المقدمة

أستهل كتابي هذا برفض - الغلو - وما يؤدي إليه في الفكر وفي الممارسة ، هذا الداء الذي يتخذه بعض ضعاف النفوس من جهلة المعممين وبعض رجال الدين المتخلفين طريقاً لهم ، إنما هو دليل عجز ونقص في الإيمان والمعرفة ، وهو نتاج عقل معادي مريض هدفه الكيد والحط من قدر الأئمة ، والغلو كما جاء في ديباجة الكتاب هو - تجاوز للحد - المسموح به ، فحين يقول الله - تلك حدود الله - يعني هذا وجوب التقيد بهذه الحدود بداخلها ، ولا يجوز بل يحرم التعدي على تلك الحدود ، فالشرك بالله حرام و إدعاء الربوبية حرام ، والقول إن أحدا بمقدوره المشاركة في خلق العالم والكون تجاوز محرم ، وكذا القول بان أمور العباد تعرض كل يوم على الأئمة أو بعض الأئمة حرام ، ولهذا فدعوى أن يكون للإمام علي عليه السلام ذلك دعوى باطلة ، وهي دعوى تجاوزت حدود المعقول في الرد على المخالف ، فإذا كان المخالف أمعن في الطعن والشتيمة ، فلا يجوز بحال مجاراته في الخطأ بل والزيادة عليه ، إذ إن المطلوب - أن لا نتنابز بالألقاب - والمطلوب ان تترسخ فينا قيم أخلاقية ترفض كل ماهو سيء ، وإذا كانت السلطات السياسية تبيح لأنصارها كل قبيح فهي عندنا ليست المثل والقدوة ، بل إننا رهائن قوله تعالى - لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة - .

وحين ننظر إلى ما حولنا من عنف وقتل ودمار متبادل ، ينتابنا شعور بان ذلك لم يكن مجرد تنافس سياسي أو إجتماعي أو حتى ثقافي ، بل إنه أعمق بكثير لأنه يحمل تلك العناصر والجذور الدينية القبيحة التي أسست ونمّت مفهوم - أنا أو لا أحد - ، في الفكر الإسلامي مغذية من خلاله الإصطفافات الممنوعة القبلية والدينية والحزبية والشخصية ، ومن ذلك ولاجله صيغت الكلمات والاقوال وجيء بالروايات والأخبار ، وتنطع البعض ليرفع ذلك الممنوع ويجعله خارج حدود العقل الطبيعي .

فكان الغلو الطريق الذي أتخذوه للتعبير عن سلوكهم المنحرف هذا نقرأ ذلك في التاريخ وفي السير ، ولم تخل أمة أو جماعة من هذا الداء ، بدءاً من فكرة عبادة الأصنام والوثنية القديمة والإلتفاف حولها وتعظيمها ، إلى فكرة عبادة الأشخاص والظواهر الطبيعية وتعظيمها ، ونسبة الخوارق إليها بل وكل ماهو خارج عن المنطق والعقل والمألوف ، وفي ذلك أمتهن البعض صنعت وضع الأخبار والروايات والحكايا والقصص تعزيزاً وتدعيماً لما يظنون ويعتقدون ، حتى أنبرت السماء تعلن البراءة من هذا السلوك فقالت - يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم - ، موجهة كلامها لكل أهل الكتاب من دون إستثناء حتى المؤمنين بمحمد بن عبدالله ص - بإعتبار إنهم أهل كتاب أيضاً ، وحين قلنا إن - الغلو - هو تجاوز للحدود التي أُمرنا أن نكون فيها وفي وسطها قال : - تلك حدود الله فلا تعتدوها - ، وحدود الله بالمفهوم الشرعي : هي تلك القواعد التي تحصن الفرد من الخطأ في السلوك وفي الفكر ، ولكي يستقيم الميزان جعلها دعوة تامة في قوله : - وكذلك جعلناكم أمة وسطا - مركزا على مفهومي الوسطية والإعتدال في الإيمان وفي الإعتقاد وفي العمل بل في كل شيء ، والجعل المقصود : كما يظهر لنا هو الصيرورة أو هو اللازم الذي يجب ان نكون عليه في العمل وفي التفكير ، لهذا ليس من المنطق ولا من العقل أن ننسب لأئمة الدين من أهل البيت وغيرهم ما يدعونا لتعدي حدود الله أو إلى الخروج عن الوسطية والأعتدال ، ولقد تصدى لأئمة للقول : برفض ولعن كل من أنتحل صفةً أو نسب لهم ماليس فيهم من طباع البشرية والآدمية .

لكن الغلو ركزه الأعداء في الثقافة وفي الفكر لهدف سياسي مدروس وطبل له المحبين لغرض ساذج وتعميه وتبناه طالبي السلطة المتصيدين ، حتى سمعنا قائلهم يقول - قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية - مشارق انوار اليقين ص 101 - ، هذه المقولة المكذوبة والغير صحيحة ، والمؤسف أنها تردد على مسامع الناس من أفواه بعض الخطباء ، هذه المقولة التي تتعارض مع فكر وأسلوب الأئمة ، لكن الشيخ محمد حسن المظفر في كتابه علم الإمام ، الكتاب المليء بالهرطقة واللامعقول ، والذي جاء فيه - إن الإمام يعلم متى يموت وأين يموت ، ويعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور - ، ومعلوم ان خبر نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ماشئتم خبر موضوع جاء به الغلاة ، فهو يصطدم مع صريح الكتاب المجيد ، ويستدعي القول بعلم الغيب ، كما يلزم بالقول بفضلهم على سائر الأنبياء .

إن هذا الكتاب الذي نعرضه لكم اليوم إنما يستهدف تصحيح الإعتقاد ونفي كل ما هو سلبي وضار ، ورفض كل ما يعمق ويزيد الإفتراق والخلاف ، وهدفنا يبقى دائماً هو الإصلاح ما أستطعنا إلى ذلك سبيلا ، - وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب -

الشيخ الركابي