البيان

يجب التعرف أولاً عما إذا كانت هذه الأخبار كتبها الكليني نفسه أم أحد تلامذته بعد وفاته , والظاهر وبعد قراءة هذه الأخبار في هذا الباب يتبين لنا الأختلاف الكبير فيها تبعاً لاختلاف النسخ حتى إن بعض نسخ الكافي لم تذكرها إطلاقاً , وهناك فرق بين الكافي نسخة الصفواني ،والافي نخسة النعماني , وهما من تلامذة الكليني ومن المقربين لديه :

1 - الصفواني : أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عبدالله بن قضاعة بن صفوان بن مهران الحمّال.

2 - النعماني : أبو عبدالله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني . وقد نبه المجلسي إلى هذا الأختلاف في نسخ الكافي بكتابه (مرآة العقول ) وخاصة كتاب العقل والجهل بعد أن نقل فيه أربعاً وثلاثين خبراً . قال في آخر هذا الباب من الكتاب : إن كل واحد من هذه الأخبار مستقل عن الآخر من الألف إلى الياء وهذان الخبران لم يوجدا في آيّ من نسخ الكافي .

وهذا الأختلاف لا يجري فقط في الكافي بل وحتى في نهج البلاغة , إذ أننا نلاحظ الفرق بين ما حققه صبحي الصالح وما جمعه الشريف الرضي , إذ إن موضوعات متعددة لم تذكر من قبل كعنوان الرسالة ــــ 31 ــــ منه ولهذا نجد التفاوت والأختلاف وذكر موضوعات في البعض وعدم ذكرها في البعض الأخر .

تنبيه : قبل الخوض في بيان الخبر لا بد من التنبيه على الأصول العقلية الضرورية في هذا المجال :

الأصل الأول : العقل لايمنع من إمكانية إعطاء الله الملائكة والنبيين من العلوم , عبر ما نسميه ـ بالإلهام ــــ وهو لطف رباني يمكن هبته للإنسان ولا ضير في ذلك ولا مندوحة . وهذه الإمكانية العقلية تدور جدلاً مدار أصالة العلم وحدوده وطبيعته , فمثلاً يثبت عندنا بالدليل الرياضي أن بعض علم الأئمة كان ــــ ألهاما ً ــ والإلهام ليس العلم الذي علمه النبي للأئمة , والإلهام : علم إلهي دون واسطة النبي وقد دلّت الإحصائيات والكشوفات في كتاب الله على ذلك , إذ ورد فيه أن الله قد ـ ألهم ـــ أم موسى بقوله : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ) وإمكانية كون ـــ الإلهام ـــ

قد حصل فعلاً في هذا المقام لا يمنع من حصوله في مقام آخر . فالوحي هنا في اللسان الربوبي ليس الوحي النازل من السماء عن طريق جبرائيل والملائكة , بل عن طريق توارد الخواطر وهو وارد عند كل البشر , وقد ذكر الوحي في قضية النحل الذي يعبر عن قضية تكوينية غريزية فطرية , وهو الوحي عن طريق البرمجة الذاتية في بيئة الكائنات الحية , ولهذا نقول عن الإمكانية العقلية لهذا الأمر تامة في مرحلة الثبوت , متعذرة في مرحلة الإثبات . طبعاً القصة ككل تدخل في باب الإمكان العقلي , فالفعل حينما يقول : إن إمكانية كون علم الإمام مثلاً ـــ غير محدود وغير متناه ـــ إمكانية باطلة وغير منطقية , لأن أمر

ــ اللاتناهي واللاتحديد ـــ يختص بعلم الله وحده واجب الوجود , والإمام من الموجودات وهو ممكن الوجود , ومسبوقاً بعدم , ووجوده لطف من الله , ولذلك فهو محدود بالكينونة وطبيعي عندما يكون ظرف الوجود محدوداً فلا ريب سيكون علمه أيضاً محدوداً , وكذلك قدرته وحياته وكل شؤونه الأخرى المتعلقة به تكون كذلك محدودة .

آي إن الإمام لن يكون لا متناه , لأن عدم التناهي من خصوصيات واجب الوجود , وهذا للإمام يستلزم وجود إلهين , يعني : عدم التناهي منحصراً بالله وحده . آي هو الأزلي الأبدي الواجب الوجود , ونُريد بكونه ـ لا متناه ـ اللاتناهي بالمنظور العقلي المحض والدقة العقلية الخالصة , ولا نُريد بكونه ـ لا متناه ـ من باب المسامحة , لأن المسامحة لون من التنظير الذي يفتقر للدقة , والباب الذي يدرس العلم يفترض فيه الدقة بداهة .

والعقل يقول بأن المسبوق بالعدم يلازم المحدودية , آي إنها شأن من شؤونه الخاصة به , ولهذا أستحال القول ـ باللامتناهي ـ لغير الله سبحانه وتعالى ...

الوحي الذي هو نقل المعلومات والأوامر والنواهي يأتي بعدة طرق منها :

1 - الوحي الغريزي عن طريق البرمجة الذاتية كما في البيئة الجنينية للكائنات الحية .

2 - الوحي عن طريق التشخيص كالرسل التي جاءت إبراهيم بالبشرى .

3 - الوحي ـ الإلهامي ـ عن طريق توارد الخواطر وهو وارد عند كل البشر .

4 - الوحي عن طريق المنام , وهو احد انواع الوحي للأنبياء , وهو الرؤيا الصادقة لغير الأنبياء.

5 - الوحي المجرد وهو أن يأتي جبرائيل ويلتبس مع النبي ويسجل الآيات الموحاة مباشرة في الدماغ.

6 - الوحي الصوتي كالذي جاء إلى النبي موسى (علم الفكر ص 151ماهر المنجد).

الأصل الثاني : إن علم النبي محدود لا محالة كماً وكيفاً , وعارض ليس بذاتي , ومسبوق بعدمه ليس بأزلي , وله بدء ونهاية وليس بسرمدي , وليس كعلم الله بل مأخوذ منه (إشكالية الخطاب للمؤلف ص 336.

