الفصل الثالث 

التعدد المباح 

المفهوم والمصداق

3

 

 

في هذا القسم نتابع البحث حول المفهوم والمصداق عن معنى التعدد المباح  ، والتعدد يجوز  في النكاح ولا يصح  في الزواج ، والفرق  بينهما فرق مفهومي ودلالي  يظهر ذلك  في اللغة وفي الإصطلاح .

 والخلط بين النكاح وبين الزواج درج في لسان الناس من خلال العرف الذي أسسه  الدين السياسي الذي ساد مع حاكمية عمر بن الخطاب   ، والدين السياسي في العادة لا يعتني بالمفهوم  الدلالي للكلمة  بقدر تعلقه بما هو في مصلحة النظام والحكم السياسي   ، ومفهوم التعدد يرتبط بمفهوم الحرية  التي أباحها الله في الكتاب المجيد للناس كافة    ،  كما ورد  في صيغة المتعة وصيغة الهبة و  نكاح المحصنات كما في   

 قوله  تعالى : -  والمحصنات من النساء ، إلاّ ما ملكت أيمانكم ، 

-  النساء 24 - .

والإحصان في اللغة يعني المنع  ، وهو أصل ثلاثي صحيح المصدر ،   والمرأة المحصنة  هي الممتنعة عن ممارسة الجنس مع قدرتها  على ذلك  وقيل هي -   الراهبة -   ، وكذا الرجل المحصن هو من يمنع نفسه عن ممارسة الجنس مع قدرته عليه    ،  والنص يعتبر  نكاح المحصنات من حيث المبدأ جائز ولا مانع منه ، وأصل الجواز مرتبط بأصالة الإباحة    ،  وحين يتم الربط في النص بين نكاح المحصنات و ملك اليمين  فهو يعني كون أصالة الإباحة في الحالين واحدة  ، و معنى الإباحة  هنا هو الإطلاق مع عدم التقييد لعامة النساء إلاّ ما خرج بدليل خاص  .

 وحين أكد الكتاب المجيد في غير موضع على أهمية  نكاح المحصنات  في أكثر من موقع فهذا دليل على إن المنع الذي يقول به البعض مخالف للأصل ،  والأصل في هذا النص كون النكاح هنا أمر مقدر ورد في صيغة ولفظ -  كتاب -  ،  نعم إن أصل الإباحة وأصل الجواز يرتبطان بالشرط الموضوعي الذي ورد في لسان المعنى عن  -  العفاف والحرية -     ،   ويخرج من عموم معنى الإباحة هنا السفاح بإعتباره فعل مخالف للشريعة  .

  وكما قلنا فإن النكاح المسموح هو  فعل يتم  عبر عقد صحيح يقع بين الطرفين  ، ومنه عقد   -  المتعة -   الذي يتم بين طرفين وضمن شروط صحيحه  ، وهذا ما فهمناه من دلالة  فعل -  أستمتعتم -  الوارد في سورة النساء   ،  ولأن فعل النكاح بشري عام كذلك جوازه عام كذلك  ،  وكما إن  نكاح المرأة المحصنة  المؤمنة بنبوة محمد بن عبدالله جائز ، كذلك يكون نكاح المحصنات من أهل الكتاب جائز على نحو عام   ، بدليل قوله تعالى : -  والمحصنات من المؤمنين والمحصنات من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم إذا اتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين -  المائدة 5  - .

النص يبين إن أصل الإباحة عام مطلق ولا خصوصية فيه  ،  وواضح إن النص يدلل على صحة العقد المؤقت أو المنقطع بدليل وجود قوله -  أتيتموهن أجورهن -  ،  وقد مر إن عقد الإجارة عقد مؤقت مرتبط بزمن ومدة .

كما يظهر ذلك أيضاً بقوله تعالى : - إني أريد أن أنكحك أحدى أبنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج -  القصص 27 - .

