نشأة الغلو والتطرف في الفكر الإسلامي

 

 

إن نشوء - التطرف والغلو - في الفكر الإسلامي هو نتيجة طبيعية لسيادة الجهل في الثقافة وفي الوعي وفي الإعلام الإسلامي ، ولهذه النشأة أسباب وعلل صنعت فكر الغلو وقامت على تأسيسه وإنتشاره ، والفكر الإسلامي الذي نعنيه هو - السني والشيعي معاً - .

الذي نمت في هذا الفكر عناصر التطرف وغالت في المفاهيم والكلمات والرموز والأسماء ، وهذه العناصر أستطاعت أن تحفر في العقل الإسلامي أخاديد تخل به وتحرفه عن مساره الطبيعي الذي حددته رسالة السماء ، حتى صار هذا العقل بسبب هؤلاء النفر المكان المناسب الذي تعشعش فيه طيور الظلام وتبني أوكارها فيه ، فتدمر مابناه الإنسان الحر وتهدم كل قيم الحياة والحضارة والمستقبل ، و هنا سنحاول قدر ما نستطيع توجيه الأنظار إلى ما يكون في هذا الفكر من تطرف وغلو ، ولكل أسبابه ودواعيه وهي لا تخرج عن أمور ثلاث هي :

1 - الأعداء السياسيون المبغضون لأئمة أهل البيت والذين زوروا الاخبار الكاذبة مدعين ما ليس فيهم ، و متخذين من ذلك طريقاً للسخرية والإستهزاء بهم والحط من قدرهم والتشهير بهم ، عبر وضع الأخبار الكاذبة في حقهم ، ويمكن لمن أراد الإطلاع على ذلك فسيجده في كتاب الشيخ الصدوق - عيون اخبار الرضا ج1 ص 304 - والذي يظهر فيه الغلو في أوضح صوره ومعانيه .

2 - وهناك المتعطشون للسلطة وللشهرة وللجاه والمقام ، هؤلاء ومن أجل تحقيق أهدافهم السيئة قاموا بوضع الأخبار التي تجعل من أئمة أهل البيت بمصاف - الله - أو هم - الله - والدعوة لذلك والتبشير به ، من أمثال - سعيد بن المغيرة وجماعته ، ومحمد بن أبي زينب المعروف ( بأبي الخطاب ) الذي أدعى النبوة وأصحابه ... - وهذا الأخير أدعى : إن - الله - هو الإمام الصادق ، وإنه أي - أبو زينب - مبعوث منه لرفع التكاليف والواجبات ومحو الذنوب والمعاصي - أنظر كتاب المقالات والفرق لسعد بن عبدالله الأشعري ص 53 - .

3 - وهناك المحبون لأئمة أهل البيت - السذج - والذي رووا فيهم الأخبار المُغالية ونشروها وتمسكوا بها من غير تدبر أو تحقيق أو تأمل ، نعم هذه الأصناف الثلاثة أعني - البغض المفرط والحب المفرط ومحبي الجاه والمنصب - هؤلاء هم من ساهم ودعم وتبنى الغلو فكرا وممارسة ، ومنهم دخل و تسلل هذا الانحراف إلى العامة من الناس فصيروا ذلك عندهم ديناً وسلوكاً وعقيدة ، يعيشون فيه ويتحاجون به وينشرونه بين الناس ، فيضللوا عليهم عقائدهم ويخربوا عليهم عقولهم .

ولا يغرب عن البال ، إن لهذه الأصناف قوى تتحرك وتعمل من أجلهم لترسيخ فكرة الغلو وجعلها عقيدة في الذهن والعقل المسلم يدين بها ، وهذه القوى شكلت الأداة التي من خلالها تم إتهام الإسلام بكل ما هو قبيح وسيء ، ومن خلالها إيضاً أُتهمت عقيدة المسلمين بأنها جدُ متخلفة ، وأُتهمت نظرتهم للحياة وبأنها دليل على الرجعية والضمور والإنحسار ، وصار الإسلام يعني الإرهاب وصارت قوانينه تعني الفوضى وصارت الدعوة إليه تعني الدمار والإنحراف و الخرافة والزيف والفساد ، في كل مدياته وحدوده من العقل إلى الإدارة وإلى توزيع الثروة وإلى مبدأ التعايش المجتمعي ، ولهذا تُعد اليوم عقيدة المسلمين في ألسن الأخرين وكأنها تُمثل كل ماهو بالي ومتخلف وبعيد عن المنطق والعقل والحياة الطبيعية ..