الأصل الثالث : وجاء على شكل سؤال صيغ على النحو الآتي : هل الأصل الأولي في علم النبي والإمام هو العلم أوعدم العلم ؟ يعني هل علم النبي من الله أم من غيره ؟ وهل الأصل الأولي العلم أو اللاعلم ؟ وما دام كون جريان الأصل الأولي في الموضوعات التي لا علم فيها ,

فالجواب يكون : أن كل مورد تتعلق به الإرادة فالأصل فيه ـ اللاعلم ـ إذ مقتضى الإرادة ـ لا علم ـ إلا إذا دلّ على خلافه ... ويوجد في الكتاب والسنة شاهد على ما نحن فيه ( سورة يوسف 3 ـ

(نحن نقصُّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) فلو كانت كلمة ـ أحسن ـ مفعولاً به فالجملة تصبح : إننا نقص عليك أحسن المقصوص من القصص , لأن ـ القصص ـ مصدرٌ بمعنى ـ المقصوص ـ والمقصوص ـ : يعني تلك القصص المروية , والقصة تعني الحكاية , وقصص جمع قصة , وهنا جاءت قََـَصَصٌ لا قٍصَصٌ , ولو كانت كلمة ـ أحسن ـ مفعولاً مطلقاً , آي جاءت مكان المفعول المطلق , فالجملة تصبح : نحن نقص عليك قصصاً أحسن القصص ـ يعني نوع القصة هو ما نقصه عليك , فالقصة مرة تعبر عن قول صحيح , وأخرى تعبر عن قول غير صحيح , آي إن نفس القصة والحكاية صحيحة وإن قالها رجل فاسد !! .

وهذان الوجهان واردان في فهم الآية , والثاني يعني : نحن نقص عليك أحسن وجه للقصة , آي كيفية الحكاية أفضل الكيفية ( بما أوحينا إليك هذا القرآن ) و ـ ما ـ هذه مصدرية , آي ـ بوحينا إليك هذا القرآن ـ مثل قوله تعالى : ( بما نسوا يوم الحساب ) الذي قيل فيه إنه ـ موصول حرفي ـ والذي يأتي بسبب تأويل المصدر : ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ـ وـ إن ـ المخففة ليست وصلية وتعني ـ بدون , وحتماً ـ فتصبح العبارة ـ بدونه كنت أو حتماً كنت من قبله : أي قبل وحينا كنت من الغافلين ـ آي إنك لم تكن تعلم , لم تطلع كنت غافلاً ...

هذا التفسير للآية تأكيد على فهم هذا الأصل العقلي , آي الأصل الأولي , والقائل بعدم علم النبي إلاّ إذا أعلمه الله ...

وكذلك جاء في سورة النحل آية ـ 78 ـ ما يلي نصه : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ) فكلمة ـ أخرجكم ـ خطاب لمطلق النوع البشري , وإذا لم يأت قيد او مخصص فتبقى الكلمة على ظاهرها , ويكون مفهومها كالآتي : عندما يأتي الإنسان ـ مطلق الإنسان ـ إلى الدنيا لا يعلم شيئاً وهذا الحكم والمفهوم يتم جريانه على البشر كافة والأنبياء منهم , فالنبي عيسى لم يكن يعلم شيئاً حتى أعلمه الله , والنبي يحيى لم يكن يعلم الكتاب والحكمة إلاّ بعد أن أعلمه الله .

وقد ورد في نهج البلاغة الرسالة رقم ـ31 ـ والتي بعثها أمير المؤمنيين إلى الإمام الحسن , قال له فيها : ـ فإن أشكل عليك شئ من ذلك فأحمله على جهالتك , فإنك أول ما خُلقت به جاهلاً ثم عُلمت , وما أكثر ما تجهل من الأمر ( وجملة أول ما خُلقت به جاهلاً آي كنت جاهلاً ثم عُلمت ) ويتحير فيه رأيك , ويضل فيه بصُرك ثم تبصره بعد ذلك .. . وهذا البيان يدل صراحة على أن الأصل الأولي هو ــ عدم العلم ــ وهو لذلك أحد الأصول المعتبرة في الحكم على الموضوعات .

قال القمي صاحب كتاب ( القوانين في اصول الفقه ) إن علم المعصوم مسبوقاً بعدم ـ ص 226 القوانين) .

وقال الأميني صاحب كتاب ( الغدير ج5 ص53) : ( إن علم الإمام بلغ ما بلغ محدود لا محالة كماً وكيفاً وعارض ليس بذاتي , ومسبوق ليس بأزلي ) الآن وبعد تأسيس هذه الأصول العقلية الثلاثة , فلنلاحظ بدقة وتأمل ما إذا كان هذا الخبر من حيث المضمون قابلاً للقبول أم لآ ؟ وقد تبين أن الخبر ضعيف السند , ولكن ضعف السند ليس الحجة الوحيدة التي يمكن من خلالها طرح الخبر وإلغاء حجيته , فلو كان الخبر قوي البيان , قوي الدلالة , موافقاً للأصول العقلية والمنطقية فضعف السند لا يلغي أعتبارنا للخبر والأخذ بمضمونه , سيما ونحن نعلم أن القاعدة تقول : الأصل موافقة الخبر للكتاب , فلو كان خبراً صحيح السند ولكنه ضعيف الدلالة ومخالفاً للكتاب , فالخبر متروك لا يعتمد عليه , إذ الأصل المطابقة المضمونة مع الكتاب وإلا فلا بدّ ان يضرب به عرض الحائط كما ورد بالمأ ثور .

طبيعي أن الخبر الضعيف السند لا يمكن نسبته للإمام , ولكن عدم النسبة شئ , والترك شئ آخر . فالشهرة الفتوائية المعتبرة جابرة لضعف السند في المجال الفقهي , وعلية فليس بالميسور طرح الخبر لمجرد ضعف السند فتأمل .

روي الكشي في رجاله عن الإمام الصادق قال : ( لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنة (رجال الكشي ص 224).

روي الكشي عن يونس بن عبدالرحمن عن الإمام الرضا قال : ( لا تقبلوا علينا خلاف القرآن ) والسؤال : هل الحديثان في مضمون واحد ؟ يعني هو المراد من الحديثين واحد ؟ ) .

الحديث الأول : عن الإمام الصادق قال : ( لا تقبلوا علينا إلاّ ما وافق القرآن والسنة ) ولكن ما المراد من جملة ـ وافق القرآن ـ ؟ هل المراد أن نبحث في القرآن آية آية حتى نجد ما يوافق الحديث ؟ وإذا لم نجد آية موافقة لهذا الحديث فنردّه ولا نقبله , هل هذا هو المراد من معنى الحديث الأول ؟ .

