مقتل الإمام علي

روي الطبرسي في كتابه ـ إعلام الورى ـ ص 201 ـ عن مقتل أمير المؤمنين قال :

ـ وجلسوا يعني ـ ابن ملجم , وشبيب بن بجرة , ووردان بن مجالد , ـ مقابل السُّدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين إلى الصلاة , وقد كانوا قبل ذلك ألقوا ما في نفوسهم إلى الأشعث وواطأهم عليه وحضر هو في تلك الليلة لمعونتهم ؛ وكان حُجر بن عدي في تلك الليلة بائتاً في المسجد ؛ وسمع الأشعث يقول لابن مُلجم : النجا النجا لحاجتك ، فقد فضحك الصبح فأحس حُجرٌ ما أراد الأشعث فقال له : قتلته يا أعور ؟

وخرج مبادراً ليمض إلى أمير المؤمنين ليخبره الخبر , فدخل المسجد فسبقه ابن ملجم قضربه بالسيف ؛ وأقبل حُجر والناس يقولون قتل أمير المؤمنين ؛ وقد ضربه شبيب بن بجرة فأخطأه ووقعت ضربته بالطاق ومضى هارباً .. ـ

وهذا النص التاريخي ثابت من عهد الإمام الحسن العسكري وقد تتبعناه فوجدناه كما هو في الكتب المعتبرة , فقد وجدناه عند محمد بن سعد صاحب ( الطبقات ) مروراً بسلسة من المصادر والمراجع التاريخية حتى كتاب ـ تتمة المنتهى ـ للشيخ عباس القمي , أي إن هذا النص وجد في أكثر من 26 مصدراً تاريخياً معتبراً , والنص محفوظ ومسجل بالصيغة اللفظية التي نقلناها آنفاً ، والنص يمثل إحدى مصاديق آية (

( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) ولكنه قد مسني السوء لأني لا أعلم الغيب , قضربة ابن ملجم ـ سوء ـ أصاب الإمام ولو كان يعلم بما يُدبر له لأخذ لذلك عدته ولعمل أحتياطه .

وما قيل في شأن مقتل أمير المؤمنين خلاف هذا النص فهو تمحل وعدم دقة في قراءة التاريخ ونصوصه ؛ وأما الأقوال التي ذكرت مقتله وهو قائم يصلي في المحراب فلا أساس لها ولا سند تاريخي معتبر يعضدها , بل هي إحدى المقولات التي أوردها ابن أعثم الكوفي المعروف لدى علماء التاريخ ورجاله والمحققين منهم على وجه التحديد , وأقواله لا يعتد بها كما صرح بها غير واحد كما لايخفى على أهله ..

ذكر صاحب ـ بحار الأنوار ـ ج42 ص 257 من كتاب ـ المسائل العكبرية ـ للشيخ المفيد ؛ وهو كتاب ألفه الشيخ المفيد في الردّ على أسئلة أهالي عُكُبر وقد نقله المجلسي في بحاره ـ وعُكبر ناحية من نواحي بغداد القديمة ـ

والشيخ المفيد من سكنة بغداد ...

قال : ـ تذنيب سُئل الشيخ المفيد في المسائل العكبرية , الإمام عندنا مجمعٌ على أنه يعلم ما يكون , فما بال أمير المؤمنين خرج إلى المسجد وهو يعلم أنه مقتول ؛ وقد عرف قاتله والوقت والزمان ؟ وما بال الحسين بن علي صار إلى الكوفة وقد علم أنهم يخذلونه ولا ينصرونه وأنه مقتول في سفرته تيك ـ أي هذه ـ ولِمَ لما حاصروه وعرف أن الماء قد منع منه وأنه إن حفر ...؟

وأما الجواب : عن قوله إن الإمام يعلم ما يكون فإجماعنا أن الأمر على خلاف ما قال , و ما أجمعت الشيعة على هذا ؛ وإنما إجماعهم ثابت على أن الإمام يعلم حكم ما يكون دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث , ويكون على التحصيل والتمييز . وهذا يسقط الأصل الذي بُني عليه الأسئلة ـ أو بُنٌي ـ بأجمعها , ولسنا نمنع أن يعلم أعيان ما يحدث و يكون بإعلام الله تعالى له ذلك ,

فإما القول بأنه يعلم كل ما يكون فلسنا نطلقه ولا نصوب قائله ؛ لدعواه فيه من غير حجة وبيان , والقول بأن أمير المؤمنين كان يعلمُ فاتله والوقت الذي كان يُقتل فيه ؛ فقد جاء الخبر متظافراً ـ أي مكرراً ـ أنه كان يعلم في الجملة انه مقتول , وجاء أيضاً بأنه يعلم قاتله على التفصيل , فأمّا علمه بوقت قتله فلم يأت أثر على التحصيل ,

و أما علم الحسين بأن أهل الكوفة خاذلوه فلسنا نقطع على ذلك إذ لا حجة عليه من عقل ولا سمع ـ ...

