:

المفهوم والمصداق

 

قال تعالى : (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ؛ ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسنيَّ السوء ؛ إن أنا إلا نذيرٌ وبشيرٌ لقوم يؤمنون ) الأعراف : 188ـ

الآية تتحدث عن نفي القدرة المطلقة لرسول الله ! ولفظة ـ لا أملك ـ أي لا أقدر ولكن ذلك مشروط بقوله ـ إلا ماشاء الله ـ وهنا القضية ترتبط جدلاً بالعلم ؛ فلو كان الرسول يعلم الغيب , مطلق الغيب , فعند ذلك يكون العلم بالحادثات والمستقبلات أمراً قهرياً لازماً سواءا أكان ذلك خيراً أم شراً ! ولو علم فيشترط أن يعمل بما علم فيهتدي إلى الخير فيتبعه ويفعله ويرعاه ؛ ويتجنب عن الشر فيدمغه ويحذر منه .

ومفاد الآية يقول ؛ لا يجب نسبة مطلق العلم بالغيب إلى رسول الله لأن ذلك من أختصاص الله وحده .

أذن كيف يتم الأستدلال بالآية ؟ يتم الأستدلال بها على النحو الآتي : ـ

ولو كنت أعلم الغيب لآستكثرت من الخير ـ تحتوي على قياس أستثنائي ؛ آي أن الصغرى فيها بديهية الإنتاج والتوالد ؛ والشرط تحصيل مطلق الغيب ؛ ولكني لا أستطيع أن أستكثر من الخير لأني لا أعلم الغيب ؛ فعلمي بالغيب شرط لأستكثاري من الخير . هذه صورة أولى من القياس الأستثنائي المشروط . ونتيجتة عدم العلم بمطلق الغيب , ولفظة ـ الخير ـ الواردة في سياق الآية تأتي في مقابل ـ السوء ـ وجملة ــ ما مسني السوء ـــ معطوفة على جملة ــ لأستكثرت من الخي ـــ ؛ أي لو كنت أعلم الغيب ما سني السوء . .

والحال هنا كذلك صورة عن القياس الأستثنائي المشروط ؛ والشرط هو العلم بالغيب , ولكني لا أستطيع دفع السوء عني لعدم علمي بالغيب ؛ وجملة ـ ما مسني السوء ـ قياسها الأستثنائي جلي , لأنه يمسني السوء لعدم علمي بالغيب ! ولفظة ـ السوء ـ الواردة في سياق الآية تعني : ـ

كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والآخروية ومن الأحوال النفيسة والبدنية والخارجة من فوات مال وجاه وفقد حميم ـ ( مفردات الراغب ص 252 ) ـ .

وإن كل سوء أصاب النبي هو من جهة كونه لا يعلم الغيب ولو علم الغيب ما أصابه السوء , ولأن لفظة ـ السوء ـ كما جاءت في التعريف المتقدم تعني كل ما يغم الإنسان , فإن موت إبراهيم أبن النبي هو سوءٌ أصاب النبي ؛ والعرب قد أصطلحت أن تسمي كل غم بالسوء , وجملة ـ ما مسني السوء ـ هي على خلاف ما تعتقدون ـ بكوني ـ أعلم مطلق الغيب وإنه لن يمسني السوء , ولكن أعلموا أن هذا الأعتقاد ليس صحيحاً إذ لو كنت لأستكثرت من الخير ولفظة ـ الخير ـ كل أمر مرغوب ومحبوب لدى الناس سواءً أكان دنيوياً أم أخروياً حتى الأمور النفسية والبدنية وغيره .