لا شك أن المعنى اللغوي الحرفي لدلالة الحديث هو هذا تماماً , وبناءً على المعنى اللغوي فيجب أن يوافق كل حديث آية في القرآن المجيد حتى يمكن العمل به ولكن

المعنى المراد من الحديث الأول ليس هذا تماماً ، بل المراد المعنى الأصطلاحي آي المضمون والدلالة المعنوية وموافقة ذلك لمضمون آيات القرآن في المعنى , وعند ذلك يكون معنى الحديث نفس معنى الحديث الثاني , الذي ورد عن الإمام الرضا : ( لا تقبلوا علينا خلاف القرآن ) وهو مساوِ في الدلالة لمعنى القول التالي : إذا خالف الحديث القرآن فلا تقبلوه , لا أن يُرجع الحديث إلى القرآن ويبحث له عن آية توافقه ..

ورد عن النبي أنه قال : ( إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي )

وهنا قد حددّ النبي القانون ورجال القانون , وإلاّ فماذا تعني العترة وما دورها ؟ إذا كان المطلوب الردّ إلى كتاب الله , الظاهر أن آي قضية لها حدود , وحدود الأخبار موافقتها للقرآن , ولكن القرآن وحده , أليس تلك إشكالية حقيقية ؟ لأنه عند ذلك يصبح مفهوم العترة لا طائل منه ,

وعندها تصبح مقولة ( حسبنا كتاب الله ) ـ إذن فلابدّ من إعطاء الحديث بعداً آخر , ربما يفهم منه : إن كل خبر أو حديث لا يوافق كتاب الله في أحكامه فهو مردود , آي الموافقة المضمونة وليس معناه الموافقة اللغوية لأن ذلك لا ينسجم مع آلة المتحرك من المعاني الخبرية .

وعندما نتمسك بحديث : ـ لاتقبلوا علينا خلاف القرآن ـ ضمن ما قدمناه من أستنتاج , فهل يكون المقال الوارد في الكافي والقائل : ـ آي إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحجة الله على خلقه ـ موافقاً للقرآن ؟ وأن ليس فيه ما يخالفه , في حين نقرأ في القرآن ـ آية من سورة الأحقاف والقائلة :

( قل ما كنت بدعاً من الرسل وما آدري ما يُفعل بي ولا بكم إن أتبع إلاّ ما يوحى إلّي وما أنا إلاّ نذيرٌ مبين ) . والآية تقول إن النبي مكلف شرعاً أن يقول للناس

( ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) آي لا تعتقدوا أن جميع حقائق الكون والطبيعة قد كشُفت لي , فلو سألتموني عن الساعة وعن وقتها فإني لا أعلم بها , وعدم العلم بذلك ليس نقصاً في نبوتي , فعدم العلم ليس دليلاً على عدم النبوة إذلا تلازم في البين .

فلقد مرّت على الإنسانية موجات من الرسل والأنبياء , وكان علمهم عارضاً ليس بذاتي , ومكتسباً من عند الله , والأنبياء قبل الوحي لا يعلمون كثيراً من مفاهيم

جدل الكون الطبيعة وجدل الإنسان التاريخ إلاّ بتعليم من عند الله عن طريق الوحي , وكلمة

( إلاً ما يوحى إلّي ) تعني أن كل أمر أو نهي فيه وحي أعلمه , وكل أمر أو نهي ليس فيه وحي لا أعلمه ـ أجهله ـ وهذه القاعدة أصولية عقلية ومنطقية ولا يجوز الأعتقاد على خلافها .

ولكن مثال الكافي يقول : ـ آي رسول لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير فليس بحجّة الله على خلقه ـ فهل هذا يوافق مضمون الآية ـ9ـ من سورة الأحقاف ؟ وهل يمكن للنبي ان يعلق الحركة الطبيعية والسنن التاريخية على مفاهيم تخالف القرآن ؟ وإذا كان كذلك فما علاقة الرماة في جبل عينين ـ أحد ـ بهزيمة المسلمين وخسارتهم للمعركة ؟ بمعنى أدق ؛ وماهو الشئ الحقيقي الذي يحكم جدلية السنن التاريخية والمبادئ الطبيعية التي تحكم العملية الحربية من نصر أو هزيمة ؟

ولو كانت غريبة عن المعنى المطلوب ؛ فكيف يجب إذن أن نوافق بين الحديث والقرآن ؟ والقرآن صريح في تعليق العلم بالأشياء ـ بالوحي ـ إذ بغير الوحي ـ لا علم ـ آي الموافقة لجملة

( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) وهذا تناقض بديهي مع الحديث ؛ ومنه يتبن أن مثال الكافي مخالف للقرآن , إضافة إلى ضعف سنده ؛ وضعف السند والدلالة يسقطه من الأعتبار والحجية .

ومنه يتبين أيضاً أن هذا المثال هو من أخبار عبدالله بن القاسم البطل وهو ليس من كلام الإمام الصادق ؛ إذ يستحيل ان ينهي الإمام عن شئ ثم يأتي بمثله ؛ لأن ذلك تناقض وهو ممنوع عنهم .

وآية : ( وما كنت بدعاً من الرسل ) جاءت في مقام نفي العلم الذاتي ؛ وليس في مقام نفي العلم الغيبي الذي يهبه الله لنبيه متى شاء .

وقوله تعالى ( إن أتبع إلا ما يوحى إليّ ) الوحي هنا نوع من أنواع الغيب ؛ وهو يدل على أن علم الغيب عارض أو مكتسب من قبل النبي ونتيجة الأمر ان الآية في مقام نفي العلم الذاتي , والآية في مقام بيان العلم الذاتي الغيبي وهذا تعارض واضح ؛ فالعلم الغيبي للنبي (ص) مرتبط جدلاً بالوحي .

