قضية دس الأخبار في كتب أصحاب الأئمة ..

 

هذه العملية قام بها جماعة ابي الخطاب ، وكما قلنا بحيلة ومكر ودهاء ، كانوا يزورون كتب أصحاب الأئمة ويضعون فيها أفكارهم ويضعون بعد ذلك أسماء صحابة الأئمة عليها ، ككتاب فضيل بن يسار الذي كان من أصحاب الأئمة الصادقين ، يقول يونس بن عبدالرحمن : سافرت إلى العراق وإلتقيت بجمع من أصحاب الصادقين - يعني الإمام الباقر والإمام الصادق - وسمعت منهم أخباراً وكتباً وأحاديث ، فلما رجعت إلتقيت بالإمام الرضا ، فسألته عما سمعته وعما قرأته وعما كتبته من أخبار الصادقين في العراق ، فقال : هذه أخبار أبو الخطاب - اللعين - رجال الكشي ص 224 - .

1 - بمعنى إنها أخبار دسها أصحاب - ابو الخطاب - مُدعين إنها أحاديث الصادقين ، ومن خبثها لم يستطع فقيه وراوي كبير مثل يونس بن عبدالرحمن من معرفتها .

2 - لأن هذه الأخبار قُدمت بأسماء رواة ثقاة كزرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم ، والفضيل بن يسار وغيرهم ، ولذلك نقلها يونس بن عبدالرحمن ظاناً بها الصدق والوثاقة ! .

3 - ويونس بن عبد الرحمن روى عن - الأصول الأربعمائة المروية عن صحابة الأئمة ، والتي منها أخذ الكافي ومن لا يحضره الفقيه ، والتهذيب والإستبصار .

وللتنبيه : فإن هذه الأصول الأربعمائة ليست صحيحة كلها بل فيها من الموضوعات الكثير ، لذلك فهي بحاجة دائماً للتدقيق والتحقيق وهكذا يفعل علمائنا ، في تحقيق سندها ودلالتها ، وقد رد البعض منها لعدم صلاحيتها وصدقها وحجيتها ووثاقتها .

وللتذكير : فإن الجماعة الذين روى عنهم - يونس بن عبدالرحمن - كانوا من سكنة العراق ، ومعلوم إن الكتب آنئذاك كانت تنسخ وتكتب باليد ، إذ لم تكن الطباعة قد أخترعت ، ولهذا كان سهلاً الدس فيها والتزوير والغش وكذا فعل أبوالخطاب وجماعته مستغلين هذا الواقع .

وللتنويه : نقول إن وضع الأخبار الكاذبة والمزيفة في - الغلو - بأئمة أهل البيت ، لم تنحصر بأبي الخطاب وجماعته وحدهم ، بل هو عمل قام به - الستة الملعونون - ، كالمغيرة بن سعيد وأتباعه ، ومحمد بن علي الصيرفي وجماعته - راجع مجمع الرجال للقهبائي ج5 ص 265 ، والنجاشي ص 256 - ..

 

الحب المُفرط المتجاوز للحد ..

