من شيوخ الغلاة - محمد ابن أبي زينب - المعروف بأبي الخطاب ..

 

هذا الرجل الذي كان من زعماء الغلاة في العراق ، والذي أباح لإتباعه كل الموبقات ودعاهم لترك كل الواجبات ، هذا الرجل كان طالباً للسلطة وللشهرة وللمقام ، ولذلك سلك في دعواه هذا المسلك الخطير ، وأقواله تدل عليه والمؤسف إنه لايزال البعض من المغفلين من يعتقد ومن يردد هذه الأقوال السيئة ، لكن ذياع صيته وشهرته كانت في هذه الجزئيه قوله : إن الإمام جعفر بن محمد الصادق هو الله ، وإنه نبي مرسل من عنده -

ذاع صيت هذا القول في كتب الإعتقادات وكتب الملل والنحل مُدعياً : إنه مبعوث للناس من جعفر بن محمد يدعوهم فيها إلى ترك الواجبات وإباحت المحظورات - ، مستدلاً على ذلك بما جاء في الكتاب المجيد في قوله تعالى : - يريد الله أن يخفف عنكم - النساء 28 - ، والتخفيف المُراد هاهنا هو من خلال دعوته ، معللاً بالذي جاء في الكتاب عن مفهوم الصلاة والصيام والحج وسائر العبادات ، بأنها تعني رجال معينين ، فمن عرفهم سقط عنه هذا التكليف وهذا الواجب ، والناس مكلفون فقط بمعرفتهم وتوليهم والبراءة من مخالفيهم ، ذلك لأن المعاصي كلها تعني رجال معينين من مخالفي أئمة أهل البيت ، هكذا يقول - أبو الخطاب - أنظر المقالات والفرق ص 51 و52 ، وكذلك في كتاب فرق الشيعة للنوبختي ص 42 و43 .

جاء في كتاب بهجة الآمال ج1 ص 100 : - إن أصحاب أبي الخطاب لا يؤمنون باليوم الآخر ، لأنهم يقولون : إن الجنة هي السعادة في الدنيا ، وإن النار هي الشقاء في الدنيا -

يقول الكشي في رجاله ص 293 : إن - أبو الخطاب - قصد المدينة مع سبعين رجلا من أصحابه لزيارة الإمام الصادق ، فخاطبه الإمام بالقول : أتعرف يا أبا الخطاب معنى الفضيلة وملاكها ؟ فقال : نعم ، فقال الإمام : إنها بقراءة القرآن ، وبالورع ، وبالتقوى ، وإخلاص العبادة .. ثم قال له الإمام : أياك والبحث عن الشهرة

لكن جماعة - ابو الخطاب - أدعوا إن الإمام قال لزعيمهم : - أنت خزائن علمي وموضع سري - رجال الكشي ص 291 - ، وهذا لون أستخدموه للتغرير بالبسطاء من الناس وممن لا تصله أخبار الإمام لبعد المسافة وإنقطاع السبيل ، ومعلوم إن المحبين من أتباع أهل البيت تغريهم كل كلمة وكل قول ينسب إلى أئمتهم ، ولازال هذا مسلك جاري حتى في أعصارنا مع تطور المعرفة ووسائل الإتصال والمعلومات  .

نعم كان لجعل الأخبار في الغلو بأئمة أهل البيت وتأليههم ، كان له هدفاً سياسياً ، فمن طرف كانت السلطة الحاكمة ومن طرف أخر طلاب الرياسة والشهرة من ذوي النفوس الضعيفة ، وكان لأبي الخطاب وجماعته دورا في نشر وترويج ووضع أخبار الغلو ، ونسبة ذلك إلى أئمة أهل البيت ، ومن بين الطرق التي أتبعها أصحاب أبي الخطاب في نشر أخبار الغلو : هو نسخ كتب أصحاب الأئمة ووضع الأخبار المغالية فيها ، وحين تقرأ يصدق الناس بها لسمعة أصحاب الإمام الطيبة والصادقة ، وقد أعتمد أصحاب أبي الخطاب هذا السلوك إذ من خلاله تم تحريف الكثير وتزوير الكثير ، وهدفهم من ذلك تعميم أفكارهم ومعتقداتهم ، خاصةً في ظل تلك الأجواء المشحونة بالتخلف والدسيسة والتآمر ، وظل هذا السلوك وهذا الإنحراف مستمر إلى زمن الإمام الرضا ومابعده وإلى يومنا هذا - رجال الكشي 224 - .

عن معاوية بن الحكيم عن جده معاوية بن عمار قال : - بلغتني عن أبي الخطاب - أمور لم أقلها إلى الإمام الصادق ، حتى جئت المدينة فإذا - بأبي الخطاب - كان حاضر في مجلس الإمام الصادق في المدينة ، فقلت للإمام : إن أبا الخطاب يروي عنكم كذا وكذا وذكرت له ، وكان أبو الخطاب حاضراً ، فقام الإمام وطرده من مجلسه ، وقال - أغرب عن وجهي - راجع رجال الكشي ص 295 و296 و297 - .

ثم تلا قوله تعالى : - قل هل أُنبئكم على من تنزل الشياطين ؟ تُنزل على كل أفاك أثيم .. - الشعراء 222 - ، فقال الإمام : إنها نزلت بحق - أبي الخطاب - وأمثاله من الغلاة الكفرة كحمزة بن عمارة والمغيرة بن سعيد - أنظر رجال الكشي ص 290 و302 - ، ومعروف عن حمزة بن عمارة البربري قوله بحلية جميع المحارم ، لذلك قال النوبختي في كتابه فرق الشيعة ، إنه قد نكح أبنته ، وقال : من عرف الإمام فليصنع ما يشاء فلا أثم عليه - فرق الشيعة ص 28 - .