وقال ابن شهر آشوب في كتابه ـ متشابه القرآن ومختلفه ـ ص 211 , ـ النبي والإمام يجب أن يعلما علوم الدين والشريعة ولا يجب أن يعلما الغيب ؛ وما كان وما يكون لأن ذلك يؤدي إلى أنهما مشاركان للقديم في جميع معلوماته ومعلوماته لا تناهي ,

وأيضاً يجب أن يكونا عالمين لأنفسهما وقد ثبت أنهما عالمان بعلم محدث , ولو علما ما لا يتناهى لوجب أن يعلما وجود ما لا يتناهى من المعلومات وذلك محال . ويجوز أن يعلما الغائبات الكائنات الماضيات أو المستقبلات بإعلام الله تعالى لهما شيئاً منهما , وما رُوي أن أمير المؤمنين كان يعلمُ أنه مقتول وأن قاتله ابن ملجم , فلا يجوز أن يكون عالماً بالوقت الذي يُقتل فيه على التمييز لأنه لو علم ذلك لوجب عليه أن يدفعه عن نفسه , ولا يلقي بيده إلى التهلكة وإن هذا في علم الجملة غير واجب ـ .

وقال ابن ميثم البحراني في ـ شرح نهج البلاغة ـ ج3 ص209 شرح قوله كم أطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فإبى الله إلا أخفاه هيهات علم مخزون ـ الخطبة ـ 148ـ .

قال ابن ميثم : وأما بحثه هو فعن تفصيل الوقت والمكان ونحوهما من القرائن المشخصة , وذلك البحث إما بالسؤال من الرسول مدّة حياته وكتمانه إياه , أو بالبحث والتفرس من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس فأبى الله إلا أن يخفي عنه تلك الحال .

ويمكن أن نستدل على هذا المطلب من كلام علي نفسه من خلال شاهدين أثنين :

أولهما : مافي الخطبة 119 عندما دعا الناس إلى الجهاد حيث قال : ـ والله لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدو لو قد حُمَّ لي لقاؤة , لقربت ركابي ثم شخصت عنكم فلا أطلبكم ما أختلف جنوب وشمال ـ ...

وهذا منه احتماٌل يرجوا فيه نيل الشهادة في ساحة المعركة , فلو كان يعلم بمقتله يوم 19 رمضان كما تقول الشيعة ويوم 17 رمضان كما تقول السنة !

فذكره للشهادة وطلبه إياها في ساحة المعركة تكون لغواً , وهو محال كما تعلم من الأخبار والقرائن !

وثانيهما : الرسالة 35من نهج البلاغة التي كتبها إلى ابن عباس حيث قال فوالله لولا طمعي عند لقائي عدّوي في الشهادة , وتوطيني نفسي على المّنية لأحببت ألا ألقى من هؤلاء يوماً واحداً , ولا أ لتقي بهم أبداً ـ .. وهذا الكلام منه ـ ينسجم تماماً مع ما قاله الشيخ المفيد وابن شهر آشوب وابن ميثم ؛ وهو بالتأكيد ينسجم مع طبيعة النص الإلهي

المثال الثاني : من ـ باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم ـ

علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن عبد الحميد عن الحسن بن الجهم , قال قلت للإمام الر ضا : إن أمير المؤمنين قد عرف قاتله والليلة التي يُقتل فيها والموضع الذي يُقتل فيه ، وقوله لما سمع صياح الإوز في الدار :

ـ صوائح تتبعها نوائح ـ وقول أم كلثوم : لوصليت الليل داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس ،فأني عليها وكثر دخوله وخروجه تلك اللية بلا سلاح ، وقد عرف أن أبن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف كان هذا مما لم يجز تعرضه فقال :

ذلك كان ولكنه خير ـ نسخة بدل حيرّ أو حُيّن ـ في تلك الليلة لتمضي مقادير الله عزّ وجل . ـ أصول الكافي ص 384 ـ في السند سهل بن زياد وقد قيل فيه ما يلي :

1 - قال ابن الغضائري : سهل بن زياد أبو سعيد ابن الآدمي الرازي ـ من أهل الريّ ـ كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والمذهب , وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري أخرجه من قم وأظهر البراءة منه ونهى الناس عن السماع منه والرواية , ويروي المراسيل , ويعتمد المجاهيل ـ مجمع الرجال ج3 ص 179 للقهباني ـ .

2 - جاء في هامش ـ مجمع الرجال ـ ج3 ص 179 ـ إن الفضل بن شاذان لايرتضي أبا سعيد الآدمي ويقول هو أحمق , والفضل بن شاذان من أصحاب الإمام الرضا ومن خواصه ـ .