قال تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقِة إلا يعلمها ولا حبّة ِ في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) الأنعام 59ـ مفاتح :

جمع مَفتحَ لا جمع مفتاح ؛ لأن جمع مفتاح مفاتيح ؛ ولكن مَفِتح كمسجد بمعنى الصندوق أو الخزانة التي تحفظ بها الأشياء ؛ والغيب ما أستأثر الله بعلمه , وهي تعني أن عند الله خزائن الغيب ؛ فقد قال تعالى :

وعندة مفاتح الغيب ) وهي كناية عن القدرة الكاملة على كل الممكانات ( وإن مفاتحه للتنؤ بالعصبة أولي القوة ) (القصص :67) . وهي تأتي بمعنى الخزائن لا المفاتيح كما أشتبه به غير واحد . ( .

( وإن من شئ إلا عندنا خزائنه ) الحجر : 21)

(كتاب مبين ) : ذهب جمع من المفسرين للكتاب على أنه يعني ـ القرآن ـ والأمر ليس كذلك لأن (كتاب مبين ) يعني ـ اللوح المحفوظ ـ كما ان أم الكتاب هي الآيات المحكمات التي عرّفها الله سبحانه بقوله :

(منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أمُّ الكتاب) آل عمران :7

وهو مصطلح لمعنى واحد ورد في الكتاب ؛ آي لا يمكن ان يكون لهذا المصطلح معنىّ حقيقي وآخر مجازي بل معناه الوحيد هو ما عُرِّف به ؛ وهو مجموعة الآيات المحكمات ؛ والآيات المحكمات هن مجموعة الأحكام التي جاءت إلى النبي ؛ والتي تحتوي قواعد السلوك الإنساني ـ الحلال والحرام ـ آي الجانب العباداتي والمعاملاتي والأخلاقي ؛ وليس تعني منبع العلم أو فاتحة الكتاب . ولهذا لا يصح القول بأن القرآن كان في أم الكتاب أو أنه رشحٌة من رشحاتها . فكتاب جاء ـ نكرة ـ والقرآن معرفة ؛ والقرآن جزء الكتاب وهو ما يتعلق بالغيب والقصص التأريخي والقوانين التاريخية والطبيعية والكونية ؛

والكتاب : مجموعة كتب في موضوعات شتى تتناول السلوك الإنساني والإخلاقي والتربوي والنظام التعليمي وجدل الخاص العام وأحداث التاريخ والعلم والطبيعة والنفس والفن والجمال وغيره ؛

والقرآن جزء هذا الكتاب ؛ آي إنه كتاب داخل الكتاب وليس هو الكتاب ؛ مطلق الكتاب ؛ ولكنه من باب تسمية العام بأسم الخاص وهذا ما نبه إليه علماء أصول الفقه كما ذكر ذلك الشيخ المفيد . ولذلك

جاء التأكيد للكتاب بالنزوع الأتي : ( ما فرّطنا في الكتاب من شئ) وهو ذكر عام للأصول والقوانين الكلية التي تحكم مفهومي الرسالة والنبوة ؛ حيث يُصار إلى تناسب طولي بين الحكم والموضوع فيهما .

إذن الآية مورد البحث تتعارض مع مثال الكافي تعارضاً يستحيل معه الجمع أو التأويل أو الحمل . وجاء في الكتاب ما يعارض الحديث كما في الآية 34 من سورة لقمان إذ ورد فيها . .

( إن الله عنده علم الساعة ؛ وينزل الغيث ؛ ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ؛ وما تدري نفسٌ بأي آرض تموت ؛ إن الله عليم خبير) .

ورد في نهج البلاغة ـ كلام لأمير المؤمنين ـ يُفهم منه للوهلة الأولى العلم بالغيب ؛ قال في حديثه عن المغول : ( كأني أراهم قوماً ؛ كأن وجوهم المجان المطرقة ؛ يلبسون السرق والديباج ؛ ويعتقون الخيل العتاق ؛ ويكون هناك ( أستحرار ) قتل حتى يمشي المجروح على المقتول ؛ ويكون المفلت أقل من المأسور) (نهج البلاغة الخطبة رقم 28) .

قال أبن أبي الحديد في شرحه للنهج : لقد شاهدت هذا الأمر بأم عيني ؛ وهذا ما قاله أبن الأثير في الكامل أيضاً ؛ فالذي قاله أمير المؤمنين : هو من علم الغيب الذي علمه إياه النبي ولهذا قال له أحدهم : لقد أعطيت علم الغيب يا أمير المؤمنين ! فضحك الإمام وقال للرجل وكان كلبيا من قبيلة كلب : يا أخا كلب ؛ ليس هو بعلم غيب ؛ وإنما هو تعلم من علم ؛ فعلم الغيب هو العلم المختصّ بالله وحده ؛ مع العلم أن الذي يحصل للإنسان بالتعليم في قضايا تاريخية وطبيعية يقال له ـ غيب ــ ولكن المراد هنا بعلم الغيب ؛ علم الله الذاتي وهذا ما أستأثر الله به ولم يعطه لأحد ألبتة . والعلم الذي يعلمه النبي عن طريق الوحي ليس غيباً بالمفهوم المراد من كلام الإمام فالعلم الحاصل بالتعليم ليس غيباً ولو تحدث عن أحداث المستقبل وقضاياه وإنما علم الغيب ـ علم الساعة ؛ وما عدده الله سبحانه بقوله :

( إن الله عنده علم الساعة , وينُنزل الغيث ؛ ويعلم ما في الأرحام ؛ وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ؛ وما تدري نفسٌ بأيّ أرض تموت ) .

. وهذه الآية تخالف حديث الكافي روحاً ومضموناً ؛ مع العلم أنه يستفاد من جملة . ( عنده علم الساعة ) العلم بوقت القيامة المختص بالله وحده ؛ ) .

