الفصل الثاني

حاكمية المرأة في الإسلام

تعدد الزوجات

-1

مقدمة :

في قضية تعدد الزوجات لابد أن نقول : إن هذا المفهوم خاطئ من الأساس ، ذلك لأن التعدد في الزوجات وفي هذا الإطلاق لم يرد في الكتاب المجيد إنما هو لفظ جرى إستخدامه في عُرف الفقهاء ومقولاتهم ، والفقهاء هنا لم يفرقوا بينه وبين النكاح بل جعلوا منهما واحداً في المعنى وفي الدلالة ، وذلك منهم وهمٌ شديد .

إن التعدد الذي طرحه الكتاب المجيد وتبناه يكون في معنى ومفهوم - النكاح - وهو مفهوم مغاير في الدلالة وفي اللفظ للزواج ، بدليل إن الله حينما أستخدم مفهوم التعدد وضع بجانبه لفظ النكاح كما يظهر ذلك بقوله - فإنكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع - النساء 3 - ، ولم يقل - فتزوجوا ماطاب لكم من النساء - ، ومعلوم إن اللفظ في الكتاب المجيد له دلالة محددة وله معنى مقصود لايتعدد ولا يترادف لأن الله يعني مايقول ، ولذلك فهو حين يقول إنكحوا لا يعني تزوجوا إذ بينهما فارق وفرق دلالي ومعنوي ومفهومي .

ذلك لأن مفهوم النكاح غايته العلاقة الجنسية الصحيحة بين الرجل والمرأة - هذه العلاقة سماها نكاحا - وهذه العلاقة تقوم على مبدأ القبول والرضا ، وفي هذه العلاقة أباح الله فيها بأكثر من واحدة ، مستخدماً في ذلك - لفظ العدد المضروب بنفسه المضاعف - ، ولم يستخدم في ذلك العدد الصحيح مع إنه في مواطن كثيرة قال أثنين وثلاثة ، لكنه هنا قال مثنى وثلاث ..

لأن النكاح كمفهوم وكصيغة لا يرتبط بالوضع الخارجي للعلاقة بين الرجل والمرأة ، بل يرتبط بخصوص العلاقة الجنسية المشروعة بينهما ، ومن مصاديق ذلك ملك اليمين ونكاح المتعة وكل العلاقات الجنسية الصحيحة ، ونعني بالصحيحة هي كل علاقة تقوم على قبول ورضا ويخرج منها الإغتصاب والخيانة وماهو محرم كالزنا ، في النكاح يجوز التعدد لأنه يرتبط بالواقع الموضوعي وحاجات كل من الرجل والمرأة ، والواقع الموضوعي في هذا الشأن هو الشرط القاهر في صحة الحكم التكليفي والوضعي معا ، إذن فما يُقال عن التعدد فهو في النكاح حصراً ، وفي باب النكاح قال الله تعالى : - وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم - النور 32 .

وقوله : - فإنكحوا ماطاب لكم من النساء .. النساء 3 .

وأما الزواج فلايجوز فيه التعدد لأنه قائم على أساس - الميثاق الغليظ - بين الطرفين هكذا قال الله - وأخذن منكم ميثاقاً غليظا - النساء 21 .

والميثاق : هو القانون أو مجموعة القوانين التي تنظم طبيعة وشكل الحياة الزوجية ومايترتب عليها من حقوق وواجبات ، والميثاق بين الزوجين هو ليس العقد الذي يُطلقه الناس على علاقاتهم الزوجية ، إذ إن العقد هو صيغة أو مفهوم يصدق في العلاقات التجارية في البيع وفي الشراء ، لكن الميثاق ليس كذلك لأنه مبادئ وقيم وقوانين إنسانية و قواعد للسلوك بين طرفين ، يتفق عليها بينهما لتنظم حياتهما العامة والخاصة ، وأي إخلال ببنود هذا الميثاق ومن أي طرف يُعد ذلك الميثاق لاغياً وتصبح العلاقة الزوجية منتهية ، ويتم الإنفصال والطلاق بينهما ، ويكون الميثاق هنا بمثابة الحكم والحُكم في الطلاق وهو وحده الذي بيده عصمة الطلاق ، وليس للزوج كما هو دارج في ألسن الناس .