ويجب مراعاة التناسب بين الحكم والموضوع , آي إذا علمت بالسوء فيجب أن تتجنبه وهذا بيان للحكم وموضوعة , والآية تتحدث في هذا الإطار وعلى ذلك يوجد نسق من المصاديق الدالة عليها منها :

1 - القصة التي ينقلها صاحب ـ وسائل الشيعة الحر العاملي ج9 ص 196 ـ والتي رواها الكليني في الكافي ج4 ص 363 في باب تروك الإحرام ؛ قال :

سُئل أبو عبد الله عن حكم الحيوان المؤذي حال الإحرام أيُقتل أم لا ؟ قال :

وأما العقرب فإن نبي الله مدّ يده إلى الحجر فلسعته عقربٌ , فقال : لعنك الله لا براً تدعين ولا فاجراً ـ والقصة هي أحدى مصاديق مفهوم ـ السوء ـ والقصة مقبولة سنداً ويعمل الفقهاء بها , فهي مصداق لقوله ـ

لو كنت أعلم الغيب ما مسني السوء ـ ولكن قد مسني السوء لأني لا أعلم الغيب ـ وبيان القصة واضحٌ جلي ومفهوم معنىً ولغةً ؛ والأستدلال بها من قبيل القياس البديهي الإنتاج ؛ ومنها نعلم أن الحكم في الموارد التي يصاب النبي فيها بسوء , لأنه لا يعلم الغيب , وعليه فلا يجوز التنطع والقول إنه كان يعلم في الباطن ولكنه في الظاهر لا يعلم لأن مفاد الآية على خلاف ذلك , ولو أستدل بها على هذا النحو لما صحت .

2 - قصة معركة أحُد الشهيرة والتي ذكرت في كتب السير والمغازي والأخبار , والتي جاء فيها أن النبي قد كوُسِرت رباعيته وجُرح فيها , وهذا السوء كان نتيجةً حتمية لعدم إلتزام الرماة على جبل عينين بإوامر الرسول وقد ظن الرماة أن القوم قد فروا من ساحة المعركة , ولابدَّ من مشاركة المسلمين في جمع الغنائم , وهذا الفعل منهم أدى إلى هزيمة المسلمين في المعركة ـ والقصة إحدى مصاديق الآية الشري ـ مامسني السوء ـ .

3 - قصة المرأة اليهودية التي قدمت للنبي الشاة ـ الذراع المسموم ـ بعد فتح خيبر , وأن ـ بشر بن البراء ـ صاحب رسول الله أكل منها فمات , وقيل إن النبي أكل منها لقمة ومرض على أثرها , وظل يلازمه المرض من جرائه حتى توفي منها , وهذا القول صرح به الشيخ الصدوق في كتاب ـ الأعتقادات ـ باب نفي الغلو والتفويض ص 99 ـ قال ـ أعتقادنا في النبي أنه سُمَّ في غزوة خيبر , فما زالت هذه الأكله تعاودة حتى قطعت أبحره فمات منها ـ وقد روي الطبري هذا الأمر بعينه في تاريخه ج2 ,303 .

والقصة ـ إحدى مصاديق ـ السوء ـ لأنه لو كان يعلم الغيب لما اكل من اللحم المسموم . ـ

هناك قضية فقهية دار فيها جدلٌ حادٌ حول حلّية أو عدم حلّية ذبائح اهل الكتاب , وقد أفتى بعض فقهائنا بحليتها وهو الراجح عندي ـ ولو كان النبي يعلم بوجود السم في اللحم لما اكل منه لأن الأكل مع العلم بالسم معصية والنبي لا يفعل المعصية لأن جواز المعصية عليه يتنافى والغاية التي أرسُل من أجلها .

4 - قصة خالد بن الوليد عندما أغار على قبيلة بني جذيمة كما وردت في كتاب السيرة لأبن هشام ـ تاريخ الطبري ـ ج2 ص 341 ,وكتاب المغازي للواقدي ج3 ص 875 ـ 882 :

عندما بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة يدعوهم إلى الإسلام , ولم يبعثه مقاتلاً , وكان بنو جذيمة قتلوا في الجاهلية عمه الفاكه بن المغيرة , فلما جائهم بمن معه قال لهم : ضعوا أسلحتكم فإن الناس قد أسلموا , فوضعوا أسلحتهم , وأمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل منهم مقتلة عظيمة , وهذه القصة إحدى مصاديق مفهوم ـ السوء ـ الذي أصاب النبي وإلاّ كيف يمكن تفسير هذا القتل الذي ( أرتكبه مبعوث الرسول ودون سبب يذكر ؟

فهل هناك من سوء مس النبي أشد وأعظم من ذلك ؟ خاصة وأن خالداً يمثل القيادة التي تراعي مصالح الناس سياسياً وأقتصادياً ونفسياً , والمبعوث عنه يمثل القيادة في كل أبعادها النفسية والولائية , فالقائد يعتبر الأمين على مصالح وشؤون الأمة المصالح المتقابلة , ولهذا جاءت ملاحظة الإمام علي في هذا الأتجاه عن حقيقة تاريخية إنسانية : أعينوني بور وأجتهاد وعفة وسداد ــ الملاحظة التي وردت .