وذلك لتقدم لفظة ـ عنده ـ على ـ علم الساعة ــ كما ورد في لفظ آخر ( إليه يُرد علم الساعة ) فصلت : 47) و ( يسألك الناس عن الساعة قل علمها عند ربي) الأحزاب 63 ) فالعلم بوقت القيامة خاص بالله وحده ؛ والجمل التي وردت بعد هذا اللفظ لحنها لا يدل على الحصر ولا مانع منه ؛ إذ يمكن أن يُعلم الله أخبار المستقبل لأنبيائه بالوحي أو بالإلهام ولا مندوحة في ذلك . ومنه نعلم أن الآية 34 من سورة لقمان تعارض حديث عبدالله بن القاسم البطل الذي ورد ذكره في أصول الكافي ؛ ولكن لا بد من بيان أوجه التعارض بين الآية والحديث فنقول :

1 - (إن الله عنده علم الساعة) يعبر اللغه في هذا البياان عن نفسه ويحصر العلم بوقت القيامة به وحده من خلال لفظة ـ عنده ـ المتقدمة على علم الساعة بيانياً الدالة على الحصر ؛ إذ لم يقل إن الله علم الساعة عنده ؛ فلو كانت كذلك لما دلت على الحصر ؛ وعليه يصبح معنى الآية مع تقدم لفظة ـ عنده ـ إن علم الساعة عند الله حصراً ؛ ولكن آي شئ من علم الساعة عند الله ؟ هل أخبار الساعة وأشراطها ؟ أم العلم بالكيفية ؛ أم العلم بالمكان والزمان ؟ أم بالوضع الآلي العام ؟ ( ولو قرأنا الآية 187 من سورة الأعراف . ( يسألونك عن الساعة آيان مرساها قل إنما علمها عن ربي ) . .

مرساها : آي زمان وقوعها ؛ ومُرسَي أسم زمان ؛ وأيضاً أسم مكان ؛ وكذلك مصدٌر ميمي , والظاهر أنها جاءت هنا كمصدر ميمي . أرسى يرسي آي أثبت يثبت يعني زمنها ثابت , أو إن زمنها الذي يثبت عنده تحقق الوعد الإلهي . ويظهر أن السؤال فيها عن الزمن الوقت لا عن الكيفية , آي معرفة وقت وزمن يوم القيامة ـ الساعة ـ ( قل إنما علمها عند ربي ) فعلم الساعة ووقتها منحصرٌ بالله وحده , والجواب منه تعالى ينسجم مع طبيعة السؤال ؛ ولما كان السؤال عن الوقت ؛ فالعلم به منحصٌر عند الله .

2 - ( (وينزل الغيث ) في هذا النص لا حصر مطلقاً , ولكن هل الأمر مختص بالله وحده أم لا ؟ الآية لم توضح لنا ذلك ؛ ولكن الأحاديث والأخبار أكدت على الحصر بالله وحده ؛ كما ورد ذلك في نهج البلاغة الذي أعتبر أمير المؤمنين فيه ذلك من علم الغيب ؛ وكذلك ما جاء في تفسير ( نور الثقلين ) الحديث ـ 107 ـ : عن أبي جعفر

قال : إن لله علماً عاماً وعلماً خاصاً فأما الخاص فالذي لم يطلع عليه مَلك مقرب ولا نبي مرسل , وأما علمه العام فالذي أطلعت عليه الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون , وقد وقع ذلك كله إلينا أو ما تقرؤوا :

( وعنده علم الساعة وينزل الغيث ) ؛ ومنه يتبين بأن هذه الآية من العلم الخاص الذي أستأثر به الله دون ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين .

وكذلك الحديث ـ 108 ـ من كتاب ـ الخصال ـ للصدوق : عن أبي عبد الله : ألا أخبركم بخمسة لم يُطلع الله عليها أحداً من خلقه ؟ قال : قلت بلى : قال : إن الله عنده علم الساعة ويُنزل الغيث ... والذي قال عنه أمير المؤمنين في الخطبة 28 من نهج البلاغة : فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحدٌ إلا الله . ومن هذه الأخبار نفهم أن آية (ويُنزل الغيث ) مرتبطة جدلاً بمفهوم العلم بنزول الغيث ولا شئ آخر . .

ولكن جاز أن نسأل كيف أستطاع أمير المؤمنين حصر نزول الغيث بعلم الغيب الإلهي ؟ ربما يكون الحصر مستفاداً من لحن الآية وخطابها البياني ؛ والآية رقم 34 سورة لقمان في مقام ذكر بعض الأشياء التي ينحصر العلم فيها عند الله ؛ وهي ترتبط جدلاً بالجانب النفسي للإنسان الملاحظ بمفهوم الغيب بشؤون الرزق والكسب والربح والخسارة وهكذا ؛ والغيب في الآية مستفاد من الأخبار الواردة في هذا المقام .

ولكن ما العلم المرتبط بنزول الغيث ؟ هل عدد قطرات المطر ؟ أم معرفة نزول المطر وزمنه ووقته ؟ وهل كل ما يختص بنزول الغيث يرتبط بعلم الله ؟ , يظهر أن المراد بعلم الله بقضية ـ نزول الغيث ـ يتعلق بعدد قطراته ؛ ولكن هذا المراد لا ينفي الأشياء الأخرى ؛ والقدر المتيقن من ذلك عدد قطرات المطر لأنها جزء من العلم كما يبدو من الحديث الذي ينقله الكشي في رجاله :

روي الكشي بسنده عن حمدوية ـ حمدوية كان أستاذاً للكشي ؛ وأسمه حمدوية أبن نصير بن شاهين كان كثير العلم والفقه والرواية ؛ روي عنه الكشي بلا واسطة ، قال حدثنا يعقوب بن يزيد عن أبن أبي عمير ؛ عن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال :

قلت لأبي عبد الله ، إنهم يقولون !! قال : وما يقولون ؟ قلت : يقولون تعلم قطر المطر ! وعدد النجوم ! وورق الشجر ! ووزن ما في البحر ! وعدد التراب ! فرفع يده إلى السماء وقال :

سبحان الله ! سبحان الله ! لا والله ما يعلم هذا إلا الله ـ رجال الكشي ص 299 رقم 532 ـ .

1 - يعقوب بن يزيد : قال صاحب جامع الرواة إنه كان ثقة صدوقاً .

2 - أبن أبي عمير ؛ محمد بن أبي عمير البغدادي ثقة من أصحاب الإجماع ؛ ومن الطبقة السادسة.

3 - شعيب القرقوفي : أبو يعقوب أبن أخت أبي بصير ـ يحيى بن القاسم ـ روي عن أبي عبدالله وأبي الحسن ثقة عين .

4 - أبو بصير: يحيى بن القاسم ثقة من أصحاب الإجماع ؛ ومن الطبقة الرابعة.