3 - قال النجاشي : سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب , أخرجه من قم إلى الرّي , له كتاب النوادر ـ مجمع الرجال ج3 ص 180 ـ .

4 - أحمد بن عيسى الأشعري وأبو العباس النجاشي وأبن الغضائري قد شهدوا عليه بالأنحراف والكذب .

5 - قال محمد بن الحسن بن الوليد أستاذ الشيخ الصدوق الثاني : إن سهل بن زياد ضعيف لا يعتمد عليه .

6 - قال أبو العباس بن نوح أستاذ النجاشي والسيد المرتضى : إن سهل بن زياد ضعيف جداً وفاسد المذهب والرواية .

7 - الشيخ الطوسي : أختلف فيه في موضع إنه ثقة : وقال في عدة مواضع إنه ضعيف , فقد قال في ـ الفهرست ـ سهل بن زياد ضعيف في الحديث , وقال في ـ الأستبصار ـ ؛ سهل بن زياد ضعبف في الحديث وهذا ما نقله المامقاني في كتابه , والتضعيف منه جاء بعد التوثيق والمتأخرون جميعاً من عهد المحقق وإلى الآن يعدونه من الضعفاء .

السند كما تبين من التحقيق ضعيف جداً , وسنبحث الآن في دلالة المثال , وهل أنه يوافق أم يعارض الأدلة الأخرى ؟ في البحث أمور نعرض لها على وجه التفصيل :

أولاً : قوله ـ قد عرف قاتله ـ قلنا إن الأمر في هذا ليس مشكلاً

ثانياً : قولة ـ والليلة التي يُقتل فيها ـ قلنا إن لهذا القول معارضاً , وهو ما جاء في الخطبة 119 من نهج البلاغة , وكذلك الرسالة 35 من نهج البلاغة أيضاً , وهما معارضان لمثال الكافي , ولوجود المعارض فالمثال ـ الخبر ـ مردود وساقط من الأعتبار ـ .

ثالثاً : قوله ـ والموضع الذي يُقتل فيه ـ وهذا القول يعارض رسالة أمير المؤمنين رقم 35 والخطبة 119 من النهج , والجمع بينهما غير ممكن , إضافة إلى هذا فهو يتعارض مع قوله تعالى :

( وماتدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت ) وقد فهمنا من الخطبة 128 أن أمير المؤمنين يعتبر ذلك من علم الغيب الذي أستأثر الله بمعرفته خاصةً والذي لا يعلمه غيره .

رابعاً : قوله : لما سمع صياح الإوز في الدار ـ صوائح تتبعها نوائح ـ وهذا القول إن صحَّ فلا يعبر عن شئ سوى التعبير عن حالةٍ وجدانيةٍ عرفانيةٍ خاصة , فربما يكون قد قالها وربما لا يكون قد قالها , والقول كما هو مبهمٌ غير واضحٍ .

خامساً : قوله ـ وقول أم كلثوم لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس فأبى عليها ـ وهذا القول لا ربط له بموضوع علم الإمام ولأن مفاد خبر سهل بن زياد هو التأكيد على هذا المعنى ـ أي علم الإمام ـ من خلال قول : أم كلثوم التي يعتبرها قد أحست بالخطر , ولكن لا ربط لهذا القول بموضوع العلم حتى لو حصل الظن والحدس والإحساس .

سادساً : قوله : وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح ـ وهذا القول أجنبي عن موضوع البحث ولا أرتباط له ـ لما نحن بصدده ـ يعني علم الغيب .

سابعاً : قوله ـ وقد عرف أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف ـ وهذا القول تكرار لما سبق , وقلنا إن الشيخ المفيد وابن شهر آشوب أعتبروا ذلك وارداً ولا إشكال فيه ـ لا إشكال عقلي ولا إشكال نقلي ـ ولكن إذا كان الإمام يعرف قاتله .

فلماذا لم يأمر بأعتقاله أو التحرز عليه ؟ السؤال وجيه ونترك الإجابة عليه إليك عزيزي القارئ .

ثامناً : قوله : كان هذا مما لم يجز تعرضه ـ وكأن هذا القول من باب أنه لا يجوز للإمام شرعاً التعرض إليه , على أساس أن إلقاء النفس في التهلكة حرام شرعاً .

تاسعاً : قوله ـ ذلك كان ـ فماذا يعني قوله ـ ذلك كان ـ ؟ هل يعني أن علمه بزمان ومكان قتله كان غير جائز شرعاً ؟ يبدو أن البحث في هذه النقطة من مباحث علم الكلام الذي سنتركه إلى محله .