 

 

ماهي الوسائل التي يتم من خلالها كشف زيف هذه القوى ودحضها ؟

لاشك إن عملية الكشف تحتاج إلى عناصر علمية وتقنية تبحث في أدلة هذه القوى والعناصر ، وهذه عملية ليست ميسورة للجميع ولهذا :

أقول : لقد أستطاع نفر ممن نابذ أئمة أهل البيت العداء من تزييف الحقائق وتزييف التاريخ ، من خلال وضع الأخبار الكاذبة التي تُغالي في الأئمة وترفعهم إلى مصاف الآلهه وفوق طبيعة البشر والناس ، وكانوا يستهدفون من ذلك :

1 - تخويف الناس من الأئمة وتنفيرهم منهم ، والإدعاء بأنهم كذابون مخادعون و مخالفون لله ورسوله .

2 - كما و يستهدفون منع الناس من التقرب إليهم ، لكي يسهل وصفهم بانهم أئمة الضلال والكفر والشرك  .

وقولنا هذا ليس إدعاء أو هو رمي للآخر بما ليس فيه ، بل إن ذلك منا يقوم على جملة أدلة وبراهين سنذكرها لا حقاً ، وإلاّ ما بال المخالفون ينشرون بين الناس أخبار الغلو في أئمة أهل البيت ؟ ، إلاّ إذا كان لهم من ذلك هدف محدد ، وهو إرباك الساحة الإسلامية وجعل المحبين في موقف دفاعي ضعيف لا يحسدون عليه ، وعزلهم والتضييق عليهم تحت هذا البند .

ونحن وجرياً على عادتنا في تتبع هذه الأخبار من مصادرها ، والتحقق منها ومن الغاية التي تبتغيها و تهدف إليها ، وما تريد التركيز عليه في المباشر وفي غير المباشر من الأفعال والأقوال ، وذلك التتبع للأخبار من مصادرها هو مساهمة بسيطة منا في الدفاع عن حق الأئمة في الحياة وصوابية النهج الذي كانوا يتبعون ..

يقول : إبراهيم بن أبي محمود ، سألت الإمام علي بن موسى الرضا ، عن الأخبار التي تروى بلسان المخالفين عن فضائل أميرالمؤمنين عليه السلام ، فقال : الإمام الرضا ع - يا أبن أبي محمود ، إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا ، وجعلوها على ثلاثة أقسام :

أحدها : الغلو فينا ..

وثانيها : التقصير في أمرنا ..

وثالثها : التصريح بمثالب أعدائنا ..

فإن سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا ، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا ...- عيون أخبار الرضا ج1 ص 304 - .

وطبيعي إن سمع الناس بمن يُغالي في الأئمة وينسب إليهم الربوبية وأفعال الله ، سيكفرون بهم وبشيعتهم والتابعين لهم والمتعاطفين معهم ، بحجة إنهم إنما يعتقدون بذلك ويؤمنون به ، وحين يسمعوا التقصير في الأئمة يظنون ويعتقدون بأن الأئمة مقصرون ( والتقصير معناه في هذا الخبر بحسب الشهرستاني : هو تشبيه الأئمة أو واحد منهم بالله ، أو تشبيه الله بالخلق ، وهم على طرف من الغلو ) - الملل والنحل ص 81 - ، ويعني هذا فالتقصير تارةً يكون بتشبيه الخلق بالخالق ، وطوراً يكون بجعل الأئمة أعظم من الخالق !! .

وبحسب القاعدة المنطقية التي تسمى - بالتقابل المنطقي - والتي هي بمثابة التقابل في صيغة الفعل ورد الفعل ، فحين يسمع الناس من العامة بمن يطعن في الخلفاء أو ببعض أزواج الرسول - ص - ، فيكون بالتقابل هذا أن يطعنوا بأئمة أهل البيت وبنسائهم ، بحيث يكون ذلك التنابز المنهي عنه في الكتاب المجيد والذي تسقط معه وفيه القيم والأخلاق ، وهذا مايُراد بالضبط ..

ولو تأملنا الخبر المروي عن الإمام الرضا : لوجدنا فيه نفس وروح وطبيعة الحياة السياسية والثقافية والإعلامية السائدة آنئذاك ، وهي طبيعة تتحدث عن جو نفسي معبء بالكراهية والحقد والتشهير بأئمة أهل البيت ، وكان لبعض المنافقين دورا بارزا في هذه العملية ، إذ إنهم أظهروا المحبة لأهل البيت وتظاهروا بها وأضمروا الكراهية والحقد والعداء ، وبتلك الروحية الحاقدة وضعوا الأخبار الكاذبة التي تُغالي بأئمة أهل البيت و تسيء إليهم ، مما يجعلهم هدفاً لكل حاقد وحاسد وعدو ، وطبعاً يُسهل لهم طبيعة الجو العام هذه المهمة فينتج بالتقابل الشتيمة واللعن لأئمة أهل البيت .