الحديث صحيح من جهة السند ؛ وصحة السند من القرائن التي تساعدنا على فهم معنى ـ ينزل الغيث ـ وأرتباطه بعلم الله الخاص ؛ وهذا الحديث حدّد لنا القدر المتيقن لمعنى الغيث بالعدد ؛ وبذلك يكون جواباً عن السؤال الذي طرحناه عن المراد من معنى العلم المرتبط بنزول الغيث .

3 - ( (ويعلم ما في الأرحام ) وهذه الآية كذلك لا حصر فيها , ولكن صدر الآية وآخرها , والأخبار دلت على المراد منها ـ العلم بما في الأرحام ـ وهو ما يختص الله بعلمه . ولكن ما المراد من ذلك العلم ؟ هل هو الصفة الجمالية وما يتعلق بها من شكل ولون البشرة وطول وقصر الجنين ؟ أم هو العلم بالذكورية والأنثويه ؟ أم العلم بفسلجة الأعضاء والتراكيب البيولوجية ؟ وماذا نفهم من لفظة ـ ما ـ الواردة في سياق الآية ؟ .

لنقرأ ما في نهج البلاغة فلربما دلنا على الإجابة حول هذا الموضوع ؛ أولاً قد نعجب لأمير المؤمنين من قوله : ليس هو بعلم الغيب ؛ وإنما هو تعلم من ذي علم ! ثم ذكر علم الغيب بقوله : وإنما علم الغيب علم الساعة وما عددّ الله بقوله : ( إن الله عنده علم الساعة .. ويعلم ما في الأرحام .. ) قال في شرحه للآية : فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى ؛ وقبيح أوجميل ؛ وسخي أو بخيل ؛ وشقي أو سعيد , ومن يكون في النار حطباً أو في الجنان للنبيين مرافقاً .

لا حظ كيف بين أمير المؤمنين ضمناً أن لفظة ـ ما ـ شاملة لجميع الشؤون التي يمر الإنسان منذ تكوينه جنيناً في بطن أمه حتى مسيرته الأرضية ونهايته بالموت ثم البعث والقيامة والنشور والحياة الخالدة الأخرى وشكل مصير الإنسان فيها ؛ كان ذلك معنى كلمة ـ ما ـ ومتعلقاتها في النشأة الأولى والأخرى .

وكذلك نستفيد من كلام أمير المؤمنين هذا بأن ـ ما في الأرحام ـ علم يختص به الله وحده ؛ واما المتعلق بالعلم فقد حُذِف ؛ لذلك أصبحت الآية تفيد العموم والشمول وليس الخصوصية والتقييد ؛ والجواب منه : ردٌ للشبهات التي يطلقها بعض أنصاف المتعلمين على أن الآية قد نسُخت وأن جهاز فوق الأمواج الصوتية ـ الإيكو ـ قد كشف عما في الأرحام ؛ كشف نوع الجنين ذكراً كان أم أنثى وفي الأيام الأولى للحمل .

والواقع أن الآية جامعة طاردة ليس فيها خصوص بمعنى ـ الذكورية والأنثوية ـ حتى يمكن الطعن فيها أونسخها كما أدعى البعض , بل هي بيان لمطلق العلم بكل حالات وشؤون الحياة التي يمر بها الإنسان منذ تشكله الأول . وأنعقاده نطفة في رحم الأم حتى عروجه إلى عالم الملكوت والحضرة الأبدية الأحدية .

والكلام حول حصر مفهوم الأية برحم الأم لا يُستفاد من الآية ؛ بل المستفاد منها العموم , آي كل حالات وشؤون الإنسان يعلمها الله . ولكن قد يرُد السؤال على النحو الآتي :

.

هل يحق للنبي : أن يقول ــ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ــ إذا كان علم ذلك مختصاً بالله وحده ؟

فلوقلنا : بالاستثناء في هذا المقام , إذن فلا أختصاص لله في ذلك الأمر , والحال أن علم هذا الأمر لم يعرفه النبي آي لم يعلمه , لأن هذا القول ينفي عمل الإنسان من عبادات وسلوكيات . وقد جاء الخبر متواتراً عنهم بالجد والأجتهاد تحقيقاً لمرضاة الله . ودخول الجنة من متعلقات فعل الإنسان نفسه وليس هو من الموهوبات التي يمكن ان يهبها أحدٌ لأحد ؛ حتى يقال : إن النبي قد قال كذا , مع عقيدتنا فيهما أنهما سيدا شباب أهل الجنة وزينتها , وهذا الأعتقاد مرتبط بعملهم هم ولطف منه سبحانه وتعالى , إضافة إلى ان حديث ـ سيدا شباب أهل الجنة ـ رواه جماعة من أهل التدليس والكذب منهم سويد بن سعيد الأنباري الذي قيل فيه إن حديثه منكر ؛ ضعيف

وأيضاً هل يحق للنبي ان يبشر العشرة بالجنة ؟

فحديث العشرة المبشرة باطل يقيناً بمعناه المترسخ في ذهن العامة ؛ وإنه من الأحاديث التي جاءت بها يدُ السياسة كالحديث الأول , ولو صح الحديث لبطل الأختيار ولوجب الجبر في حين عُلق دخول الجنة بالعمل الصالح وليس بالتزكية أو بالقرابة والأحساب والأنساب , ولو صح هذا فما معنى قول النبي ـ يا علي أعمل , يا حسن أعمل , يا حسين أعمل , يا فاطمة أعملي , والله لة عصيتُ أنا لهويت ـ

إن مهمة إعادة كتابة التأريخ تظهر هنا واضحة , إذ يجب معها إعادة قراءة وتصحيح للاعتقاد على ضوء القرآن والعقل ضمن ضابطي الموافقة والمخالفة آي البُعد والقرب من مضمون العقل والقرآن ! والإعادة لازمة للتوثيق وضرورة لفهم طبيعة الكتب التي أوردت هذه الأخبار , ويجب رفع حالة التقديس المصون على بعض الكتب كنهج البلاغة الذي نعتقد أنه ليس كل ما جاء فيه لعلي بن أبي طالب , بل فيه المراسيل والضعاف واللاسند لها والموضوعات والتناقض وفيه مخالفة لبعض النصوص القرآنية , وعليه يجب إعادة النظر فيه وتهذيبه وتنقيحه , وقد دعا جماعة إلى ذلك نرجو ان تتم قراءته بشكل يحفظ لعلي بن أبي طالب مكانته الطبيعية اللائقة في الوسط الإسلامي والفكر الإسلامي .

