حاكمية المرأة في الإسلام

- 3 -

نواصل اليوم بحثنا في الروايات والأخبار التي أدعوا بأنها ترفض حكم المرأة وتمنعه ، ومنها هذا :

الخبر السادس : مارواه الشيخ الصدوق أبن بابويه في كتابه - من لا يحضره الفقيه - في باب النوادر ، بسند مجهول - غير معلوم - عن النبي إنه قال : - ليس على النساء جُمعة ولا جماعة ولا آذان ولا إقامة ولا عيادة مريض ولا إتباع جنازة ولا هرولة بين الصفا والمروة ولا إستلام الحجر ولا تولي القضاء .. من لايحضره الفقيه ج4 ص 364 باب النوادر الحديث رقم 5762 .

قد يفهم ابتداءً من عبارة - ولا تولى القضاء - إنها دالة الحرمة ، أي تحريم القضاء على المرأة ، أو إن المرأة يُحرم عليها تولي القضاء ، قد يُفهم ذلك لأول وهلة ، ولكن هذه العبارة لا تفهم هكذا من دون النظر إلى سابقاتها من العبارات التي وردت في الخبر أعلاه ، ففي الخبر جاء قوله : ليس على النساء جمعة ولا جماعة ولا آذان ولا إقامة ّ!!! ، كما ليس عليهن .. عيادة مريض ولا إتباع جنازة ولا هرولة بين الصفا والمروة ولا إستلام الحجر !!! ، هذه الممنوعات في هذا الخبر : تقول إن كل الأشياء ممنوعة على المرأة القيام بها ، ومعنى المنع هنا ، هو عدم الجواز !! ، لكن هل هذا المنع هو حكم تكليفي أو إن هذا المنع هو حكم وضعي ؟

فحين يقول : إن صلاة الجماعة وصلاة الجمعة يحرم على المرأة القيام بهن لأنها في ذلك غير مُكلفة شرعاً !! ، وهي لذلك تكون هذه الوظائف غير واجبة عليها !! ، هل هذا الذي يُريد الخبر قوله ؟ ، ومعلوم إن الخبر أعلاه غير صحيح السند وإن الذين رووه مجهولي الحال ، وهذا في الأصول الفقهية عامل أساسي في سقوط الخبر وعدم إعتباره .

ولكن نحن مضطرين هنا لمناقشة كل الحجج التي يتمسك بها القائلين بمنع المرأة حقها في الحكم والولاية ، ونقول : هل إن هذا الخبر هو في مقام بيان وجوب التكليف أم بيان حرمة التكليف ؟ ، حتى نقول وندعي حرمة القضاء وحاكمية المرأة !! ، وبحسب ماهو معلوم في أصل التكليف في العبادة سواء الواجبة منها و المستحبة ، فإن الحكم فيها واحد بالنسبة للرجال وللنساء ، ولا قيد فيه ولا تخصيص يخرجه عن عمومه وإطلاقه هذا أولاً ، وثانياً : إن هذا الخبر ليس في مقام بيان الحكم التكليفي ولا هو كذلك في مقام بيان الحكم الوضعي ، ولأنه كذلك فيبطل الإحتجاج به بمنع المرأة من أداء وظائفها التكليفية الواجبة والمستحبة ، ويسري هذا الكلام على موضوعة الحكم والقضاء وسائر شؤون الحياة بالنسبة إلى المرأة .

نعم لقد ناقش البعض في هذا الخبر وقالوا : إن اصل لفظ - لا تولى - هو - لا تتولى - ، بإعتبار إن هذا اللفظ فعلاً وليس مصدراً ، وإن التاء الأولى فيه حذفت ، وهو بهذا الإعتبار يكون فعلاً دالاً على النهي ، و يكون الفعل - هو حكم وضعي دال على النهي - !!! ، ومعناه : إن تولي المرأة الحكم والقضاء منهي عنه في الشرع - ، وإن أحكامها وحكمها في هذا المجال غير نافذة وغير ملزمة !!! .

وإذا تنزلنا وقلنا بذلك فيكون هذا النهي نهي تنزيهي !!! ، والنهي التنزيهي دال وناظر إلى طبيعة الحكم وفعل القضاء وما يحصل فيه ، وليس النهي بمعنى عدم صلاحية المرأة لذلك ، وفي المُحصلة يجب القول : وبما إن الخبر غير صحيح الإسناد ودلالته على النهي غير واضحة إلاّ في مجال التنزيه وضمن حدود اللطف لا غير ، وفي هذا أعني في مجال اللطف والرعاية ، يجري الكلام وفي مسائل مماثلة على الرجال كما على النساء من غير فرق ، ولا تكليف ولا وضع في البين بل هو تنزيه في أحسن الأحوال !!! .