في رسالته إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف , ولفظة ـ أعينوني ـ آي ساعدوني بالورع والأجتهاد وافضل العون هو التقوى والتفاني بجدٍ وإخلاص ٍ من أجل رفع الحيف وإصلاح البنى المفوتة الإجتماعية والسياسية والأقتصادية والسياسية والمدنية والحقوقية ومنه يتبين مدى الخطر الذي يسببه الداعي إذا لم يراع الشروط الإلهية الإنسانية , فإن آي خطأ أو تجاوز ينسب إلى القائد مباشرة وبالتالى يعني الخلل الإداري والوظيفي , إن ممارسة خالد لم تكن موفقة لذلك أصاب النبي السوء من جرائها ـ لوكنت أعلم الغيب ما مسني السوء ـ

ولكن قد مسني السوء لأني لا أعلم بنوايا خالد وطبيعة تفكيره , لا أعلم بخططة وتدابيره ومشاريعه , ولأني لا أعلم بذلك فقد مسني السوء , فلو كنت أعلم ما سيفعله خالد مع بني جذيمة لما أرسلته إليهم ...

وهذا واضح إذ عندما أنتهى الخبر إلى النبي رفع يديه إلى السماء وقال :

كما في باب بعث خالد أبن الوليد إلى بني جذيمة من كتاب المغازي من صحيح البخاري : ـ اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ـ مرتين ـ البخاري ج3 ص 48 ـ

5 - وما ورد في ـ نهج البلاغة ـ الرسالة رقم 46 ؛ ومن كتاب له ـ إلى بعض عمّاله ـ ابن عباس ـ أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي , ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إلي , فلما رأيت الزمان على أبن عمك قد كلب , والعدو قد حرب ,وأمانة الناس قد خزيت , وهذه الأمة قد فُتكت وشغرت , قلبت لأبن عمك ظهر المجن ...

ـ وهذا البيان منه ـ مصداق لمفهوم ـ السوء ـ لو كنت أعلم الغيب ما مسني السوء ـ وهو بيان حقيقي لفكرة القياس الأستثنائي في الآية ,

فإن قلتم : الإمام كان يعلم بحال ـ أبن عباس ـ منذ البداية وأنه سينهب بيت المال ,

قلنا : لو كان يعلم بحاله منذ البداية , فلماذا إذن يعطيه ولاية البصرة ؟ فهل يُريد الإمام أختباره ليظهر على حقيقته ؟ وهل يُريد الإمام أن يوقعه بالمعصية حتى يحاسبه ؟ وإذا كان كذلك فالإمام يكون مشاركاً له في المعصية بشكل غير مباشر , وهذا إذا تم فهو ظلم منه ـ وهو خلاف الضرورة من الدين والعقل , فالظلم معصية , لم ولن يفعله الإمام , ولكنه لا يعلم بحال ـ ابن عباس ـ ولذا فقد مسه السوء من جراء فعل أبن عباس ...

تنبيه : لقد كانت لأفكار عبد الله بن القاسم البطل أثرها الواضح على مسيرة الفكر وطبيعة الأنتاج الفكري , فالأنحراف في مناهج التفكير يعود بدرجة أساسية إلى الألتزام بهذه الأفكار التي يأتي بها الغلاة وأهل الأتحراف , الأفكار التي تخالف القرآن والعقل معاً , وهذه الظاهرة قد عاصرت تاريخ الفكر الإسلامي بمختلف أطواره المتعددة ,