وأول قاعدة بيانية في ميثاق الزواج تقول : لايجوز التعدد في الزوجات لأن الأصل في الزواج أن يكون بواحدة فإذا تعدد بطل ، والزواج كما هو معلوم : مفهومٌ موضوعي خارجي لايجوز فيه التعدد والشراكة :

يقول الله في معنى الزواج مايلي : - هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها لتسكن إليها الأعراف 189 .

وقال تعالى : - والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة - النحل 72 .

نعم جرى في هذه المسألة وحولها كلام كثير بين مؤيد ورافض وكلاهما مدفوعين بالعاطفة وقلق الأفكار ، ولم يتصد لهذه القضية فقهاء من قبل ولذلك ضلت حديث الناس وسخرية الحاقدين والمتهكمين ، إن هذه المسألة قامت وتأسست في عُرف الفقهاء وذهن الناس من خلال هيمنة فكرة - الترادف اللفظي والمعنوي - التي قال بها الشافعي وتمسك بها جُل الفقهاء وإلى يومنا هذا ، فعندهم سادت ومع الأسف مقولة : - إن القرآن حمال أوجه ، تقول فيه ويقولون - - وفي تلك المقولة نلاحظ كيف ذهب المعنى الذي أراده الله وقصده وكيف ضاع و تفتت ؟ .

إن جمهور الفقهاء ومن خلال تمسكهم بموضوعة الترادف تلك صيروا المعنى في كتاب الله عائماً ورجراجاً ولكل فيه رأي ومزاج ، مع إن المطلوب من السادة الفقهاء إحترام معنى حجية اللفظ وحجية المعنى في كتاب الله ، وبان الله حين جعل اللفظ جعله لمعنى معين محدد ، ولهذا دعانا لكي نتدبر هذا المعنى ونصل إليه من غير تسويف وتكلف وأن نجعل منه قريب نستجيب له ونؤديه ونلتزم به ، ولأشك إنه قد جرى في مسألتنا هذه إجحاف متعمد ومقصود جر علينا معشر المسلمين الويل والثبور وسيل من التهم والإختلاط ، ولم نلتفت الإّ من بعد أن ضاع الوقت وشاع الخطأ وتراكم وكل ذلك من أثر التأسيس الخاطئ والقواعد الظنية .

أقول : إن كثيراً من الكتاب الغربيين أخذوا منا سوء فهمنا وتمسكنا بالترادف وجعلوا منه الموضوعة التي من خلالها الطعن بنا والتشهير على قاعدة - من فمك أُدينك - - ، وتأتي مسألة تعدد الزوجات من هذه الموضوعات التي أقتحموا بها عرش الإسلام العظيم ، وإني أقول : إن لهم الحق في ذلك طالما إن هذا من بُناة أفكارنا ونتاج معرفتنا .

ولهم ولغيرهم أقول : إن تعدد الزوجات في الكتاب المجيد ممنوع وغير جائز ، ونحن ومن أجل تصحيح خطأ المفاهيم قمنا بهذه المحاولة ، للحد أولاً من هيمنة الفكر الذي تبناه الشافعي وأشاعه في ألسن الفقهاء ورجال الدين وبين مؤوسسات الحكم الشرعي ، وثانياً لا ينبغي لنا أن نبرر ونجد الأعذار والعلل لكي ندعي صحة مفهوم تعدد الزوجات من قبيل : الأوضاع العامة والحاجات الإجتماعية والإدعاء بزيادة نسبة النساء في العالم وكثرة الحروب ، إن الواجب علينا أن نعترف بخطأ مقولة الشافعي ونتمسك بما أباحه الله لنا في النكاح وتعدده ، ونلتزم بمنع فكرة ومقولة تعدد الزوجات وما ينتج عنها ..