وكان لذلك الفعل هدفه الواضح في : إخراج الأئمة من ساحة الصراع السياسي والثقافي وأبعادهم عن مركز التقرير وتحديد مصير وهوية الأمة ، وحصرهم في الزاوية الضيقة - للفعل ورد الفعل - ، ومنعهم من الإقتراب و التقرب إلى الناس ومخاطبتهم ..

ولهذا مُنعت الرواية عن أئمة أهل البيت بإعتبارهم غُلاة ، ولهذا لم يرو البخاري في كتابه ولا خبر واحد عن الإمام الصادق ، وذلك دليل واضح على طبيعة الثقافة التي كانت سائدة والمعبئة بالكراهية والكذب تجاه العلويين ، ولهذا نخاطب قومنا وممن نخاف الله عليهم : أن يعتبروا من كلام الإمام الرضا هذا ، ويأخذوه على محمل الجد ليعملوا به ويعلموه ، وذلك دفعاً للضرر وللمهاترات ودفعاً للكراهية المتنامية ، وخطابي أوجهه لمن يرعى الله في أمة الإسلام لكي يبتعدوا عن التخندق والتحزب والتنابز ورمي الآخر بكل ما هو قبيح مما يزيد في نسبة الكراهية والعداء والشحن الطائفي والمذهبي ، وندعوا الجميع لكي يتدبروا كلام الإمام الرضا من غير مواقف مسبقة أو أحقيات ويتركوا ما لله لله ، من دون الإنجرار وراء حفنة من المتخلفين والحاقدين والمرضى من الذين يتعمدون في مواقفهم وخطاباتهم الإساءة إلى أئمة أهل البيت ، فكل كلام فيه إساءة متعمدة لأهل البيت أو لأصحاب النبي - ص - هو كلام محرم شرعاً وصاحبه مأثوم وفاعله من أهل الكبائر ، وليكن هدي الجميع كتاب الله في قوله - تلك أمة قد خلت لها ما كسبت - ، وكلامنا في هذا الشأن نوجهه لأهل الإيمان لكي يُخرجوا أئمة أهل البيت من ساحة الصراع السياسي والإجتماعي والتنافس السلبي الإعلامي والدعائي ..

لهذا نقول : إن جميع الأخبار التي راجت في عصر الأئمة والتي تُغالي بهم إنما هي من صُنع المخالف الذي يُناصبهم العداء ليسقطهم في أعين الناس ، من قبيل القول بألوهية الأئمة ، هذا القول الذي رده الأئمة وكفروا قائليه ، لكن هذه الأخبار وردت إلينا بصيغة : هكذا قال الإمام الصادق ، وهكذا قال الإمام موسى الكاظم وهكذا قال الإمام الرضا .. ألخ ، مثل قولهم : إن للأئمة عليهم السلام : إرادة تكوينية  أي إرادة في تكوين العالم والكون ، سواء في الخلق أو الإنشاء  ، وبعضهم قال : إن أعمال العباد تُعرض عليهم كل يوم  ، إلى ما هنالك من هذه الترهات والزيف  .

وكما قلنا فإن لواضعي هذه الأخبار أهداف سياسية ودعائية معينة ، لكن هذه الأهداف قد تنطلي على بعض الناس فيظنون بها خيراً ويعتقدون بمضامينها ، وهذه معضلة كبيرة نواجهها اليوم لدى فئة من المحبين الذي لا يقرءون ولا يتدبرون ، إنما يأخذون ما يسمعون على أنه حقائق صحيحة وصادقة يؤمنون بها من غير جدال ، وهذه مشكلة - الحب المفرط - الذي حذّرنا منه الأئمة عليهم السلام ، حتى غدت هذه الأخبار ثقافة عامة وعقيدة مُسلم بها ، مع إنها وهم وخداع وتضليل ، ولعلنا نرى هذا اللون من - الغلو - يروج له في الإعلام وفي بعض الفضائيات الفاسدة ، وأصحابها الذين يدعون زوراً تشيعهم ، ونرآه كذلك من بعض رجال الدين القليلي المعرفة ..

وكلنا سمع من البعض قولهم : لقد نجا الله نوحاً - ع - من الطوفان بأسم علي ،ونجا إبراهيم - ع - من النار بأسم علي ، وبأسم علي خرج يوسف من الجب ، وقولهم : إن علياً هو النداء الذي خوطب به موسى في الطور حين قال : - إني أنا ربك - طه 12 - ، وبالنتيجة : إن علياً هو خالق الأرض والسماء ، وإنه هو الله - نعوذ بالله من ذلك علواً كبيرا -  ..