هذا الحب الغير منضبط بعقل والغير مهتدي بقانون والخارج عن الإرادة ، يساهم في نشوء - الغلو - وتناميه وكثرته ، والحب الأعمى يحول الحقيقة إلى خيال ويوهم صاحبه ويحرفه عن الطريق الصحيح ، وكذا يحول الفضيلة إلى معجزة وكرامة ، يحدث هذا بفعل التهويل والإضافة والحشو والتدليس والكذب ، هؤلاء الناس غارقين في الوهم والخرافة ، وهم الذين عناهم قول أميرالمؤمنين علي ع - : سيهلك فيّ صنفان ، محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق ، ومبغض مُفرط يذهب به البغض إلى غير الحق - نهج البلاغة الخطبة رقم 127 والخطبة رقم 392 - ، فهذا الحب المُفرط الزائد عن الحد ، وهذا البغض المُفرط الزائد عن الحد ، هو ما يؤدي بصاحبه إلى عدم الإتزان والإنحراف في الفكر وفي السلوك ، وهو الذي يؤدي بصاحبه للسقوط في الخطيئة المنهي عنها ، وكلا الصفتان خروج عن مبدأ الإعتدال والوسطية التي دعا لها الكتاب المجيد بقوله : - وكذلك جعلناكم أمة وسطا - ، كذلك فهذه الزيادة من الطرفين تجاوز لحدود الله ، قال تعالى - تلك حدود الله فلا تعتدوها - ، والتجاوز عن الحد خروج عن الإرادة وعن العقل وعن الحكمة ، وكلما زاد الحب عن حده صار - إفراطاً - ، وإذا صار كذلك أضطر صاحبه للكذب من أجل تبرير أفكاره ، ولهذا يعمد إلى وضع الأخبار ونسبتها إلى أئمة أهل البيت كي تدعم إتجاههم أو مقولتهم ، وعند هؤلاء لا ضير من التلاعب ولا ضير من عدم الخوف من الله طالما يؤدي ذلك إلى ما يعتقدون وما يريدون ، يروي المجلسي في بحاره ج53 في باب ما يكون عند ظهور الإمام المهدي ، فيقول : - روي في بعض مؤلفات أصحابنا عن الحسين بن حمدان عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبدالله الحسني عن أبي شعيب محمد بن نصير عن عمر بن الفرات عن محمد بن المفضل عن المفضل بن عمر ، قال ( سألت الإمام الصادق ، وهل للمأمور المنتظر المهدي من وقت يعلمه الناس ؟ .. ألخ الرواية ) ، وهي طويلة أعرضنا عن نقلها بالكامل لعدم الحاجة ، فمن أراد مراجعتها هناك في البحار ...

والقاريء لهذه الرواية يجد إن كل ما فيها موضوع ، : ( لأن واضع هذه الرواية هو - الحسين بن حمدان الجنبلائي - الذي قيل في حقه ، إنه كذاب فاسد العقيدة والدين ، ويمكن الإطلاع على هذه الرواية في كتابه - الهداية الكبرى ص 392 - ) ، وكتاب الهداية الكبرى وردت فيه كل الزيادات والإضافات التي لم يطلع عليها صاحب البحار ، ذلك لأن صاحب البحار أكتفى بالقول : - روي في بعض مؤلفات أصحابنا - ، ولم يشر إليهم ، ولم يسمهم ، حتى يمكننا التعرف عليهم ، والحق إن كتاب - الهداية الكبرى مليءٌ بالكذب والتحريف والغلو والفساد ..

وهناك خبر آخر برواية ، سعد بن عبدالله القمي الذي إدعى فيه رؤية الإمام المهدي ، وهذا الخبر رواه صاحب البحار عن محمد بن علي بن محمد بن حاتم النوفلي عن أحمد بن عيسى الوشاء عن محمد بن طاهر القمي عن محمد بن بحر الشيباني عن أحمد بن مسرور عن سعد بن عبدالله القمي ، قال : - كنت أمرءاً لهجاً ..ألخ الخبر الذي يمتد على نحو عشر صفحات في البحار -

قال الشوشتري في قاموس الرجال ص 96 : - هذا الخبر من الموضوعات التي لا يعتد بها .. أي التي لا يقوم عليها إيمان ولا تبنى عليه عقيدة سليمة وصحيحة ، هذا من جهة المتن وأما السند ففيه محمد بن بحر الشيباني الذي قال عنه الكشي في رجاله : - محمد بن بحر الشيباني كان من الغلاة - ، وعّده أبن الغضائري من الضعفاء ، وقال عنه الشيخ الطوسي إنه من الغلاة ، وقيل كان من المفوضة ..