وكان المغيرة يتعمد الكذب على الإمام الباقر - أنظر فرق الشيعة ص 27 - .

 

تعظيم - أبي الخطاب - من قبل أصحابه ..

يقول الكشي : إن أصحاب أبي الخطاب قالوا : إن كلامه مقدم على كل كلام - أنظر الكشي ص 344 - ، وقد رفعه بعضهم إلى منزلة الإله الذي يعبد ، وكلامه عندهم مقدس ، ولأن هذا التوجه وهذا السلوك من الخطورة بمكان ، كان لا بد للإمام الصادق من تعرية هذا السلوك وتنبيه الناس لمخاطره ، مستخدماً كل السبل من الحكمة والموعظة الحسنة ، ومن دعوتهم لمعرفة الحق وتجنب طريق الضلال ، لكن أصحاب أبي الخطاب ومن هم على شاكلتهم مصابون بعاهة ومرض - الجهل المركب ظانيين بأنفسهم المعرفة والعلم مع إن ما بأيديهم لا يتعدى الإرتكاس في الخطيئة ، التي تبعدهم عن الإيمان الحق الواضح ، ولجهلهم المركب هذا طاش بهم السهم ليخاطبوا أبنته بعد مقتله - السلام عليك يا بنت رسول الله - رجال الكشي ص 364 - ، يقول صاحبه الحسن بن علي المعروف بالسجادة : إن أبا الخطاب أعظم منزلة من رسول الله محمد - ص - لأن محمد بن عبدالله عاتبه ربه في الكتاب المجيد بقوله - ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا - الإسراء 74 - ، وقوله : - لئن أشركت ليحبطن عملك - الزمر 65 - ، ولم يعاتب ابا الخطاب بذلك رجال الكشي ص 571 - .

يقول صاحبه داود بن كثير قلت لأبي عبدالله الصادق : أأنتم الصلاة في كتاب الله ، وأنتم الزكاة ، وأنتم الحج ..؟ ، فقال ع - : يا داود نحن الصلاة في كتاب الله ، ونحن الصيام ، ونحن الحج ، ونحن كعبة الله ، ونحن قبلة الله ، ونحن وجه الله ، قال تعالى : - فإينما تولوا فثم وجه الله ... وعدونا في كتاب الله الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر .. والميتة والدم ولحم الخنزير .. - البحار ج 24 ص 303 - .

يقول النجاشي في رجاله ص 119 : - إن داود بن كثير ضعيف جداً ، ويروي عن الغلاة - ، ويقول أبو القاسم الخوئي في معجم رجال الحديث ج 7 ص 125 : - إنه ليس بثقة - ، أي إن روايته ساقطة من الإعتبار ولا يعتد بها ، إضافة لما قاله الكشي في رجاله ص 408 : إن الغلاة يروون عن داود بن كثير - وقد عده الغلاة كواحد منهم ، وإذا كان ذلك كذلك فيكون هذا الخبر من وضع الغلاة يقيناً ، وفي ذلك يقول الكشي ص 224 : إن هذا الخبر إنتقل إلى كُتب أصحاب الإمام عنهم ، لأن مايقوله الخبر هو عين ما يعتقد به - أبو الخطاب - في قضايا الحدود والاحكام والواجبات والمحرمات ..

ونسمع في أزماننا من يُردد هذا الكلام بإعتباره فضيلة للأئمة وقدح في مخالفيهم ، وهذا كما ترى تحايل وتأويل غير صحيح ومخالف لصريح الكتاب المجيد ، إذ إن إخراج إلفاظ الكتاب مما وضعت له تجاوز على النص وصرف للكتاب فيما لا يطلبه ولا يريده ، فلفظ الصلاة أو الصيام أو الحج وكذا سائر العبادات وسائر المحرمات هي ألفاظ لها دلالة معينة في كتاب الله وصرفها أو تأويلها على غير ما دلت عليه هو تأويل باطل وصرف للنصوص في غير محلها ومقاصدها ، ففي كتاب الله لا يقصد من الصلاة رجل أو رجال بل هي شعيرة مارسها الرسول - ص - كسائر العبادات ومما كُلف بها ، وهكذا فلا يقصد من الزنا رجل أو رجال لأن الزنا لفظ دال على معناه بدقة ووضوح ، والكتاب المجيد جاء على ذكر رجال واصفاً إياهم تارة أحباب الله أو أنصار الله ، وطوراً ذكرهم كاعداء لله وكمنافقين ذكر واضح لا لبس فيه ، وجعل ما يميز بين العبادة وضدها هو حُسن العمل بالطاعة و الإنقياد مع الإيمان ..

والكتاب المجيد نزل على قلب نبينا - ص - بلسان عربي مبين ، لسان يفهمه ويعرفه العرب والناطقين بالعربية ، وكذا يعرفون معانيه ومقاصده ودلالالته ، لذلك قال الإمام الصادق : - ما كان الله ليُخاطب خلقه بما لا يعلمون - بحار الأنوار ج 24 ص 300 - ، وذلك منه عليه السلام رد على خبر داود بن كثير وأمثاله المنتحلين صفة الأصحاب أو الأتباع أو المحبين ، ذلك لأن الله لا يريد لعباده ان يضيعوا في ألفاظ لا يعلمونها ولا يعقلونها ، ولهذا كلفهم وأمرهم ونهاهم ..