فأمثال هؤلاء الرواة لهم أهداف قبلية مسبقة من أجل تزييف الحقائق وتحريف ما في الكتاب والسنة ليتم تمرير مخططاتهم الخبيثة والرامية إلى إدخال الدين والفكر في جملة من الأساطير والخرافات ومثيولوجيا القرون البائدة ؛ ولهذا جاء التأكيد من أهل البيت بضرورة أن تعرض أخبارهم على القرآن خوفاً من هذا التعدي والتزييف المقصود , ولذ لك جاء عنهم ـ لا تقبلو علينا خلاف القرآن ـ وأخبار عبد الله بن القاسم البطل مخالفة صراحة للقرآن فكيف يتم بها وقبولها ؟

ملاحظة : عرف علماء أصول الفقه ـ السنة ـ ؛ بأنها قول المعصوم ـ النبي وأهل بيته ـ وفعله وتقريره ـ وأعتبار كل ما جاء منهم حجة موازية في حجمها وقوتها لحجية القرآن , والظاهر أن هذا القول تركة تراثية يجب إعادة النظر فيه وتقييمه وتقويمه بشكل يجعل منه أكثر أنسجاماً مع ظرفي الزمان والمكان وطبيعة الإنتاج الفكري بآلياته ووسائله الزمنية المعينة ... وهل لا زال هذا التعرف ينسجم وواقع حال المتغير في الذهن والعقل معاً ؟ وهل يجوز أن نعتبر كل ما جاء في السنة وحياً نازلاً من الله ؟

والذي نعتقده أن السنة هي الكاشف والمفسر لما في الكتاب , ففيها أحكام ثابتة نازلة من السماء كالعبادات والمعاملات والسلوك الإنساني والأخلاقي ـ وفيها قضايا أجتهادية ـ لا دخل لها بالوحي ـ لها زمنها الخاص ولغتها الخاصة وظرفها الخاص , وهي أجتهاد الرسول ) ,

والأجتهاد: فعل واع يقوم به العقل داخل ما جاء وحياً من الله سبحانه وتعالى ؛ وهو يتقدر بقدر الأنطباق والتماثل والأنسجام مع ما نحن فيه , وهذا تأكيد على الأحكام الثابتة النازلة بالوحي والمتغيرة الخاضعة للاجتهاد ـ النسبية ـ وأما فكرة ( ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فا نتهوا ) ومثيلاتها ؛ فهي حتماً يُراد بها الوحي النازل من السماء ـ قرآناً وكتاباً وأحكاماً ثابتة ـ وليس ما يقوله هو بصفته البشرية ( فا لأولى تمثل الصفة النبوية والرسولية والثانية تمثل الصفة البشرية ) .

6 - ما ورد في نهج البلاغة ـ رقم الرسالة 71 التي بعثها أمير المؤمنين ـ إلى المنذر بن الجارود العبدي : ـ أما بعد فإن صلاح أبيك غرني ـ ظننت انك تتبع هديه وتسلك سبيله , فإذا أنت فيما رُقي إليّ منك لا تدعُ لهواك أنقياداً , ولا تبقي لآخرتك عتاداً .. فأقبل إليّ حين يصل كتابي هذا إن شاء الله ...

عتاد : أصلها عَداد , أعدّ , يعدّ , إعداد بمعنى الجاهزية وجمع ما يمكن جمعه , وهذه الرسالة تعبر بصدق عن ـ السوء ـ الذي أصاب الإمام من جراء فعل واليه , فهي مصداق لقوله تعالى : ـ مسني السوء ـ وفيها يعبر عن أمتعاضه وعدم رضاه لما قام به واليه المنذر بن الجارود .

فإن قلت : الآية مرتبطة بالنبي فلماذا ربطتها بالإمام ؟ قلت : الآية مرتبطة بالنبي لا من حيث كونه نبياً , بل من حيث كونها تمثل أستدلالا عقلانياً , وكون النبي واحد ا من العقلاء , والمأمور به هو الدليل العقلي الشامل لجميع العقلاء في الدنيا ؛ والقياس الأستثنائي في الآية يتعلق ـ بالفطرة الإنسانية ـ على هذا النحو , كالقياس الأقتراني فقولنا : العالم متغير , وكل متغير حادث فالعالم حادث ـ هذا الإنتاج المعرفي يعبر عن الفطرة الإنسانية إذن فنتيجة القول الأول بديهية , والبديهي : هو الشئ الذي لا يحتاج إلى دليل . والقياس الأستثنائي هو كذلك لا يحتاج إلى دليل , ودليله المنطقي واضح ومفهوم لأنه جزء الفطرة الإنسانية , وقد جرت سنة العقلاء على هذا النحو من الأستدلال ـ العمل بالممكن تجنباً للوقوع في السوء ـ وعلى هذا المبنى العقلاني فإن الرسول مكلف أن يقول للناس

( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ماشاء الله ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسني السوء ) .