 النص قال  :   اريد ان انكحك ولم يقل أريد أن أزوجك ، لأن الزواج لا تُذكر فيه المُدة   ، لكن ذكرها في النكاح جائز مع تعدد مفهوم النكاح ومعناه  ، و يظهر لي  إن دلالة المعنى في هذا النص ترتبط بدلالة عقد المتعة   ، ذلك لأنه قد  جعل من النكاح مرتبط  بمدة الأجر التي يقضيها عندهم  -  أجر العمل وأجر المنفعة -  ، ومنه  يتبين كذلك صحة  عقد الإجارة الذي مر في القسم الثاني ، والذي يمكننا ضمه إلى مفهوم  العقود المؤقته ،  ويدل على صحة عقد الإجارة ،

قوله تعالى : - ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا أتيتموهن أجورهن الممتحنة 10 - .

وكما قلنا فإن أصل الصحة مرتبط بأصل الإباحة  ، وعقد الإجارة من مصاديق عقد نكاح المتعة  ، وهذا النص يؤكد على ذلك  ، وكما قلنا في القسم الثاني في جواز  نكاح الهبة  الذي لم يجعله الله خاصاً بالنبي كما ذهب إلى ذلك الإمام أبي حنيفة  ، كذلك نقول نحن هنا بجواز نكاح الإجارة في لفظه ومعناه   ، نعم منع الكتاب المجيد   نكاح البدل الذي كان جارياً في الجاهلية  ،  كان يقول الرجل -  بادلني بإمرأتك وأبادلك بإمرأتي -  .

 

إن أصل وسبب إباحة تعدد النكاح في الكتاب المجيد ، مرتبط بالحاجة الطبيعية للبشر وكذلك لطبيعة الأوضاع والظروف التي يصنعها التنازع بين الدول والممالك  ،  كم إن للأصل قيمة موضوعية مرتبطة بالواقع الموضوعي الذي يتحدث عن عدد النساء في العالم قياساً إلى عدد الرجال   ، وهناك ثمة جانب بايولوجي يرتبط بالطبيعة الفلسجية للمرأة فهي في العادة تبلغ قبل الرجل فهي بحاجة إلى الجنس ، وفي العادة تبلغ وهي بنت عشر سنيين على عكس الرجل الذي يبلغ في العادة وهو أبن خمسة عشر سنة ، وهناك الحاجة المادية التي من لوازمها حماية الرجل والمرأة على حد سواء من الوقوع بما هو أشد ، نعم  الإباحة تتحرك في جانب موضوعي وطبيعي ، وهي من الفطرة التي حجبها الفقهاء لسوء قصد وخدمة لنوايا السلطان ، إذ إن الكتاب المجيد فتح الباب في هذا المجال لأنه يعي إن الجنس يرتبط بالغرائز والشهوات وحاله كحال الأكل والشرب ، الذي لا يجوز فيه الحد إلاّ مع الضرورة ، كذلك قال -  أنكحوا ما طاب لكم من النساء -  في صيغة العدد الكثير المضروب بنفسه ، وليس في صيغة العدد الصحيح وعلى هذا قال الزجاج والزمخشري وأبو مسلم الأصبهاني والشيخ متولي الشعراوي رحمه الله ، ومنه يظهر إن المنع وقع بفعل هيمنة  الدين السياسي على الدين ، مما أربك العلاقة والقوة مع الكتاب المجيد ، ولهذا قال قائلهم : -  إن وجد التعارض بين قول الكتاب وقول أصحابنا فالمعول عليه ما قاله أصحبنا - !!!! ، وقد جرى هذا في سلم فهم الكتاب والفقه والتاريخ والأخبار ، وتحول الناس إلى مقلدين وتابعين فتراجع الفكر والإجتهاد والبحث العلمي ، وكل ذلك بسبب تراجع الحرية التي صادرها رجال دين محسوبين وعاملين في خدمة السلطان والبلاط ، وفي مسألتنا هذه أيضاً قمعت الحرية تحت بند الزواج وتعريفه الفقهي السلطاني ، وأختفى التعدد الصحيح وشاع الفساد والإنحراف ، لهذا نردد من دون علم كلمة قالها الإمام لولا عمر ما زنى إلاّ شقي -  ...

يتبع