الخبر السابع : مارواه الكليني في الكافي عن أبن طاووس في كتاب الرسائل ، عن علي بن أبي طالب لولده الحسن المجتبى جاء في بعضها : - إياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن .. - نهج البلاغة ص 938 ، الرسالة رقم 31 .

كما جاء في خبر اخر مثله أو قريب منه قالوا فيه : - كان رسول الله إذا أراد الحرب دعا نساءه فاستشارهن ثم خالفهن - الكافي ج5 ص 518 الحديث رقم 11 .

هذه الأخبار وغيرها أعتبرها البعض دليل في المنع ، مع إن هذه الأخبار في مجملها غير معتبرة الإسناد وغير معتبرة الدلالة ، ولا يمكن الإستناد عليها أو إعتبارها دليل في المنع ، أعني في منع المرأة حقها في الحكم وقيادة الناس ، وطبيعي إننا هنا وكغيرنا نسأل ، عن الحكمة من الشورى ، ولماذا تجب ولماذا شُرعت وماهي الحكمة منها ؟ ، وإذا كانت الشورى غير موجبة ، فلماذا يذهب إليها من الأصل ؟ ، ولأن الكلام عن النساء ، يأتي الكلام دائماً منسوباً إلى النبي من غير سند في إختلاق وجعل واضح ، ولهم في ذلك مصلحة وغاية كي يؤمن الناس بها ويصدقوها .

نعم الشورى شُرعت أو جُعلت من أجل تبادل الأفكار ووجهات النظر في المسائل المعينة ، ومنها وبها يتم الإهتداء إلى ماهو سديد ووجيه من الأراء والأفكار ، والمرأة حين تشاور فهي تشارك الرجل في الرأي و في الموضوعات التي يجري الحديث عنها ، وهي حين تُدعى للمشاركة في الشورى فذاك دليل على ثقة بها وبقدرتها على إبداء ماهو نافع ومفيد ، لا إن مشاورتها من باب إبراء الذمة أو اللهو ، وفي ذلك لا يصح جعل النبي متلهياً وضاحكاً على الذقون ، والخبر يقول - شاورهن وخالفوهن - !!! ، ماهذا القول السخيف و السقيم ؟ إن النبي حين يشاور النساء فهو يقيناً يثق بقدرتهن على إبداء الرأي المناسب في الحرب وحماية المدن وفي غيرها من التداعيات التي تفرضها الحرب - هذا هو إيماني - ، وعليه لا يصح أبداً أن نقول : كان النبي يشاور النساء ثم يخالفهن - !! .

ولازم الشورى ومقومه هو كمال العقل الذي يوحي بصحة الأراء والأفكار ، وكمال العقل هذا يتساوى فيه الرجال والنساء لأنه قيمة موضوعية ، وحين نشاور الرجال لا من حيث كونهم ذكوراً بل من حيث كمالهم العقلي وحُسن تدبيرهم ، و كذلك يكون الأمر بالنسبة للنساء إذ لا يجوز مشاورة النساء من دون كمال عقلي ، وكما العقل ورد في بحار الأنوار كلام عنه لعلي بن أبي طالب حين قال : - إياك ومشاورة النساء إلاّ من جربت بكمال عقل - بحار الأنوار ج103 ص 253 - .

والآن نسأل ، لماذا جاء المنع في البداية عن مشورة النساء مطلقاً ؟ ثم لماذا جاء الإستثاء هنا تحت قيد - كمال العقل - ؟ ، أقول : لماذا هذا الإستثناء اللاحق ؟ ، وللجواب نقول : إن هذا الإستثناء هو القيد المانع عن إطلاق اللفظ الإبتدائي ، أي إن هذا الإستثناء ألغى الكلام الأولي وجعله مقيداً بكمال العقل ، وكمال العقل خاصية موضوعية وإنسانية ، ومن توفرت فيه هذه الخاصية من الرجال والنساء جاز لنا مشاورته وتبادل وجهات النظر معه .

وللتذكير فقط أقول : إنما نحن هنا نناقش أخباراً غير صحيحة السند وغير معتبرة الدلالة ، ولكننا مضطرين لمناقشتها وللذهاب بعيداً مع حجج المانعين المرأة حقها في الحكم والولاية ، ولنؤكد من جديد إن حق المرأة في ذلك ثابت في الكتاب والعقل ..

يتبع