تحقيق حول مقتل أبي مخنف :

أبو مخنف هو ، لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الازدي شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم روي عن الإمام الصادق (ع) وله كتب عديدة ومن بينها كتاب مقتل الحسين (ع) (2) راجع رجال النجاشي ص 320 طبع ايران

وهذا المقتل يتناول موضوعة ثورة الإمام الحسين (ع) وأحداثها وقصة أستشهاده (ع) . ولايوجد هذا المقتل في أعصارنا مستقلاً ككتاب بأيدينا ، ولكنه يأتي ضمن تاريخ الطبري ، والطبري * توفي الطبري سنة 310 هجرية . روي أحداث وقعة كربلاء عنه خاصة ومقتل أبي مخنف الذي بيد الطبري يعتبر من أقدم النصوص التاريخية في موضوع وقعة كربلاء وثورة الإمام الحسين (ع) وهو دون شك من المراجع التاريخية المعتبرة لدى علماء التاريخ ...

ولكنه يوجد كتاب تحت أسم ( مقتل أبي مخنف ) طبع مرات عديدة في بومباي وبغداد والنجف وايران ، وأيضاً طبع مع الجزء العاشر من بحار الانوار . ( هذا المقتل طبع بعهد ناصر الدين شاه ويبدأ من الصفحة 356 مع العلم أن تاريخ كتابة الجزء العاشر من البحار سنة 1286 هجرية ) .

أن هذا المقتل مجهول المؤلف وأيضاً مجهول زمن التأليف ، والراجح عند أهل الخبرة أن هذا المقتل غير المقتل المأخوذ عن لوط بن يحيى المشهور بأبي مخنف ذلك المؤرخ الجدير ، والذي مرت ترجمته عن النجاشي والذي ورد ذكره في النصف الأول من القرن الثاني الهجري . أذ أن بين النقلين تفاوتاً واضحاً ، مضافاً إليه فأن هذا الكتاب الأخير يحتوي على مطالب باطلة مما تجعله دون حدود الاعتبار اللازمة في الكتب التاريخية ، وجدير أن يسمي هذا المقتل ( بالمقتل الجعلي الموضوع ) حتى يفرق بينه وبين المقتل المعتمد الوارد في كتاب الطبري .

قال الشيخ النوري في تعليقه على مقتل أبي مخنف : ( .. أبو مخنف لوط بن يحيى من كبار المحدثين في الأخبار والسير والتواريخ ، ومقتله  معتمد لدينا ونقل عنه أعاظم العلماء قديماً ، ومقتله الاصلي خالي من العيوب والمنكرات ، وأما ما ينسب إليه من هذا المقتل المتداول والذي يحتوي على منكرات ومخالفات لأصول المذهب ، فأن حتماً دسها في داخله الأعداء والجهال تبعاً لآهوائهم المريضة مما يجعله ساقطاً من الاعتبار والوثوق .. ونرى في أعصارنا من هذا المقتل نسخاً متفاوتة زيادة ونقصاً ناً .. ) (1) اللؤلؤ والمرجان ص 156 ـ 157  طبع ايران .

ويقول المحدث القمي ( .. لوط بن يحيى أبو مخنف توفي سنة 157 هجرية مؤرخ مشهور له كتاب ( مقتل الحسين ) الذي نقل عنه أساطين العلم ، ولكنه مفقود الآن ولا توجد من نسخه ، واما الذي بين أيدينا من المقتل فينسب إليه في حين ليس له ولا لأحد من المؤرخين المعتمدين ... ومن أراد تصديق ذلك فليقابل ما في هذا ومانقله الطبري وغيره عنه ..) (2) الكتى والالقاب ج 1 ص 155 القمي طبع بيروت .

وقال أيضاً : ( ماورد في المقتل المنسوب لأبي مخنف لم يرد في المصادر الأخرى ..) (3) نفس المهموم ص 5 طبع ايران .

وقد رد العلامة عبد الحسين شرف الدين نسبة هذا الكتاب إلى أبي مخنف واعتبرها باطلة . وقال ( أن كتاب مقتل الحسين والمتداول بأيدي الناس والمنسوب لأبي مخنف يشتمل على قصص لم يطلع عليه أبي مخنف لأنها نسبت الكذب إليه .. ) (4) مؤلفو الشيعة في صدر الإيلام ص 42 طبع بيروت . كان ذلك رأي ثلاثة من أهل التحقيق فيما نسب لأبي مخنف من مقتل ، وقد أكد جميعهم بأن نسبته إليه باطلة لما يحتوي على مطالب وقصص كاذبة تخالف أصول المذهب . ومنه يتبين أن المقتل الصحيح لأبي مخنف ليس متداولاً بين الأيدي .