عاشراً : قوله ـ ولكنه خيُر ـ المراد منه التخيير في الليلة تلك , أي إن الله أرجع الأمر إلى الإمام لكي يختار في الليلة تلك , أي إن الله طلب من الإمام أن يختار بين أن يُقتل في هذه الليلة أو لا يُقتل ! لتمضي مقادير الله عز وجل , فلو لم يذهب إلى المسجد فإنه لن يُقتل وعند ذلك لا تجري مقادير الله , ويبدو أنه لا أرتباط بين ـ خيُر ولتمضي ـ .

أما لو كانت ـ خيُرّ ـ فيصير المعنى أن الله كان في تلك الليلة متحيراً ! أي إن عقله لم يقر عملية القتل ولكن علمه قد أمضاها ، لتمضي مقادير الله ، وعند ذلك يسقط حق من يقول : لم فعلت ذلك ؟ إذ لا معنى لـ ــ حُير ــ في الجواب .

وأما لو كانت ـ حُيّن ـ فيصير المعنى ـ التعيين ـ من قبل الله , أي كان تعييناً حتى يجرى تقدير الله , وهذا ليس جواباً شرعياً ,لأن معنى ذلك ـ الجبر المطلق ـ فالخطر موجود ولايمكن أن يحفط نفس من الخطر , وهذا يعني سلب الإرادة من الإمام وهذا هو الجبر الباطل , وقد نص على هذا الوجه العلامة المجلسي , ومع ذلك فالخبر ـ المثال (1) ـ يتعارض مع الآية 188 الأعراف .

تنبيه : جاء في الخطبة 149 من نهج البلاغة أن أمير المؤمنين قال : كم أطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إلا إخفاءه , هيهات علم مخزون ـ وقد جاء في شرح بن ميثم على النهج مايلي :

ـ وأما بحثه هو فعن تفصيل الوقت والمكان ونحوهما من القرائن المشخصة وذلك البحث إما بالسؤال من الرسول مُدَّة حياته وكتمانه إيّاه , أو بالبحث والتفرس من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس فأبى الله إلا أن تخفى عنه تلك الحال ...ـ ابن ميثم ج3 ص209 .

وهذا المعنى يعارض مثال ـ خبر سهل بن زياد ـ الذي يقول فيه إن أمير المؤمنين قد عرف الليلة التي يُقتل فيها والموضع الذي يُقتل فيه , ولكن الإمام في الخطبة 149 يعلن أن ذلك من علم الله الخاص بقوله ـ هيهات علم مخزون ـ ولا ريب أن هذا يعني مكان وزمان شهادته وإلا فماذا يعني هذا القول ؟

وهذا القول منه : يعارض مفهوم الأخبار التي تقول إن الأئمة ـ إذا شاؤو علموا ـ فقد ورد في الخطبة 156 من نهج البلاغة والتي يتحدث فيها عن الملاحم والفتن والغارات قال : ( فقلت يارسول الله ، أو ليس قد قلت لي يوم أحدٍ حيث أستشهد من أستشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة فشق ذلك عليّ ؟ فقلت ليّ : أبشر فإن الشهادة من ورائك ـ ... ابن أبي الحديد في ـ شرح النهج ـ ج9 ص206 , يروي عن النبي أنه قال لعلي قد كتُب عليك جهاد المفتونين كما كتَب عليّ جهاد المشركين ـ ثم قلت : يا رسول الله إنك قد وعدتني الشهادة ، فكيف صبرك إذن ؟ فأسئل الله أن يعجلها لي بين يديك ... فقد وعد النبي , الإمام بالشهادة يوم أحد ، ولم يقل له عن وقتها ... ثم قال النبي

فمن يُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين .. أما إني قد وعدتك الشهادة , تضرب على هذه فتخضب هذه

الظاهر أن الكلام هنا يتناول موت الإمام والكيفية التي يتم من خلالها , ربما يكون ذلك الكلام من النبي وحياً جاء به جبرئيل وقد أخبر الإمام به , ولكن لم يُحدد ولم يذكر الزمان والمكان الذي يستشهد فيه . ولو أفترضنا جدلاً .

ـ وفرض المحال ليس بمحال ـ أن الإمام كان يعلم بيوم أستشهاده , فيكون طلبه من النبي بالدعوة للأستشهاد بين يديه وفي أيام حياته نوعاً من الترف واللغو وحاشا إمامنا ذلك

والدعاء منه : يعارض مثال سهل بن زياد الذي جاء فيه قوله ـ كان ذلك ـ ولا ندري ماذا تعني تلك الجملة ؟

قال محمد حسين المظفر في كتابه ـ علم الإمام ـ كان ذلك كله ـ ولكننا لم نجد في أي من نسخ الكافي لفظة ـ كله ـ فماذا تعني لفظة ـ ذلك ـ ؟ تعني أن هذا لم يجز التعرض أليه ، يُريد بذلك لفظة ـ كان ـ !