والأستدلال العقلي بهذه الأية مرتبط بكونه إنساناً ؛ آي محمد المجرد عن آية صفة أخرى ؛ لا بما هو رسول يتنزل عليه الوحي , بل بما هو إنسان عاقل . فهو مكلف ان يدفع الضرر عن نفسه , وهذه سنة العقلاء في الأرض , إذن فقضية المنذر بن الجارود العبدي يمكن أعتبارها إحدى المصاديق لمفهوم ـ السوء ـ .

7 - غارة بُسر أرطاة على اليمن , تلك الغارة التي شنها بُسر بتوجيه من معاوية على المدينة ومكة واليمن ، وكانت توجهات معاوية تقضي بمهاجمة المدينة أولاً ثم الأتجاه نحو مكة ثم أمره ان يتجه جنوباً نحو اليمن في الفي فارس ؛ ـ أذهب إلى المدينة وأقتل أهلها وأنهب أموالهم ورّوعهم ثم أنطلق إلى مكة وأفعل بها كذلك ثم سر إلى اليمن . وكان على اليمن عبيد الله بن العباس وسعيد بن نجران , وقد تمكن بسُر من هزيمتهما وقتل أبني عبيد الله اللذين كان وضعهما عند شخص من اصحابه , والذي قال لبسُر حين طلبوا منه والله لا أعطيهم إياك أو تقتلني دونهم فقتله وأخذهم ورمى بهما على الحائط فتهشم رأسيهما امام أعين أمهمها ...

فذكر للأمام ـ ما جرى من بسُر بن أرطاة فقال : ـ أنبُئت بُسراً قد أطلع , اليمن وإني والله لأظن ان هؤلاء القوم سُيدالون منكم بأجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم ـ .. الخطبة 25 نهج البلاغة ـ .

إن غارة بُسر مصداق لمفهوم ـ السوء ـ الوارد في الآية 188 ـ من سورة الأعراف , ولو كان الإمام ـ يعلم بنوايا بُسر وإغارته على أطراف الدولة الإسلامية لقام بردعه وصده عن عدوانه ومنعه من ارتكاب حماقاته وجريمته ؛ من خلال تجهيز قوى لحماية المناطق التي ينوي الإغارة عليها , ولو كان الإمام ـ يعلم بالأمر منذ البداية ولم يفعل شيئاً من أجل ردعه ؛ لكان الإمام ـ مشاركاً في المعصية والجريمة ـ معاذ الله ـ ولكن الإمام ـ لا يعلم بالأمر فلما أخبره أصحابه ـ أرسل على الفور ـ جارية بن قدامة ـ لملاقاة بُسر ومعاقبته ولكن بُسر أسرع الرجوع فلم يتمكن جارية من اللحوق به . هذه الغارة إحدى مصاديق آية ـ مسني السوء ـ .

8 - الغارة التي قام بها سفيان بن عوف الغامدي كما ورد ذكرها في الخطبة رقم 27 من نهج البلاغة , الذي أغار على مدينة الأنبار مع خمسمائة من أصحابه , وقام بنهب وسلب وقتل حتى بلغ ذلك الأمر أمير المؤمنين ـ فقال :

ـ بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها من رجلها وقلبها وقلائدها ورعائها ؛ ما تمنع منه إلا بالأسترجاع والأسترحام ... ـ وهذه إحدى مصاديق مفهوم ـ السوء ـ الذي أصاب الإمام ــ ؛ ولو كنت اعلم الغيب ما مسني السوء ولكن مسني السوء بسبب غارة سفيان الغامدي لذلك فلا أعلم الغيب ـ ولو كان الإمام ـ يعلم بنوايا القوم ولم يفعل شيئاً من أجل ردعهم يكون بذلك مشاركاً لهم في المعصية ؛ ولا يمكن نسبة المعصية والفعل القبيح إلى الإمام ـ فيكون عدم علمه بالغارة ـ مصداقاً للسوء الذي أصابه من جرائها .