وهذا المقتل المنسوب لايعتد بمروياته وهو لايعدو كونه أحد الموضوعات ، ولما حاولنا نحن التطبيق بين ما جاء عن الطبري وهذا المقتل وجدنا فارقاً شاسعاً لايخفى على اهله ، بل الفرق كأنه بين السماء والأرض , وعليه فنحن نرد هذا المقتل كما رده من قبل أساطين العلم والبيان ولا نعتد بما جاء به .

ولما تبين لنا بعد التحقيق كيفية هذا المقتل نقول : أن عبارة نوم الإمام (ع) عند قبر جده (ص) أنما وردت به  وخاصة في الكتاب الذي طبع ببغداد كما في الصفحة 13 ــ 14 ولكن الطبري لم ينقل لنا هذه الحادثة .

ملاحظة : عند قراءة المناقب لأبن شهر آشوب يظهر أنه أخذ هذه الحكاية عن المقتل المنسوب لأبي مخنف والذي كتب في القرن السادس الهجري ، وفي حين لم يتوجه أبن شهر آشوب إلى كنه هذا الكتاب وأهميته ولذلك نقل عنه مطالب كثير منها قوله : ( قال أبو مخنف : أنه لما سقط الحسين (ع) إلى الأرض ، حمل جواده على معسكر الأعداء فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم عاد إلى الحسين يمرغ أنفه بدم الحسين متجهاً إلى المخيم محمحماً باكياً ) (1) المناقب ج 4 ص 58 طبع ايران .

وقد ورد هذا النص في المقتل المنسوب لأبي مخنف مع بعض الاختلاف البسيط كما في الصفحة 83 من طبعة بغداد ولكنه ورد في النسخة التي عند أبن شهر آشوب ؛ أن جواد الحسين قتل من الاعداء أربعين رجلاً ، وقد وردت العبارة كما في نسخة بغداد : أن جواد الحسين قتل خلق كثير .. وهذا الاختلاف في المتون هو ما نبه إليه الشيخ النوري بقوله : ( وقد وقع الأختلاف في نسخة زيادة ونقصانا ..) أن هذه المخارق الكارتونية لاتقوى أمام الدليل العلمي العقلي الذي يستهدي إلى الأمور عبر مخارجها المعقولة والمنطقية ، وليس سرأً أن هذه الخزعبلات جاءت بلسان القصاصين واهل الحكاية أمثال الاسفرائيني الذي قال : أن جواد الإمام قتل من جيش ابن سعد عدة  كبيرة تارة بأسنانه وأخرى برجليه (2) نور العين ص 28 الاسفرائيني طبع ايران

المشكل الخامس :

ذكر في بعض الكتب أنه لما عبر موكب سبايا آل محمد (ص) شوارع الكوفة ، أعطى أهل الكوفة للسبايا بعضاً من الخبز والتمر صدقة ولكن أم كلثوم بنت علي (ع) رفضت ذلك وقالت : ( الصدقة علينا حرام ) . وعند تحقيقنا لمجريات احداث القصة في بطون الكتب المعتمدة عند أهل التحقيق والتي أهتمت بشكل خاص بوقائع ملحمة كربلاء فلم نجد فيهن ذكراً لهذه القصة ، وإليك جدولاً مفهرساً بأسماء هذه الكتب التي بحثنا فيها عن هذه القضية :

1 الارشاد للشيخ المفيد ص 225ـ 226 .

2 تاريخ الطبري ج 4 ص 349 ـ 451 .

3 الاخبار الطوال للدينوري ص 231 ـ 232 .

4 تاريخ ابن عساكر ص 230 ـ 231  تحقيق المحمودي .

5 مقتل الخوارزمي ج 2 ص 39 ـ 54 .

6 الامالي للشيخ الصدوق المجلس 30 ـ 31 في مقتل الحسين (ع) .

 7- اللهوف لأبن طاووس ص 124 ـ 166 .

8 تذكرة السبط لابن الجوزي ص 256 ـ 260 .

9 تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 231 ـ 232 .

10 المناقب لآبن شهر آشوب ج4 ص 111 ـ 114 .

11 تاريخ ابن أعثم ج 5 ص 221 ـ 227 . 

12 _ كشف الغمة لعلي بن عيسى الاربلي ج 2 ص 275 ـ 279 .

13 مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الآصفهاني ص 118 ـ 119 .

14 أعلام الورى الطبرسي ص 246 ـ 247 .

15 الكامل في التاريخ لابن الاثير ج 4 ص 80 ـ 83 .

16 البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 189 ـ 195 .

17 الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 175 ـ 176 .

18 روضة الصفاء ج 3 ص 171 ـ 173 .