وهذا حكم فقهي يقول : بأنه لا يجوز على الإمام أن يقدم نفسه للقتل , نعم لايجوز له ذلك ـ أي كان ذلك مما لا يجوز ـ هذا احتمال ؛ أو لأن جملة ـ كان ذلك ـ تعني أن هذا يعرفه صدفةً ويعرف كل جزئياته , يعني أن ذلك الكلام كان كله هكذا . هو مجرد إشارة للإثنين معاً , يعني الصحة وعدم الجواز , وهذا الأمر عندي ليس واضحاً .

احتمال آخر : هو أن الذي قلته كان صحيحاً , ولكن هذا لا يجوز وهذا ليس صحيحاً , وكل هذا كان صحيحاً أيضاً , أي إن قضاء الله وقدره .

أحتمال آخر : ليس فيه أحتياط , أي بملاحظة معارضات هذا الخبر ـ المثال ـ ولذا نرى أن الشيخ المظفر في ص 54 من كتابه ـ علم الإمام ـ ينسب عدم الأحتياط إلى الإمام الرضا بقوله : وهذ الإمام الرضا كيف أجاب السائل . :

الوجه الثالث : ما قاله العلامة المجلسي عندما ـ خيُرّ تكون حيُنّ قال المجلسي : إن صاحب الصحاح الجواهري قال إن معناها ـ التعيين ـ وإليك نص عبارته : قال الجواهري : حّينه جعل له وقتاً , يُقال حيينتُ الناقة إذا جعلت لها في كل يومٍ وليلةٍ وقتاً تحلبها فيه ,,, أي إن ضربة علي قد عُينت من قبل الله ـ حُينّ ـ لتمضي مقادير الله ـ مرآة العقول ج3 ص 124 ـ

قال المجلسي : إنه كان بلغ الأجل المحتوم المقدر حُينّ , , وكان لا يمكن الفرار , منه لتمضي مقادير الله ـ

والسؤال : الذي يتبادر إلى الذهن : هل كان ذلك أجلاً طبيعياً قطعياً لعلي ؟ أو كان ذلك أجلاً اخترامياً ؟ أم إن الأجل هو الذي ثم بضربة ابن ملجم ؟ وقوله : بلغ الأجل المحتوم ـ يعني ـ أن الأجل الطبيعي المقدر الذي ورد في سورة الأنعام ( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجلٌ مسمى عنده ) لك الأجل الطبيعي المحتوم كالشمعة التي تنطفئ بعد أحتراقها ، تلك سنة طبيعية ــ ولن تجد لسنة الله تبديلاً ــ أما قبل الأنطفاء فالآجال معلقة،مشروطة وأخترامية . وهي تتم بأسباب خارجية قهرية تاريخية كالحرب والإرهاب والزلازل وغيره ، سنن تأريخية متحولة ، وموت الإمام علي هل هو الأجل الطبيعي أم الأجل الأخترامي ؟ فموته سنة تأريخية وهي أجل أخترامي وليس

أجلاً طبيعياً , ثم قال المجلسي : ولعله أظهر الوجوه وحصله أن من لا يعلمُ أسباب التقديرات الواقعية يمكنه الفرار من المحظورات , وأمّا من كان عالماً بجميع الحوادث فكيف يكلف الفرار ؟ وإلاّ يلزم عدم وقوع شئ من التقديرات فيه ,

يجب التكليف ... وأورد المجلسي تأييداً لهذا الوجه فقال : بل هم غير مكلفين بالعمل بهذا العلم في أكثر التكاليف فإن النبي وأمير المؤمنين كانا يعرفان المنافقين ويعلمان سوء عقائدهم , ولم يكونا مكلفين بالأجتناب عنهم وترك معاشرتهم وعدم مناكحتهم أو قتلهم وطردهم ما لم يظهر منهم شئ يوجب ذلك وكذا عِلم أمير المؤمنين بعدم الظفر بمعاوية وبقاء ملكه بَعدَه لم يسر سبباً لأن يترك قتاله ,

بل كان يبذل في ذلك غاية جُهده , إلى أن أستشهد مع أنه كان يُخبر بشهادته وأستيلاء معاوية بعده على شيعته ـ وهذا منه دعوى بلا دليل ـ وكذا الحسين كان عالماً بغدر أهل العراق , وأنه يستشهد هناك مع أولاده وأقاربه وأصحابه ويُخبر بذلك مراراً , ولم يكن مكلفاً بالعمل بظاهر الأمر حيث بذلوا نصرهم وكاتبوه وراسلوه ووعَدّوه البيعة وبايعوا وتابعوا مسلم بن عقيل ,, ويمكن تلخيص كلام المجلسي بأربع نقاط , ولابدَّ أن نتوقف عند كل واحدة منها , لأن هذا الكلام يمثل عنواناً لفكر ولعقيدة سائدة عند فريق من الأمة , ذلك لأن معرفة الإمام ليس فيها تقليد بل هي مبدأ أجتهادي يقوم على الدليل .

