الأخبار في خدمة السياسة والسلطان ..

 

لا يفوتنا التذكير بأن وضع الأخبار وروايتها كان صنعة أشتغل بها حرفيون أتخذوها طريقاً للتكسب والتعايش والإرتزاق ، وقد نشط هذا الصنف من الرواة في العصر العباسي ، الذي شجع ودعم الكذابين والأفآقين والمنافقين ، إذ كان مسرحاً لإنتشار هذا اللون من الأخبار يُغذيها الحنق والكراهية والسخط على أئمة أهل البيت ، وشاهدنا على ذلك هذا الخبر :

روى ابن المغازلي في مناقبه ص 300 : - عن المأمون عن أبيه هارون عن أبيه المهدي عن أبيه المنصور الدوانيقي .. عن أبن عباس ، إنه قال : قال رسول الله بينما كنا في المدينة سمعنا صوتاً عظيماً ، فقلنا يارسول الله : ما هذا الصوت الذي نسمع ؟ ، فقال رسول الله : إنه صوت أبليس وجيشه الذي حضر هنا ، فقال علي : يا رسول الله نريد أن نرى أبليساً ، فقال رسول الله لأبليس ، يا عدو الله أظهر نفسك لعلي ، فرأه فإذا هو - رجل كبير السن قصير القامة أبيض الشعر ، وشعره بطول قامته ، وله أربعة أعين ، عينان في الرأس ، وعينان في الصدر - فقال علي : يا رسول الله أذن لي في قتله ، فقال رسول الله لا يمكنك ذلك ، لأن الله قد جعله من المنظرين إلى يوم الدين  .

ولمعرفة هذا الخبر نقول :

أولاً : إن أربعة من رواة هذا الخبر هم من خلفاء بنو العباس المأمون وهارون والمهدي والمنصور - ، ولم يكن أياً من هؤلاء الأربعة صادقاً أو عادلاً أو مؤتمناً على خير ، وأعمالهم تدل على عدم صدقهم وعلى ظلمهم وعلى خيانتهم ، وهذا ثابت في تاريخ المسلمين ، يقول الشيخ الصدوق : إن المنصور هو من قتل الإمام الصادق بالسم ، وإن هارون هو من قتل الإمام الكاظم ، وإن المأمون هو من قتل الإمام الرضا - إثبات الهداة ج 3 ص 755 - .

وثانياً : كان خلفاء بني العباس يقومون بوضع الاخبار الكاذبة والتي تحط من شأن أئمة أهل البيت ، وكان ذلك بسبب التنافس والصراع السياسي بين بني العباس وبين أبناء علي .

وثالثاً : وكان خلفاء بني العباس يريدون من تلك الاخبار التقرب إلى الناس ، لأنهم كانوا أبعد ما يكونوا عن الناس ، وتلك لعبة سياسية معروفة تقوم على النفاق والتدليس والتزوير والدجل والتظاهر بحب الخير وأهله .

ورابعا : ثم لننظر في الكيفية التي قُدم بها علي عليه السلام وهو يُصارع أبليس

1 - علي شاب قوي وأبليس رجل طاعن بالسن قصير القامة دميم الهيئة .

2 - إظهار علي بمظهر المصارع الفاقد للإرادة والمعرفة بكتاب الله وأحكامه .

هذه الحكاية ليس سوى كذب محض هدفه الإستهزاء بعلي وبقدرة علي وبعلم علي ، وهي لا تعدو ان تكون حكاية للمجالس والقصد منها السخرية والتشهير والحط من قدر علي ودوره في الإسلام ، فالخبر العباسي يريد ان يوصل رسالة مفادها : إن عليا لا يعرف ما في كتاب الله من حدود واحكام ، فقضية ان لا يعرف الإمام بان أبليس من المنظرين قضية محيرة وهي المُرادة من هذا الخبر وهي المستهدفة ، لأن الواجب ان يكون علياً عارفاً بهذا الحكم وبان ابليس من المنظرين ولا حاجة لكي يسأل رسول الله في ان يأذن له بقتله ، نعم هي حكاية جيء بها للحط من جهاد علي وعلمه وتقواه ، وخلفاء بني العباس تفننوا في هذا المجال إلى الحد الذي رأينا فيه المتوكل العباسي يستعين بأحد ندمائه المدعو - عبادة المخنث - كما يروي لنا ذلك - ابن الأثير في الكامل ج 7 ص 55 - يقول : كان عبادة يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ، ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل ، والمغنون يغنون : - قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين

يعني بذلك علياً عليه السلام - ، والمتوكل يشرب ويضحك ، وكان يفعل ذلك كل يوم ، ويوم كان : المنتصر حاضر فأومأ إلى عبادة يتهدده فسكت خوفاً منه ، فقال المتوكل ما حالك ؟ فقام وأخبره ...فقال المتوكل للمغنيين غنوا جميعاً :

غار الفتى لأبن عمه رأس الفتى في حر أمه

فكان ذلك من الأسباب التي أستحل بها المنتصر قتل المتوكل ...