4 – (وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ) هناك فرقٌ جوهريٌ بين لفظة ماذا يفعل ؟ ولفظة ماذا يكسب ؟ والآية لم تقل : ـ وماتدري نفسٌ ماذا تفعل غداً ـ بل قالت : ـ وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ـ وعليه يجب ان نتعرف أولاً على معنى ـ الكسب ـ قال الراغب في المفردات : الكسب كل ما يتحراه الإنسان مما فيه أجتلاب نفع وتحصيل حظ ككسب المال ـ لها ماكسبت وعليها ما أكتسبت ـ وكلمة ـ غد ـ لها مصداق عام لمفهوم ـ الغد ـ آي اليوم المعين , ومطلق الغد للايام القدمة ,

ويعني ذلك كل ما يتعلق بالمستقبل وشؤونه , وجملة ـ وما تدري نفسٌ ـ جملة في سياق النفي الذي يُفيد العموم , آي إن هذا النفي بعمومه يشمل النبي وغيره .

ولو أردنا أن نطبق مفهوم ـ ماذا تكسب غداً ـ على مصاديقه في التاريخ الإسلامي لوجدنا أن النبي مثل المصداق الأبرز لها في معركة أحد , فلو سُئل النبي قبل المعركة ـ ماذا تكسب غداً ـ لقال : الله أعلم . فالآية شاملة لهذا الموضوع .

ونفس الشئ يجري على أمير المؤمنين في معركة صفين فلو قيل له : ماذا تكسب غداً ؟ لأجاب : الله أعلم . ولكن هل هذه الآية قابلة للتخصيص ؟ بعبارة أدق : هل يمكن أن يكون علمها عند غير الله ؟ الظاهر ان قبول التخصيص أولاً مسألة تتعلق بالمستثنى والمستثنى منه ؛ فالموارد الكلية في الآية مطلقة وغير قابلة للتخصيص والأخبار تؤكد على أختصاصها بالله وحده وشمولها لغيره يحتاج إلى دليل .

فالإمام الحسن لما تحرك من الكوفة قاصداً معافبة معاوية لتمردة على الحكم الشرعي , كان مع الإمام أربعين ألف مقاتل , وكان على رأسهم عبيدالله بن العباس الذي ما برح أن التحق بجيش معاوية بعد أن أغراه بالمال والوعود , فذهب مع أربعة آلاف مقاتل , فلو سُئل الإمام الحسن قبل هذا : ماذا تكسب غداً ؟ لأجاب : الله أعلم , إذ يقول ـ وماتدري نفسٌ ماذا تكسب غداً ـ .

والواقع أن قضية التحاق عبيد الله بن العباس له علاقة بمسألة ـ علم الإمام ـ وتثير مجموعة أسئلة حولها . فلو قلنا جدلاً بأن علم الإمام غير محدود وغير متناه وانه يعلم في الظاهر والباطن , فعند ذلك يكون التحاق عبيد الله بن العباس بمعاوية يعلمه الإمام الحسن من قبل الألتحاق , وفي ذلك يكون الإمام الحسن مشاركاً لعبيد الله في جريمته وخيانته , وإلا كيف يوليّه إمرة الجند وهو يعلم بنواياه ؟

والأمر نفسه نقوله في قضية تولي زياد بن أبيه إمارة البصرة وولاية الأهواز في عهد امير المؤمنين ـ مع انه قد ورد في التاريخ أن نسب زياد فيه خدش , والخدش في النسب وصحة المولد يجعل من قضية ولايته محط تامل , وان بعض متفقهة هذا العصر منعوا من أمامة المجهول الحال وأبن الزنا فتامل .

5 - ( وما تدري نفسٌ بآي أرض تموت , إن الله عليم خبير ) سياق النفي في الآية يُفيد العموم , وقد قال صاحب ـ نور الثقلين ـ ج4 ـ ص 219 ـ نقلاً عن كتاب ـ من لا يحضرة الفقية ـ للصدوق تفسير الآية قال تعالى ـ وماتدري نفسٌ بأي أرض تموت , من قدم إلى قدم ـ آي ليس في الكون نقطة خاصة معينة يمكن ان يتيقن فيها ـ بأنها الأرض التي يموت فيها ـ وهذه الآية وكما بينت الأخبار علمها مختص بالله وحده , ولكن هل الآية تقبل التخصيص أم لا ؟

هناك قاعدة أصولية تقول : ما من عام إلا وقد خصّص ! آي إن العمومات لها قابلية التخصيص أو إن في إمكانها التخصيص , ولكن هل تجري هذه القاعدة في كل الموارد ؟

الواقع أن بعض العمومات قابلة للتخصيص والبعض الآخر لا يقبل التخصيص , فمثلاً بعض القواعد العقلية لا تقبل التخصيص بسبب ماهيتها , فالظلم مثلاً الذي هو ـ قبحٌ عقلي ـ لا يمكن فصله عن مطلق الظلم وتخصيصه , إذ إن نفس الماهية لا تقبل التخصيص ؛ وهذا دوماً يجري في الحسيات والعقليات , وكذلك نفس العبارة ولحن الجملة ربما لا يقبل التخصيص ؛ اللحن الذي لا يقبل التخصيص لا يجوز تخصيصه , ولو خصص للزم التناقض . ولكن بعض العبارات قابلة للتخصيص كقولك : ـ أكرم العلماء ولا تكرم الفساق ـ فلفظة ـ العلماء عامة ولكنها تخصص بإخراج الفساق منهم , والمخصص هو المفسر للعام ولا تناقض بينهما إطلاقاً , أي إننا في الحوار والجدل الشعبي لا نسمي هذا الكلام تناقضاً , لأن التخصيص هو بيان للعام وإظهارٌ له , ومن هنا جاءت فكرة المطلق والمقيد في اللفظ ؛ فالتقييد هو تفسير للاطلاق , والمقيد هو المفسر للمطلق , أي إن الأول مفسر للأحق .