1 - قوله : إن النبي وأمير المؤمنين كانا يعرفان المنافقين ويعلمان سوء عقائدهم , ولم يكونا مكلفين بالأجتناب عنهم وترك معاشرتهم وعدم مناكحتهم أو قتلهم وطردهم

2 - قوله : علم أمير المؤمنين بعدم الظفر بمعاوية وبقاء مُلكه بعده .

3 - قوله : وكذا الحسين كان عالماً بغدر أهل العراق , وأنه يستشهد هناك مع أولاده وأقاربه وأصحابه .

4 - قوله : ولم يكن مكلفاً بالعمل بظاهر الأمر حيث بذلوا نصرتهم ...وسندرس هذه النقاط ثم لننظر هل الدليل موافق لهذه النقاط أم لا ؟ وماذا يقول العلماء الآخرين عن ذلك ؟

فقد ذكر المجلسي هذه النقاط في كتابه ـ مرآة العقول ـ ج3 ص124 ـ 125 .

أما النقطة الأولى : فمخالفه لكلام الله وخاصة الآية 101 من سورة التوبة . قوله تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)

والآية 30 من سورة محمد ـ قوله تعالى ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ 30 ) إذن فدعوى المجلسي لا دليل عليها ، بل إن سيرة النبي والإمام علي خلاف ذلك فهم لا يعلمون المنافقين ،كما في قضية مسجد ضرار الشاهدة على هذا المعنى ،وكذلك فالإمام علي لا يعرف المنافقين في

وقعة صفين الذين ساهموا في عملية التحكيم ولإيقاف الحرب لصالح معاوية .

وأما النقطة الثانية : فلابدّ من معرفة الفطرة وماذا تقول ؟ فلو قرأنا وقعة صفين قراءة تأملية معاصرة , فإننا سنلاحظ فيها مائة ألف مقاتل قد تحركوا من أجل معاقبة معاوية وإنهاء تمرده العسكري على الخلافة الشرعية , وللسؤال الذي نطرحه على النحو الآتي : هل كان الإمام علي يعلم حقيقة بأنه سيخسر الحرب ؟ وأنه لا أمل له بالنصر؟ لنقرأ الكلمات التالية التي تجيبنا على السؤال : :

الكلمة الأولى : الرسالة 45 التي بعثها أمير المؤمنين إلى واليه عثمان ابن حنيف حيث قال فيها : ( سأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص المكوس والجسم المركوس حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد ..) شرح النهج صبحي الصالح

وهذا البيان منه : دليل على أنه كان يأمل بالنصر وتطهير الأرض من معاوية , وأن بيانه هذا لم يكن أسترسالاً لا قيمة له , فهو واضح في تشخيص الأهداف التي تحرك من أجل تحقيقها , وهي بالتالي قضايا عادية ملموسة يسعى لتحقيقها ضمن ضوابط ومعايير معينة حدّدها في رسالته تلك

الكلمة الثانية : الدعاء الذي دعا به الإمام قبل المنازلة مع معاوية ( اللهم إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي وسددنا للحق .. ) :

.. فلو كان لا أمل بالنصر فصيغة الدعاء هذه تعتبر لغواً باطلاً , ولكن الدعاء هنا صيغة الأمل المعقود على الحركة التي يقوم بها تصحيحاً للوضع الأجتماعي السياسي الأقتصادي , والنصر المرجو لا بد أن يكون داخل موازين الشرع وحدوده . وهل بعد هذه الصيغة والدعاء دليل على عدم الرغبة بالنصر ؟ .

الكلمة الثالثة : وما ورد في كشيف المحجة ـ لابن طاوس ـ ص 174 , عن أمير المؤمنين أنه قال : سبحان الله بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا ـ وهذا دليل أكيد على أن الإمام كان يأمل بالنصر ويترقبه .

الكلمة الرابعة : الرسالة 14 من نهج البلاغة قوله : فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مُدبرأً ولا تصيبوا معوزاً ولا تجهزوا على جريح ـ .

وهذا كلام واضح ودليل على الأمل بالنصر , وأنه كان يأمل بالنصر ضمن الشروط الموضوعية ولو كان يعلم بأنه سيخسر المعركة فعند ذلك سيكون المسؤول عن قتل أكثر من 35 ألف إنسان

وإما النقطة الثالثة : فإن سيرة الإمام الحسين كانت على خلاف ذلك , إذ إنه كان يستعد ويكاتب أصحابه , وأرسل أبن عمه مسلم بن عقيل ليطلع على أوضاع الكوفة ويخبره ويأخذ له البيعة من أهلها , ويساهم في إعادة الخلافة إلى أهل البيت .

