلى الغلاة " ذكره النجاشي ص 134.

5 - محمد بن الحسن بن فروخ الصفار : ثقة عظيم القدر له كتاب " الرد على الغلاة " ذطره النجاشي ص 274 .

6 - محمد بن علي بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق : له كتاب " إبطال الغلو والتقصير " ذكره النجاشي في " الفهرست " ص 306 .

7 - الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري المعروف بابن الغضائري : له كتاب " الرد على الغلاة " ذكره النجاشي في الفهرست ص54 .

هؤلاء هم كبار العلماء الذين كتبوا في الرد على ظاهرة التطرف والغلو والتي زحفت للذهن والعقل الإسلامي من وراء الحدود ,

لقد كانت ردود هؤلاء العلماء في هذا المجال تمثل السدّ المنيع ضد الإرهاب الفكري والجمود العقيدي ,

وقد ساند المتأخرون هذه الردود ودعموها بالحجة والبرهان والدليل فهذا الشيخ المفيد أفاض في هذا المجال وكذلك السيد المرتضى والشيخ الطوسي والمحقق والعلامة الحلي ,

وموجة الدفاع عن العقيدة الحقة ونبذ الغلو والتطرف , تمارس بشكل علمي ومدروس ولكن هل هذه الظاهرة أنتهت بعد هذه الردود والمواقف أم لا ؟ يبدو أن الجواب ب لا هو الأقرب , إذ أن الأفكار المتعالية لم تتمكن من إيقاف الزحف المتدني الهابط لهذه الظاهرة , والسبب يعود إلى مستوى الدراسات الإسلامية , والثقافات البدائية السائدة والتربية التعليمية المتخلفة والتلفيقية المنقبضة ,

ووجود الأخبار الكاذبة في كتبنا الروائية والتاريخية , وموجة الدعايات التي يبثها أهل المنابر الجهلة في أوساط الناس .

إننا إذ نبدي أسفنا لتسجيل هذه الأخبار في " الكافي " تمنينا من الأعماق لو عمل الشيخ الكليني كما عمل الفضل بن شاذان أو أبن بابويه أو ابن الغضائري , في تنقيح وتصفية الأخبار ,

لما تمكنت هذه الظاهرة ان تجد لها رواجاً وأن تسجل حضورها في أدبنا التاريخي والروائي , ولما تمكن هؤلاء المنحرفون من أمثال أبي الخطاب والمغيرة بن سعيد من بث انحرافات عبر كتبنا التاريخية والروائية .

ولو كان الكليني كالصدوق لما سمح لهذه الظاهرة الخطيرة ان تروي الأخبار والقصص الباطلة , فالصدوق كان مفكراً مجتهداً وعالماً متكلماً والصدوق لم يكن محدثاً بالمعنى التقليدي بل كان مجتهداً ـ فكتابيه " المقنع والهداية " كتب في الفتوى .

والكليني مع خدماته الجليلة والكبيرة خصوصاً في تأليفه ـ لكتاب الكافي ـ الذي صرف من أجله الجهد والوقت معاً من أجل جمعه وتبويبه , ولذا لم يكن لديه الفرصة لكي يغربل الأحاديث , ويصنفها فجاءت خليطاً غير متجانس , طبيعي أن وجود ظاهرة الغلو في كتاب الفروع لم تكن موجودة بشكل كبير , لأن الفروع ترتبط بمسائل الفقه وقضايا ه , ولكنها وجدت بشكل مكثفٍ في كتاب الأصول ـ ومع الأسف

الشديد أن يظهر أحدهم ليقول قال الإمام : الكافي كافي لشيعتنا ـ قول ما أنزل الله به من سلطان ! .

* إن الخط الفكري للغلاة ظل مستمراً , فعندما ينقل خبر عبد الله بن القاسم البطل في أصول الكافي ويرويه المشايخ في كتبهم ويتناقلونه في مجالسهم , فإنه حتماً سيبقى هذا الخط حاكماً في ضمير الكهنة ورجال العهد العتيق , وهذه الظاهرة أرتبطت بعملية النقل والتقليد , وهي معتبرة لدى الكهنة ورجال الدين الأقل حظاً في التعليم والتثقيف ,

إن رجال المنابر والوعظ يروجون لهذا التزييف من خلال ذكرهم لهذه الأخبار وذلك يعود لضعف في المقدرة العلمية وقلة المنسوب الثقافي لديهم وضحالة المدارس التي تعلموا بها , فهؤولاء كانوا ومازلوا أحد أهم دعائم ودعاة الفكر الأنحرافي ,

فأحدهم لم يكمل دراسات المقدمات في العلوم الدينية ومع ذلك يصعد المنبر ليكون مبلغاً وواعظاً للناس , وهو لا يملك المؤهل والكفاءة التي تجعل منه احد الدعاة للدين وللإسلام العظيم , ولا عجب إذا ما رأينا ان هذا الفكر الهابط ينادي إليه في الحوزات والمجامع الإكليروسية , ولا عجب إذ ما رأينا كيف تأول القرآن والكتاب المجيد تبعاً لهذا الخط الأنحرافي ,

ولا عجب حينما لا يسمح لأهل العلم من إظهار علمهم وكشف هذا الزيف المخادع الذي يمارس داخل المؤسسات الدينية بأسم الدين .

إنني أدعو إلى إعادة فهم المعنى المراد من فكرة الوعظ والمنابر , فإعادة تقييم هذه الأشياء ظاهرة صحية تجعل من الدين أكثر حداثة لطموحات الناس , وتجعل منه فاعلاً يقود الحياة , وإذا لم يتم تبني فكرة الإعادة التقويمية فإنني احذر من نهاية غير سعيدة لعلاقة الناس بالدين . خاصة وأنه اليوم يتعرض لأسئلة في الصميم , والبقاء على ترانيم العجائز الجنائزية سيكتب للدين هذه النهاية إذا ظل التصدي لقضاياهم الجهلة وأنصاف المتعلمين