19 _ أنساب الأشراف ج 3 ص 206 ـ 210 تحقيق المحمودي .

20 الكامل للبهائي ص 469 ـ 472 طبع بومباي محرم 1323 هجرية .

وهذه الكتب جميعها لم يرد فيها ذكر لقصة الصدقة المزعومة تلك ، نعم وجدناها مذكورة ( في الصفحة 90 )   من المقتل المنسوب لأبي مخنف طبعة بغداد والذي سبق الحديث عنه ، كذلك وردت هذه القصة عند الأسفرائيني في كتابه نور العين الذي اعتبره اهل التحقيق ملئ بالكذب والمنكرات ، جاءت هذه المسألة عنده في ( الصفحة 41 ) ولكنه وضع بدل كلمة الخبز والتمر ــ كلمة الخبز وحدها ، كذلك ذكرها الطريحي في منتخبه في المجلس العاشر من الجزء الثاني ص 236 ، وهذا الكتاب الأخير يشتمل على مطالب باطلة غير معتبرة ..

المرحوم عباس القمي ذكر قصة الخبز والتمر من أهل الكوفة وممانعة أم كلثوم لذلك لكونها صدقة ، ذكرها القمي ضمن قصة مسلم الجصاص ، والقصة لدى أصحاب المنابر مشهورة ، وقد جاء في بعضها أن زينب لما رأت رأس الحسين على الرماح ورمت أحد النظارة بعصا أدمته بها ( أليست هذه تهمة لزينب مثال الكمال والصبر والأستقامة ؟ لأن الرواية تخرجها من الأتزان لتجعلها تنازع الأجانب ! ( أنها أهانة موجهة لأسطورة الصبر التي آزرت الحسين على عبء نهضته الكبيرة ) وقال المحدث القمي بعد أن ذكر قصة مسلم الجصاص : هذه القصة وان نقلها العلامة المجلسي ولكن مصدرها كتاب منتخب الطريحي وكتاب نور العين للاسفرائيني ولا يخفى على اهل الفن والدراية حال هذين الكتابين ... )(1) منتهى الإمال ج1 ص 296.

وما يريده المحدث القمي من تعلقيه السابق خبر مسلم الجصاص ، وتصدق أهل الكوفة على أفال الحسين (ع) : هو أنه حتى لو نقل المجلسي لهذا فأن مصدره الأول هو كتاب منتخب الطريحي وكتاب نور العين للاسفرئيني وهما ليسا حجة في باب الاعتماد عليهما ، فأهل الفن والبيان لايعتدّون كثيراً بما يأتي فيهما رواية ، ومن هنا فلا بد يعتدبخبر مسلم الجصاص ... أتضح لدينا من كلام المحدث امور ثلاث هي :

  1 - ان خبر مسلم الجصاص  وان نقله صاحب البحار بدون ذكره  للسند فأنه مما لا يغرب عن البال أن المجلسي أخذه عن كتابي الطريحي والاسفرائيني . 

2 اتضح بأن كتاب المنتخب للطريحي لايعتد به كثيراً .

3 وكتاب نور العين للاسفرائيني لا يعتمد عليه مطلقاً .

وهذه الامور التي نوه إليها المحدث القمي صحيحة وهي لدينا مورد تأييد ونضيف إليها هذا البيان :

أما حول الامر فنقول : وان كان العلامة المجلسي ذكر خبر الجصاص (2) البحار ج 45 ص 114 . ولكنه لم يذكر إلينا من أين جاء به ؟ ولم يذكر إلينا الكتاب الذي رجع فيه إليه ، وكذلك لم يذكر لنا سند الرواية ونحن نعلم أن هدف العلامة من البحار هو جمع الاخبار ليس إلا ، فهو لم يفرد لنا الصحاح منها دون غيرها ولهذا يندرج خبر مسلم الجصاص تحت هذا العنون ولا يرقى إلى مسوى الخبر الحسن كلما يؤد إليه أنه بحدود اخبار الاشاعات ، ونحن نعلم أن الخبر متى ما فقد السند ودخل بعنوان الاشاعة فأن العلماء لا يعتدون به ولا يركنون لما جاء فيه من مضامين . وأما التأكيد حول كون صاحب البحار نقله عن الطريحي والاسفرائيني مع عدم ذكره لذلك ، فأن للمحدث القمي من القرائن ما تؤكد على ذلك . ومن بين تلك القرائن ، ان العلامة يروي عن الطريحي ، ولأن وفاة الطريحي كانت سنة 1085 هجرية (2) الكنة والالقاب ج 2 ص 448 . أي معاصراً له ويروي عنه ، وبالتالي فنحن ندعم كلام المحدث القمي فيما ذكره وحول خبر الجصاص المنقول في البحار .