قول السيد المرتضى والشيخ الطوسي

ـ إن أسباب الظفر كانت لائحة ـ وهذا ما قاله مسلم بن عقيل إذ كتب : ـ إنَّ جمع أهل الكوفة معك فأقبل حين تقرأ كتابي ... والإمام ‘ ـ سار نحو الكوفة ولكنه مُنع من الوصول إليها منعه الحر ابن يزيد الرياحي وأنزله عنوة في ـ كربلاء ـ وحاصروه ومنعوا عنه الماء وحبسوه أن يلتقي بأصحابه , وقد ذكر ذلك الحر يوم عاشوراء إذ قال : حبستك عن الرجوع ... ولو كان الحسين لا يريد الرجوع أو أنه ينوي البقاء في كربلاء فإن الحر بن يزيد م يرتكب ذنباً بحبس عن الرجوع :

والإمام : حاول عبر دفعات من الحوار مع قادة الجيش الأموي من أجل السماح له بالعودة من حيث أتى , رغبةٌ منه في نزع فتيل الحرب , وقدم في ذلك مجموعة حلول ومقترحات عرضناها في كتابنا ـ إشكالية الخطاب في القراءة التاريخية لوقعة كربلاء ـ فراجع ...

وأيضاً قول الإمام السّجاد زين العابدين : لقد ثُلمِ في الإسلام ثُلمةً عظيمةً قتل أبو عبدالله ونقرأ في زيارة عاشوراء المقطع التالي : مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الإسلام :

وإيضاً ما قاله الشيخ المفيد والذي رواه المجلسي في ـ البحار ـ وأما علم الحسين ، بأن أهل الكوفة خاذلوه فلسنا نقطع على ذلك إذ لا حُجَّة عليه من عقل ولا سمع ـ البحار ج42 ص 258ـ

وهذا خلاف ما يراه المجلسي في مرآة العقول , فالشيخ المفيد يقول : بعدم وجود الدليل على علمه ـ بأن أهل الكوفة خاذلوه ـ وهذا ما يراه السيد المرتضى والشيخ الطوسي : إذ أعتبروا قيام الحسين قد توفرت فيه كل أسباب الظفر ؛ ـ ولم يكن في حسابه أنَّ القوم يغدر بعضهم ويضعف بعضهم عن نصرته ويتفق ما اتفق من الأمور الطريفة الغريبة ,,, ـ تنزيه الأنبياء ص 179 ــ 182 ــ وتلخيص الشافي ج4 ص 182 ـــ 188 ــ .

إذن فالحسين : كان يأمل بالنصر ولذلك تحرك من مكة إلى الكوفة , وقول المجلسي دعوى بلا دليل , مخالف لسيرة الإمام ومخالف لأقوال العلماء ...

وأما النقطة الرابعة : قوله : ــ من كان عالماً بجميع الحوادث فكيف يكلف الفرار وإلاّ يلزم عدمُ وقوع الشئ من التقديرات فيه ـ ولصاحب ـ الميزان ـ كلام شبيه بهذا في ح18 ص207 والآن سنبحث كلام صاحب الميزان ومنه يتبين لنا معنى كلام المجلسي هذا

 

بحث فلسفي ودفع شبهة

قال ـ لقد تظافرت الأخبار عن طرق أئمة أهل البيت أنَّ الله سبحانه علم النبي ، والأئمة علم كل شئ , وفسر ذلك في بعضها أنَّ علم النبي من طريق الوحي , وأن علم الأئمة ينتهي إلى النبي . وأورد عليه أن المأثور من سيرتهم أنهم كانوا يعيشون مدى حياتهم عيشة سائر الناس فيقصدون مقاصدهم ساعين إليها على ما يُرشد إليه الأسباب الظاهرية ويهدي إليه السبُل العادية , فربما أصابوا مقاصدهم وربُمَّا أخطأ بهم الطريق فلم يصيبوا , ولو علموا الغيب لم يخيبوا في سعيهم أبداً , فالعاقل لا يترك سبيلاً يعلم يقيناً أنَّه مصيب فيه ولا يسلك سبيلاً يعلم يقيناً أنه مخطئٌ فيه , وقد أصيبوا بمصائب ليس من الجائز أن يُلقي الإنسان نفسه في مهلكتها لو علم بواقع الأمر ؛ كما أصيب النبي ، يوم أحدٍ بما أصيب , وأصيب عليٌ ، في مسجد الكوفة حين فتك به المرادي لعنه الله , وأصيب الحسين ، فقتل في كربلاء , وأصيب سائر الأئمة بالسُّم فلو كانوا يعلمون ما سيجري عليهم كان ذلك من إلقاء النفس في التهلكة وهو محُرَّم ... ـــ

