الخُلاصة

في الحلقات الماضية كنا نُلاحق حجج القائلين بمنع المرأة حقها في الحكم والولاية ، وكنا نتابع ذلك فيما أعتبروه دليلا في الكتاب والسنة ، وقد ناقشنا كل تلك الحجج وثبت لدينا على نحو قطعي :

1 - إن الإستدلال في هذا الباب من الكتاب المجيد ، إستدلال غير تام وليس فيه مايدل على نحو قطعي ثابت ، إن نصوص الكتاب تمنع المرأة حقها في الحكم و الولاية .

2 كما إن الإستدلال بالروايات والأخبار في هذا المجال إستدلال باطل لما عرفناه من طبيعة تلك الأخبار وضعفها وعدم صحتها وبمخالفتها للكتاب والعقل ، وهي لذلك ليست دليلا تاماً يمكن الإعتماد عليه أو تبنيه في هذا الباب ، بل العكس هو الصحيح .

3 - ولم تثبت كذلك دعوى الإجماع التي ذهب إليها البعض من الفقهاء في منع المرأة حقها في الحكم والولاية ، والإجماع بشقيه لا يمكن إعتباره دليلا منفصلا ومستقلا يحقق معنى المنع ، وعلى فرض ثبوته وهو فرض محال ، فهو ليس دليلا مستقلا يمكننا إعتباره كاشفاً عن قول النبي والمعصوم ، ولذلك فحجيته ليست قطعية ودليله ليس ثابتاً و لهذا لايمكن الإعتماد عليه في هذا الباب .

إذن لم يثبت لدينا لا في الكتاب المجيد ولا في الروايات والأخبار ولا كذلك من خلال إدعاء الإجماع ، لم يثبت لدينا من ذلك كله مايمنع المرأة حقها في الولاية والحكم ، بل ثبت من خلال جملة النصوص والأوامر هذا الحق ثابت للمرأة ، أعني إن حق الولاية والحاكم هو حق ثابت للمرأة لايمكن إنتزاعه منها ولا يمكن رفضه أو حجبه عنها ، لمجرد كونها إمرأة !!! ، لأن منع المرأة حقها في الحكم والولاية ظلم لاينبغي نسبته إلى الله وإلى الرسول ، طالما - إن الله يامر بالعدل والإحسان - ، وجدل العدل والإحسان جدل تام يتأسس على قاعدة مايأمر به الله ولم ينه عنه ، وحكم الله في مسألة الحاكمية يقوم على أساس مايحكم به العقل الصحيح ، والعقل الصحيح هو الذي جعل هذا الحق مُرتب بحسب القابلية والقدرة والعلم لا على أساس الجنس والنوع ، ومن هنا قال علي بن أبي طالب إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم به - نهج البلاغة الخطبة 172 - .

والحق هنا يدور وجوداً وعدماً مدار القوة والعلم لا مدار الجنس والنوع ، والقوة والعلم كما هما شيئان نسبيان بالنسبة للرجال وبالنسبة للنساء ، وأمر الحكومة مرتبط بالقدرة عليه والعلم به ، ولا يرتبط أمر الحكومة بالرجال دون النساء .

والإحتجاج في الفعل التاريخي وبما قام به الخلفاء الملوك إحتجاج ناقص ، بدليل إن سيرتهم في أمر الحكومة لم تكن سيرة تمثل الحق حتى يمكننا الإعتماد عليها أو الإحتجاج بها ، فهي كانت عبارة عن حكم جاهلي أرتبط بمفهوم حكم القبيلة والوراثة و لا علاقة للدين وحكم الشورى فيه ، وحاكميتهم لم تكن تعبر عن مفهوم التداول السلمي للسلطة ، بل كانت حكومة قهر وتوارث وتوريث لاغير .

والأصل في الحكومة والولاية في الشرع وفي القانون : إنها مباحه أي إن أصل الإباحة متروك القيام به لمن يمكنه ذلك ، إن توفرت فيه الشروط الموضوعية الصحيحة التي بينها علي بن أبي طالب في كلامه الذي رويناه قبل قليل ، والقائم على القدرة الذهنية والبدنية والعقلية والنفسية والعلم بشؤونات الحكم والولاية العلم المدني والشرعي ، وكأن علياً يريد للحاكم أن يكون : مجتهداً وعادلاً وقادراً ، وهذه الكينونة من الشروط لا تتعلق ولا تنحصر بالرجال دون النساء هي شروط موضوعية عامة ومستقلة يتساوى فيها الرجال والنساء ، ومن تتوفر فيه هذه الشروط جاز له تولي الحكم والولاية بشقيها الصغرى والكبرى ومن دون فرق في ذلك بين الرجال والنساء ، كما إن أحكام الولاية في الحالين يجري على الجميع ومن غير فرق كذلك .

الآن وقد علمنا أن لا دليل قطعي ثابت من الكتاب والسنة يمنع المرأة حقها في الحكم والولاية ، فيكون الأصل في تولي الرجل أو المرأة للحكم والولاية إنما يقوم على قدرة كل واحد منهما وعلمه ، وفي حال التساوي يكون إنتخاب ماهو أفضل واًصلح ، والإنتخاب يقوم به الناس وضمن معايير صحيحة لا على أساس أحكام مسبقة وجاهلة ، ليكون حكم المُنتخب جاري ونافذ وما يترشح عنه كذلك جار ونافذ ، وهذا هو الحق الطبيعي الذي يجب ان تمارسه الجماعة البشرية لتنظيم شؤونها وإدارة مملكتها ، كما لا يجب في حال الإنتخاب تقديم ماهو غير مناسب بحجة الذكورية على ماهو مناسب ، إذ إن التناسب وعدمه لا يدل على الجواز وعدمه في المطلق ...