وأما حول الامر الثاني : ان كتاب المنتخب للشيخ فخر الدين الطريحي مؤلف من جزئين وكل جزء يشتمل على مجلس في ذكر مصائب الحسين (ع) وهو بذلك يحتوي على مطالب صحيحة وغير صحيحة . ولا ريب أن كتاب يؤلف في هذا الأتجاه  لا بد أن يبرز الجانب المأساوي من القضية ليكون له تأثير عاطفي متميز وليس مهماً ما أذا كان هذا المطلب معتبراً أم لا . المهم أن يؤدي الدور المرسوم له في طبيعة الكتاب وموضوعه ، ولذا نرى فيه كثيراً من الأخبار جاءت بلسان أهل الكذب كما عن كعب الاحبار الذي لا يختلف عليه أثنان من علماء الرجال في كذبه وتكذيبه وقد نقل عنه الطريحي في المجلس الثالث من الجزء الأول ، ربما كان الشيخ الطريحي يعتقد بأدلة التسامح في السنن التي يقول بها العلماء عند الحاجة والاقتضاء . ولذا فكل مصيبة أو وصف مأساوي خيالي لا أساس له يلقى على الناس ليبين مدى ضخامة ومصيبة  أبي عبد الله (ع) لأن المهم عندهم أن يبكي الناس أما كيف ؟ ولماذا ؟ فهذا شئ آخر !!

(( وفي هذا الأتجاه كتب الشيخ مهدي النراقي كتابه محرق القلوب ؛ الذي كتبه بناء على رغبة أحد قادة النظام الشاهنشاهي واسمه ( عبد الرزاق خان ) كتب النراقي كتابه هذا ؛ أنه يجوز ذكر الأخبار الضعيفة وغير الصحيحة في مصائب أهل البيت (ع) بحكم أدلة التسامح في السنن ، بل لذكرها أجر وثواب . ))

ولهذا وردت في كتاب محرق القلوب الأخبار الضعاف والكواذب مثل قوله : أنه جاء لنصرة الحسين (ع) في كربلاء هاشم المرقال ! مع أن الدنيا تعرف بأن هاشم المرقال أستشهد في حرب صفين مع علي (ع) قبل عشرين عاماً من وقعة كربلاء . هذه بأختصار كانت رؤيا وعقيدة النراقي في روايته للأخبار .

وقد وجه الشيخ النوري نقداً لاذعاً لكتاب محرق القلوب قال : ( وأما كتاب محرق القلوب ففيه نقاط ضعف كثيرة ولو أراد احد أن يقرأ أعظم كذبة فيه فليقرأ المجلس الحادي عشر والخاص بالقاسم بن الحسن ... (1). وكتاب المنتخب للطريحي مثله كمثل محرق القلوب يشتمل على مطالب ليست صحيحة وهذه المطالب  واضحة عند العلماء ولذا صرح القمي قائلاً : أن حال منتخب الطريحي لا يخفى على أهل الفن والدراية . ونحن نؤيد ما جاء عن المحدث القمي بشأن كتاب المنتخب للطريحي ولذا فلا يمكننا قبول خبر الجصاص ونصدقه .

وأما حول الأمر الثالث فنقول : كتاب نور العين في مشهد الحسين لمؤلفه أبو أسحق الأسفرائيني المتوفي سنة 418 هجرية يشتمل على مطالب وأراء مبتذلة كقوله بأن جواد الحسين قتل من الأعداء خلق كثير تارة بأسنانه وأخرى برجليه ، ومؤلف هذا الكتاب قد برأ معاوية من جرائمه بحق أهل البيت وشيعتهم ، وكان يقصد من كتاباته المضحكة المبكية أن يجد له اعتبار عند العوام . فأثاره ومؤلفاته تدل على أنه رجل غير محتاط أضافة إلى ذلك فهو أشعري المنهج والسلوك ، ولم تخفى حاله عند أصحابنا العلماء أذ قال عنه الصاحب بن عباد ( أبو أسحاق الاسفرائيني نار تحرق ) * توفي الاسفرائيني سنة 418 هجرية بنيسابور ثم نقل إلى أسفرائين ودفن فيها (1) هذا الأشعري المنهج والسلوك قام بكتابة ثورة الحسين (ع)ولكنه لم يراع الأحتياط فوقع بالتحريف .. مما مضى يتبين ان كتاب نور العين معلوم لدى أهل الفن والدراية وهو إلى جانب هذا ركيك البيان والصياغة والأنشاء العربي فهو عار عن حدود الفصاحة والبلاغة . وقد ذكر قصة الصدقة في كتابه صفحة 42 دون ذكر السند . فنحن نؤيد ما ذهب إليه المحدث القمي حول ماهية كتاب نور العين .