إشارة : لو أفترضنا جدلاً أن أحداً أقدم على قتل نفسه ـ أنتحر ـ فهل يجوز القول إنه لا يعلم الغيب فلذلك قتل نفسه ؟ ولو علم الغيب لما قتل نفسه آي لما مسه السوء ! .

ولو أن أحداً أصيب بمرض السرطان , وحتى لا يسري المرض إلى سائر بدنه , قرر ان يقطع ساقه المصابة ـ والقطع سوء ـ فهل يُقال إنه لا يعلم الغيب فلذلك قطع ساقه ؟ في البداية يجب ان نسأل ؛ ما هو الربط بين علم الغيب والأنتحار ؟ وما هو الربط بين علم الغيب وقطع الساق المصابة ؟ .

الجواب : في المسألتين يعود إلى الفهم العرفي أولاً وإلى المصلحة ثانياً ؛ فلو تأملنا الآية جيداً فهي نص صريح يحمل قياساً أستثنائياً يفيد العقلاء في أستدلالهم ؛ وهذا القياس مفهوم من العرف العقلاني وليس هو من قبيل المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله والرّاسخون في العلم ؛ فالناس بطريقة فطرية يميزون بين علم الغيب والسوء الذي يتم وإنه لا أرتباط بينهما ؛ ففي الأولى الإنسان يقدم نفسه وبإختياره وبإرادته على الأنتحار كفعل ـ سوء ـ ولكن هذا الأختيار من الإنسان ليس أمراً متعلقاً بالغيب حتى يُقال إن شرط الأنتحار العلم بالغيب ؛ وإذا كان هذا الشرط منجزاً فما قيمة الإنسان في الحياة وهل هو مخير أو مسير ؟

وإذا كان لا هذا ولا ذاك بل ـ أمر بين أمرين ـ فيقضي عدم تعليق الفعل التام بالأختيار على علم الغيب حتى ينجز ! وفي الثانية :

تكون الحالة قهرية أضطرارية ـ فالسوء ـ فيها يتعلق بدفع سوء أكبر منه وأشد ؛ وهنا للإنسان ان يحدد بحريته طبيعة المصلحة المرجوة , ويتم تقريره بناءً على ذلك آي إن ـ قطع الساق ـ فعل إيجابي ينسجم مع مفهوم إدامة الحياة وأستمرارها , والآية تتعلق حكماً بالموضوعات الحادثة التي لا يتعلق فعل الإنسان فيها لذاته ؛ وهذا التوجيه للآية دلتّ عليه تصريحات جميع عقلاء الأرض داخل مفهوم القياس الأستثنائي الشرطي وهو الإجابه عن السؤالين في آن معاً ...

التأويل : مشتق من ـ أول ـ وهو من أفعال الأضداد فنقول أول الأمر وهو عكس آخره ؛ قال تعالى

( هو الأول والآخر ) الحديد :2 ـ أما المعنى المضاد آي ـ بمعنى آخر الأمر ـ فالتأويل هو ما تنتهي إليه أي ما تؤول إليه ... وقد ذكر للتأويل قواعد وضوابط منها التقيد باللسان العربي المبين , فلسان العرب لا يحتوي على الترادف , وإن الألفاظ خدم المعاني كما قال الجرجاني , وإن الأساس عند العرب هي المعاني كما قال أبن جني , لا يفهم آي نص لغوي إلا على نحو يقتضيه العقل والمطابقة الموضوعية , الأخذ بعين الأعتبار أصالة اللسان العربي من حيث أفعال الأضداد في المعاني , وأيضاً مفهوم النزول القرآني , والترتيب آي التنسيق , وعدم الوقوع في التعضية وهي قسمة ما لا ينقسم إلى غير ذلك من قواعد التأويل ...