فلو قال المتكلم ـ أعتق رقبة ـ وقال في البيان ـ أعتق رقبة مؤمنة ـ فلا تناقض في العبارتين من الناحية العرفية , بل إن منهج الحوار العرفي هو هذا تماماً , ولكنك أحياناً تجد أن العبارة لا تقبل التخصيص كما في الآية 187 من سورة الأعراف قوله تعالى : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ) فلو ضرب لنا الله سبحانه وتعالى مخصصاً للآية سواء أكان منفصلاً او متصلاً . فالآية فيها سؤال عن يوم القيامة والجواب فيها ب إنما علمها عند ربي ـ آي إنه لم يقل بأنها مشروطة بتعليمي إياها للنبي ـ ولو قال ذلك لأصبح الكلام لغواً , وهو تناقض وتعارض وخروج من أدب الحوار وفنونه ورسومه عرفياً ,

ولو قال ذلك فرضاً لخالف البيان العربي , وفصاحته وبلاغته , ولكن لماذا ؟ لأن صدر الآية يقول أنهم : يسألونك عن الساعة و يسألونك عن وقتها ؟

والآية في ظاهرها بمقام نفي علم النبي ـ يسألونك عن الساعة قل إنما علمها عند ربي ـ ولفظة ـ إنما ـ تفيد الحصر , أي لحصر الجزء الأول في الجزء الثاني من الآية آي إن الذي يعلم الساعة ووقتها هو الله وحده فقظ .

إذن فالآية في مقام بيان نفي علم النبي بوقت القيامة . آي النفي العام المطلق ؛ ولكن ماذا لو أضفنا إليها علم النبي بيوم القيامة ؟ هذه الإضافة تستلزم التناقض والخروج عن أدب الحوار المعرفي العربي , لأن القضية ليست من باب الخصوص والعموم ولا من باب المطلق والمقيد حتلى يمكن الإضافة إذ لا شئ من هذا القبيل , ثم إن مفهوم الخصوص والعموم يجب أن يراعي فيه قانون الحوار العام وآداب العرف ورسومه , فمثلاً ـ أكرم العلماء ولا تكرم الفساق منهم , فالمراد الحقيقي هو أكرام العلماء إلا الفساق منهم , أي لإخراج الفساق من باب الإكرام , وهذا ما يفهمه العرف من آدب التخاطب والحوار .

وهو قانون كوني عام , إذ في البداية يُصاغ القانون بشكل كلي ومن ثم يأتي تفسير القانون وإيضاحه ...

فلو قلنا : إن رسول الله كان لا يعلم بيوم القيامة في بداية الأمر , ثم نقول : يجب تخصيص هذا القول , ولكن وجوب تخصيص هذا الأمر هنا تناقض لا محال . إذ لا يجري مفهوم التخصيص كما نفهمه من اللغة , فالقائل لم يراع بذلك أدب الحوار وفنونه العرفية المعرفية في لغة الخطاب .

قال صاحب الميزان ـ العلامة الطباطبائي ـ إن علة عدم علم النبي بيوم القيامة , لأن النبي محدود من جهة الوجود , ومحدود من جهة العلم , ومحدود من جهة القدرة , والقيامة ليست محدودة بحدود الدنيا , فالدنيا لها نظام فعلي معين محدود , ووقت القيامة لا يمكن ربطه بهذه المحدودية وهذا النظام , إذ لا يستطيع أحدٌ أن يعلم النظام الكوني بإطلاق ـ ما قبل وما بعد ـ آي قبل زمنه وقبل علته , وعلم هذا ينحصر بالله وحده لأنه الأول والآخر ... وهنا ينفي صاحب الميزان علم النبي بيوم القيامة وهو الحق , ثم يأتي بعد ذلك ويستثني النبي وهذا كما ترى تناقض واضح وصريح ...

تبين من الأخبار وما ورد في نهج البلاغة الخطبة رقم 128 أن الآية 34 من سورة لقمان تتحدث عن خمسة علوم أختص الله بمعرفتها ؛ ففي نهج البلاغة وردت عبارة : فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحدٌ إ لا الله . وهذا التأكيد منه ـ جاء بعد أن عدد هذه العلوم الخمسة , وما دون ذلك ؟ فتعلم من ذي علم .

إذن الآية تحصر علم هذه الأشياء عند الله وحده , والأخبار جاءت لتبين هذا المعنى وتصبغ عليه صفة الديمومة والإطلاق ؛ وكذلك جاءت لتوكد على أختصاص علم الله بهذه الأشياء دون سواه , وما عند النبي من الله عن طريق الوحي النازل عليه , وهو بدوره علّمه الإمام , إذن يمكن القول إن مفاد الآية والأخبار الواردة في هذا المجال يبين سياقها وسباقها آنها تدل على النفي وهي بذلك تفيد العموم , وتنفي علم النبي أو غيره بهذه الأشياء , وتؤكد بأن علم هذه الأشياء مختص بالله وحده , وهذا هو الظاهر من لحن الآية وسياق الأخبار فتأمل .

ذكر البعض أن آية ( ويسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ) الأعرف : 187 ـ

هي في مقام جواب بعض جماعات أهل الغلو والتظرف ؛ والذين يعتقدون بأن الرسول يعلم بوقت القيامة . وهو جواب لجملة ـ يسألونك عن الساعة ـ وهم يقولون بان النبي يعلم بوقتها ويومها ؛ ولكن ما سر هذا القول والأعتقاد ؟

وما هو منشؤه ؟ الظاهر أن علة ذلك تقوم على العاطفة وهي لون من العشق الزائد عن الحدّ ؛ وهذه العلة تؤكد صفة الأعتقاد تلك , خاصة إذا كان المعشوق هو رسول الله مجمع الكمالات الإنسانية والصفات الحميدة , ولأنه يمثل السفارة الإلهية إلى الأرض والمبعوث رحمة للعالمين ؛ والنازل علية الوحي بأخبار السماء واخبار الكون والحياة الطبيعية والتاريخ ومطلق الحقائق الموضوعية الخارجة عن الوعي البشري ؛ فلذلك قيل إنه لابد ان يكون النبي عالماً بمطلق الغيب في موازات كمالاته وصفاته , وهذا التعليل يظهر في خطاب الآية صريحاً من خلال ـ يسألونك ـ وجوابها ـ قل علمها عند ربي ـ ومفهوم الخطاب وجوابه يُظهر بطلانِ ذلك التعليل

: