الخاتمة :

 

ومن أخبار الغلو قصة - رجوع الشمس لعلي عليه السلام - لكي يصلي.

وخبر - رجوع الشمس - متفاوت ومختلف في عباراته بين الكتب ، إذ قالوا :

- ( إن النبي - ص - كان ذات يوم في منزله وعلي عليه السلام بين يديه ، إذ جاءه جبرئيل يُناجيه عن الله سبحانه ، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين فلم يرفع رأسه عنه حتى غابت الشمس ، فأضطر أمير المؤمنين لذلك أن يُصلي صلاة العصر جالساً ، يوميء بركوعه وسجوده إيماءاً ، فلما أفاق من غشيته قال لأمير المؤمنين أفاتتك صلاة العصر ؟ قال له : لم أستطع أن أصليها قائماً لمانك يا رسول الله  ، والحال التي كنت عليها في إستماع الوحي ، فقال له : أدع الله حتى يرد عليك الشمس لتصليها قائماً في وقتها كما فاتتك ، فإن الله تعالى يجيبك لطاعتك الله ورسوله ، فسأل أميرالمؤمنين الله في رد الشمس فردت  ) .

هذه القصة الغريبة وردت في كتب الشيعة نقلاً عن طريق كُتب أهل السُنة ، وهي قصة رويت في الأزمنة اللاحقة وكتبت فيما بعد ، وتحديداً في العصر العباسي الذي راجت به وأزدهرت الحكايا والقصص المتنوعة ، ولا شك إن هذه القصة بما تتضمنه من أفكار ومعاني غير منطقية وغير علمية وغير واقعية ، وهي لا تعدو أن تكون قصة من أجل التشهير والإستهزاء بالإمام علي عليه السلام والحط من قدره ، وهدفها إلصاق التهم وكل ماهو غريب ومستهجن لتنفير الناس وإلهائهم عن كلماته الصحيحة وتغريبهم ذهنياً ، لأننا نعرف إن كل موضوع يؤتى به لا بد له من غاية وهدف مقصود ، ولا يجب أن ننسب للنبي أوللإمام كل ما يُخالف الله وإرادته ، إذ إن كل أمر يناقض إرادة الله أو يخل في القانون الطبيعي فهو ليس من النبي ولا من الإمام ، أضف إلى إن هذه القصة غير صحيحة متناً لإنها :

1 - تتعارض كلياً مع قوله تعالى : - لا الشمس ينبغي لها أن تُدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون - يسن 40 - ، فالنص هنا يتحدث عن مركزية الشمس وحركيتها حول نفسها ، ودوران القمر حول الأرض ، وهذه الحركة من الدقة بحيث لا يجوز معها الإضطراب أو الخلل أو التجاوز ككل الأجرام السماوية في حركتها ، كذلك يقول لنا النص إن الليل لا يسبق النهار مطلقاً ، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عن وقته ، بل هي دورة دائمة الحدوث مرتبطة بدوران الأرض حول الشمس ، إذ إن الليل يأتي بعد إنقضاء ساعات النهار الطبيعية فهو لاحق له لا يتقدم عليه ولا يتأخر عن وقته ، والنص يتحدث عن هذا الضبط في النظام الكوني ، وأي إضطراب في هذا النظام الكوني يعني التدمير للكون ، والكلام في لغة النص مطلقة ولا تقييد فيها ولا تخصيص .

2 - إن قصة - رجوع الشمس - تتعارض وحديث المنزله ، قول رسول الله : - يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ إنه لا نبي بعدي - ، وحديث المنزلة يُعطي لعلي كل صفات هارون من حيث القرب والأهمية والدور كما كان بالنسبة لموسى ، والأستثناء المتصل ينفي النبوة على نحو مطلق ، والأصل في النبوة هو الوحي وسماع الوحي على أي نحو ، وهذا هو المقصود في النبوة بكتاب الله ، وحديث المنزلة ينفي هذه الصفة عن علي مطلقاً ، ولكن أن تقول قصة رجوع الشمس ، إن النبي توسد فخذ علي وقت نزول الوحي ، يعني ذلك إن علياً كان يسمع الوحي أو يرى الوحي ، وهذا ممنوع لأنه من خصوصيات النبوة .

3 - كما إن قصة - رجوع الشمس - تتحدث عن رجوعها لعلي عليه السلام مع إن الواجب أن ترجع للنبي وعلي ، كونهما لم يصليا العصر ، ولا يعقل أن يصلي النبي صلاة العصر وعلي لم يحضر تلك الصلاة ، لأننا نعرف إن عليا كان ملازماً للنبي في كل حالاته لا يفارقه أبداً .

4 - والقصة تقول إن عليا صلى من قعود كان يوميء إيماءا للركوع وللسجود - ، وهذا الفعل منه عليه السلام صحيح مع الضرورة ولا موجب لإعادة الصلاة أو قضائها وهذا معلوم عند طلبة العلوم الدينية فمابالك بالنبي وعلي - ع - ، وفي ذلك لا يشترط النبي لصحة الصلاة أن تكون من قيام مع الضرورة فهذا الشرط غير مقبول وغير مطلوب شرعاً ، لأن علياً كان كما تقول القصة في طاعة وهي عبادة إيضاً ، أعني نزول الوحي وهذا يستلزم إحترام النبي ، وان يطلب النبي منه ان يصلي قياماً ولكي يتم ذلك فلابد من رجوع الشمس ، فهذا والله إخلال بالنظام الكوني في غير محله وهو غير مطلوب ولا مرغوب .

5 - ناهيك عن إن أصل هذه - القصة - ضعيفة السند ومطعون بها ، ولم تأت إلاّ في كتاب المخالفين ، كصاحب الصواعق المحرقة الذي برأ يزيد من دم الحسين عليه السلام ، وقال في ذلك قتل الحسين بسيف جده - .

6 - ثم لو كانت هذه القصة حقيقية لما فات ذكرها في الكتاب المجيد ، طالما كانت على هذا النحو من التغير في النظام الكوني ، إذ إن ذكرها كحدث مهم أمر واجب ، إلاّ إذا كانت الصلاة تلك الشعيرة أهم بكثير من تغيير النظام الكوني ؟ .

7 - والكتاب المجيد لم يفته ذكر بعض القصص البسيطة ، كقضية الأفك ، وقضية المرأة التي ظاهرت زوجها ، وقضية زوجة زيد إلى أخره من القصص ، ذكرها فقط لكونها تخدم غرضاً إجتماعياً وشرعياً ، وسؤالنا : لماذا لم يذكرها الكتاب المجيد مع أهميتها وعظمتها ؟ طالما كان لها هدفاً ومُراد  .

8 - ولا يجوز بل لا يجب أن تتغير قوانين الكون وموازينه تبعاً لحياة إنسان مهما علا ، ففي الأثر إن النبي قال : - إن رجالاً يزعمون أن كسوف هذه الشمس وخسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم من مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض - إنهم قد كذبوا - ولكنها آيات من آيات الله عزوجل يعتبر بها عباده - مجمع الزوائد ج2 ص 210 - ، وهذا منه عليه السلام ردٌ على من زعم إن الشمس إنكسفت لموت ولده إبراهيم ..

9 - ثم إن هذه القصة الموضوعة ليست كرامة أو معجزة ، ذلك لأن المعجزة الحسية إنقطعت مع نزول الوحي ونبوة محمد ص - ، فالقرآن هو المعجزة الوحيدة والخالدة وذلك لأن طبيعتها تستمر وتلبي القضايا في المعرفة العلمية والعقلية ، ولا يجوز القول إنه حدث كذا وصار كذا إذ لم يثبت ذلك لأنه مخالف لطبيعة القرآن وما فيه .

10 - وكل معجزة حسية أو تجريبية بعد نزول القرآن تكون لغواً ، بدليل إن هذه المعجزات حصلت للأنبياء قبل نزول القرآن ، لأنها كانت دليلاً على نبوتهم ، ولكن القرآن هو الدليل على نبوة محمد ص - ، ومعه إنتفت الضرورة لأثبات نبوته من جهة أخرى ، وصار الإيمان به مرتبط بالإيمان العقلي والعلمي القائم على الحقيقة ، ولهذا نقول إن معجزته - القرآن العظيم - ، وهي معجزة ستستمر مع الإنسان طالما هو في بحث عن حقايق الكون ، وحين يكتشف الإنسان سر هذا الكون تتم الصيحة التي على أثرها يتبدل النظام الكوني ليخلق نظام جديد هو اليوم الآخر ، وعليه فكل ما يُقال عن تكلم الحجر بيده عليه السلام أو إنتقال الشجر أو الغمام للتضليل عليه فهي مجرد حكايا لا تستقيم مع مُراد الكتاب وخطابه ، ولا تكون دليلاً علمياً وعقلياً يمكننا الأستئناس به أو ترشيحة لمقام الصحة .

11 - ولم يكتف واضعي هذه القصة الكارتونية برجوع الشمس لمرة واحدة ، بل قالوا إنها رجعت مرتين ، وأختلفوا في المرة الثانية أهي في العراق أم في الحجاز ؟ .

12 - وأختلفوا في الشأنية معممين مقالتهم بالقول : - إن الشمس رُدت إلى نبي الله سليمان وإلى يوشع .. - وقد أولو قوله تعالى في قصة سليمان ليكون مرتبط بما هم يريدون ، ففي قوله تعالى - إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى تورات بالحجاب ، ردوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق - ص 32 و33 - ، مع إن الضمير في قوله - توارت بالحجاب - يعود إلى الخيل وليس إلى الشمس ، أي إن الخيول توارت وبعدت بحيث أصبحت لم ترى ، كذلك والضمير في - ردوها - يعود على الصافنات الجياد - ص 31 - ، وليس على الشمس التي غابت كما يزعمون ، وأما لسان حاله فيقول إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي - ، والذكر هنا لا يعني صلاة العصر أو حتى الصلاة بل هو مطلق الذكر من قراءة ودعاء وتسبيح وو ألخ ، وحرف الجر - عن - ورد هنا للتعليل ، لأن لفظ طفق في النص جاء بمعنى - بدأ - أي قام بمسح أعراف الخيول وأعناقها رأفت بها وحباً لها ، ولادليل فيها على رجوع الشمس من أجل الصلاة .

13 - كما ان هذه القصة متناقضة في قضية المكان الذي كان فيه علي عليه السلام :

أ - فتارة قالوا إنه كان في منزل رسول الله - ص - .

ب - وأخرى قالوا كان في خيبر .

ج - وثالثة قالوا كان في الصهباء .

د - ورابعة الأقوال إنه كان في العراق ( على قول إنها رُدت مرتين ) .

14 - والقصة تقول إنه لم يصل العصر ، فهل كانت الصلاة تُصلى بوقتها ؟ على العكس مما نفعله نحن بالجمع في الصلاتين  .

وعلى أية حال فالقصة مختلقة وموضوعة ، وهي لا تخدم هدف الإمام عليه السلام بل تسيء إليه ، وهي قصة كارتونية لا يمكن ان تُحكى للأطفال قبيل النوم ، ولا يمكن التأسيس والبناء عليها في كل شيء ، قال الذهبي : - هذا الخبر الذي ذكر فيه - رد الشمس - لعلي ع - كذب موضوع ، ولو كان لها أن تُرد لردت يوم الخندق .. والشمس إن غربت خرج وقت العصر ودخل وقت المغرب ، وهنا نسأل : وهل ردت الشمس في منطقة معينة من هذه الأرض ؟ أم إنها ردت على كل الأرض ؟ ، وهل ردت في الصيف أم في الشتاء ؟ وما بال الذين كان لديهم ليل من طرف الأرض الأخرى ؟ فهل يزداد ليلهم ؟ أم يطلع عليهم النهار ؟ أم ماذا ؟

كل هذه الإحتمالات مطروحة وهي تدخل في لزوم ما لا يلزم - ..

 .