وفي كتاب الإحتجاج للطبرسي ورد ما يلي ، قوله : - جاء بعض الزنادقة إلى أميرالمؤمنين - ع - وقال : لولا ما في القرآن من الإختلاف والتناقض لدخلت في دينكم ، فقال عليه السلام له - وما هو - ؟  إلى أخر المُحاجة ، والتي تمسك بها الأخباريين والذين قالوا بتحريف القرآن ، إنها دليل على إن في القرآن زيادة ونقصان ، وهذه المُحاجة لم يذكر لنا الطبرسي رواتها كي نعرفهم ونتعرف عليهم ، والمتمسكين بهذه المحاجة هم القائلين بالتحريف قالوا : إن الله أنتقد نبي الإسلام في مواضع كثيرة منها :

قوله تعالى : - ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا - الإسراء 74 - .

وقوله تعالى : - وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه - الأحزاب 37 - .

وقوله تعالى : - وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم - الأحقاف 9 - .

وقوله تعالى : - وكل شيء أحصيناه في إمام مبين - يسن 12 - .

وقالوا : إنه مادامت الأشياء يحصيها الإمام فهو الأولى في الولاية وبالوصية له من النبي ، وعندهم تكون دلالة قوله - وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم فهذا يعني الدور والتسلسل ، وكلامهم لايعدو أن يكون سوى - مُغالات - لأنه لا يقوم على دليل وقراءة وتدبر في النص وفي معناه وفي دلالته ، والمؤسف إن صاحب تفسير - نور الثقلين - ذهب مذهبهم وصدق مقالتهم ، وقال بالتحريف بدليل إنه قام بعملية تقطيع لهذا الخبر وجاء بما يُعزز مفهومه في تفسير قوله - وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم - ، مدعياً إن هذا المقطع ليس من كتاب الله ، بل هو مما أُضيف له ، لأنه أعتبر ذلك المقطع أهانة للنبي ، إذ يجعله لا يعلم بحاله ومستقبله ولا بحال أمته ومستقبلهم  ، وطبعاً هذه واحدة من سقطات تفسير نور الثقلين إذ إنه لم يقم ببحث وتحقيق في صحة هذه الرواية أو عدم صحتها ، إذ إن هذه الرواية تقول : إن بعض موضوعات الكتاب غير ثابتة لذلك تشابهت على الناس - راجع الإحتجاج ج1 ص 371 - .

وهذا :

أولاً : قول صريح بتحريف كتاب الله المجيد وبأن فيه زيادة .

وثانياً : قول صريح في دعوى التحريف وبأن فيه نقصان .

ودعوى - التحريف يؤمن بها الكثير من المتقدمين والكثير من المتأخرين ومن بعض المعاصرين ، ولأن هذه المُحاجة تذهب هذا المذهب فهي عندنا ساقطة من الإعتبار ولا يمكن قبولها أو التصديق بها وبصحة صدورها .

 

ومن جملة حكايا التحريف :

ما قالوه في تفسير قوله تعالى : - كل شيء هالك إلاّ وجهه - ، فقالوا : إن الصحيح هو - كل شيء هالك إلاّ دينه - ، وهذا تحريف واضح ، وإستبدال متعمد لكلمة - إلاّ وجهه - بكلمة - إلاّ دينه - ، فهم قالوا إنه يستحيل ان يزول كل شيء من الله إلاّ وجهه ، بل الصحيح إن كل شيء يزول ويبقى دينه  الإحتجاج ج1 ص 377 - وكأن واضع هذه الرواية أعتبر إن معنى - كل شيء هالك - يُراد به الله أو إنه معنى ذاهب إلى الله - فكل شيء من الله هالك - وهذا منهم تجسيم وتجسيد باطل وهو محرم وممنوع ، مع إن النص يقول : إن كل شيء لُباً أي كل ما سوى الله هالك ، يعني كل شيء غير الله هالك ، والآستثناء في النص قد يكون متصلاً وقد يكون منفصلاً ، فلو كان - متصلاً - ففي هذه الحالة يكون معنى شيء في النص شامل لله ، ولو كان الإستثناء منفصل فإن معنى شيء في النص لا يكون شامل لله ، وفي هذه الحالة ستكون إلاّ - بمعنى - لكن - ، ولأن الأصل في الأستثناء ان يكون متصل كما يقول النحاة ..