والإشكال كما ترى مأخوذ من الآيتين : ( ولو كنت أعلم الغيب لا ستكثرت من الخير ) الأعراف : 188 ـ ولآية : 9 من سورة الأحقاف ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم )

* إن رفع هذا الإشكال مبنيٌ أساساً على قبول جملة ـ يعلمون علم كل شئ ـ أي إن جواب صاحب " الميزان " مبنيٌّ على هذا الإشكال , والذي يقول بأن النبي ، والأئمة يعلمون علم كل شئ ودون استثناء . أي إن قوله هذا هو عين كلام صاحب كتاب ـ أمراء الوجود ـ وصاحب كتاب ـ جواهر الولاية ـ بأن علم الأئمة لا يتناهى , ولا يتغير , طبعاً هو لم يُصرح بذلك ولكن مبنى جوابه كان كذلك , وإنما قال :

إن النبي والأئمة ـ يعلمون علم كل شئ على الإطلاق ودون استثناء , ولكن هل كان مبناه ذلك صحيحاً أم لا ؟ وعند التحقيق في الأخبار نجد أن مبناه ليس صحيحاً فمن الأخبار نستفيد بأن الله لم يُعلم النبي علم كل شئ ، وإليك بعضاً منها

أصول الكافي " ج1 ص 256 عدَّه من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي عن معمّر بن خلاد , قال سئل أبا الحسن ، رجل من أهل فارس فقال له أتعلمون الغيب ؟

قال : أبو جعفر ـ يبسط لنا العِلم فنعلم ويقبضُ عنا فلا نعلم ـــ سند الخبر صحيح ودلالته واضحة . .

" أصول الكافي " ج1 ص 256 , أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن محمد بن إسماعيل عن علي بن نعمان عن سويد العلا عن أبي أيوب قال أبي جعفر ـ إن لله علمين : علِم لا يعلمه أحدٌ إلا هو , وعِلم علمَّه ملائكته ورُسُله , فما علمَّه ملائكته ورسله فنحن نعلمه ــــ سند الخبر مقبول ودلالته واضحة . .

3 - نهج البلاغة الخطبة 128 قال : هذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحدٌ إلا الله ـ يريد بذلك اإشلرة ـ إلى الآية 34 من سورة لقمان .

4 - نهج البلاغة الخطبة 149 قوله " كم أطردت الأيام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إ لاّ إخفاءه , هيهات علم مخزون ..." البحار ج26 ص 91 ـ

5 الخبر 16 من كتاب " بصائر الدرجات " لمحمد بن الحسن الصفار ـ من الطبقة التي سبقت الكليني ـ عبد الله بن محمد ـ مجهول ـ عن عمرو عن بشر بن إبراهيم عن أبي عبد الله ـ

قال : كنت جالساً إذ جاءه رجلٌ عن مسألة فقال ـ ما عندي فيها شئ ؟ فقال رجلٌ : إنا لله وإنا إليه راجعون , هذا الإمام المفترض الطاعة سألته فزعم أنَّه ليس عنده قيها شئ ! فأصغى أبو عبد الله ـ أذنه إلى الحائط , كأنَّ إنساناً يكلَّمه فقال أين السائل ؟ وكان الرجل أشكفت الباب , فقال القول فيها هكذا .."

هذه الأخبار مطابقة لأصل القاعدة , والأصل في عدم العلم , ولا دليل على خلاف الأصل من الكتاب والسنة , إذن فتصور عموم ـ يعلمون علم كل شئ ـ وإطلاق هذا القول ليس صحيحاً , لأن المبنى استند إليه ليس صحيحاً , وواضح جداً أن هناك خلطاً بين العلم العادي والعلم الغيبي والخلط بينهما خطأ مبنائي .

* فالعلم الغيبي بحقائق الأمور لا أثر له في تغيير مجرى الحوادث الخارجية , أي إن أفعالنا الأختيارية كما تتعلق بإرادتنا كذلك تتعلق بعلل وشرائط مادية أخرى , زمانية ومكانية فإذا اجتمعت تلك العلل والشرائط وتمت الإرادة تحققت العلة التامة وكان تحقيق الفعل عند ذلك واجباً ضرورياً , إذ من المستحيل تخلف المعلول عن علته التامة .

قال صاحب " الميزان " : " إن علم النبي ، العادي لا يمكن أن يلغيه علمه الغيبي النازل من السماء , هذه دعوى غير معقولة أما لماذا يتنبئ ذلك ؟ فالجواب متروك لكم