ويستشهد البعض من الغلاة بقول الإمام علي - ع - : ( إنا صنايع ربنا والناس بعد صنايع لنا ) - نهج البلاغة ص 894 - .

كدليل على - إن علياً هو الله  - معتبرين ذلك القول منه دليلاً على : إن الخلق من صُنع علي  ، ولكن هذا الإعتبار وهذا التفسير منهم لمعنى كلام أمير المؤمنين باطل من وجوه :

الأول : إن لفظ - صنايع - الوارد في كلامه عليه السلام ، إنما جاء بصيغة - الجمع - ، ويعني ذلك : إننا صنايع ربنا ، والمراد من كلمة - إنا - يعني أهل البيت ، ولا تعني علياً عليه السلام وحده ، إذ إن لفظ - أنا - لا تدل على المفرد و الحصر في اللسان العربي .

والثاني : وإن لفظ - صنايع - مفرده صنيعة ، وصنيعة أو الصنيعة تعني التربية وتعني الإحسان ، هكذا قال أبن أبي الحديد في شرحه على النهج ، قال : صنيعة الملك من يصطنعه الملك ويرفع قدره - شرح النهج ج 15 ص 194 - ، وفي هذا المعنى قول الإمام عليه السلام : - صنيع المال يزول بزواله - نهج البلاغة ص 155 - .

والثالث : وإن هذا الكلام منه عليه السلام : - إنا صنايع ربنا والناس بعد صنايع لنا - هو جزء من كلام كان يخاطب فيه معاوية ، ويذكره فيه بالنعمة التي أنعم الله بها على أهل البيت إذ جعل فيهم النبوة والرسالة ، ومن خلالهم أنعم الله بها على البشر .

إذن فقول الإمام هذا لا يتعدى المعنى الذي ذكره عليه السلام ، بدليل إن المراد من كلامه لا يتعدى القول : بأن - أهل البيت - تربوا وتعلموا من النبي ومن الرسول مباشرة ، ومنهم أخذ الناس العلم والتربية ، وبعبارة أدق : إن من رباهم وعلمهم هو رسول الله ومن خلالهم تعلم الناس ، ولا دليل في كلامه يدل على إن معنى صنعناهم بمعنى خلقناهم ، وكأنه عليه السلام أستقرء من سيذهب بكلامه مذهباً مُغالياً لذلك قال : - ليحبني أقوام حتى يدخلهم حبي النار - أنساب الاشراف ص 120 ..

ومن صور الغلو :

هذا الخبر الذي رواه ربيعة بن محمد بسنده عن أنس بن مالك ، قال : - أنقض كوكب ، فقال رسول الله ص - ، أنظروا فمن أنقض في داره فهو الخليفة بعدي  ، فنظرنا فإذا هو في منزل علي - ع - ، فقال جماعةٌ : قد غوى محمد في حبّ علي ، فنزلت ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ) - مناقب أبن المغازلي ص 266 ، وميزان الإعتدال للذهبي ج2 ص 45 - .

يقول الذهبي : هذا الحديث باطل ، لأن - الجوزجاني - راوي هذا الحديث عن ربيعة بن محمد هو رجل مجهول لا يُعرف بكتب الرجال ، كما إن ربيعة بن محمد لا يعتد بروايته لأنه - متروك الحديث - ، ولم يُتهم ربيعة بن محمد بالتشيع ، ولهذا فلا يمكننا إعتباره من غلاة الشيعة ، ولهذا فخبر ربيعة بن محمد ساقط من الاعتبار من جهة السند ، ومن حيث المتن فنقول :

1 - إن سورة النجم هي مكية بإجماع ، قال ذلك الطباطبائي في الميزان ج19 ص25 ، كما إن : أنس بن مالك هو من أهل المدينة ، وكان عمره حين هاجر النبي - ص - إليها نحو 9 أو 10 سنيين - أُسد الغابة ج1 ص 127 - ، وهو قبل ذلك الحين لم يزر مكة ، حتى نقول أو لكي نقول عنه : إنه شاهد النجم وهو يهوى في بيت علي ع - !! .

2 - وفي ذلك الوقت لم يكن للإمام علي - ع - بيت مستقل في مكة ، أي وقت نزول سورة النجم ، ومعلوم إن الإمام في طفولته كان في بيت والده ثم في بيت رسول الله - ص - من قبل ومن بعد البعثة النبوية - أُسد الغابة ج4 ص 17 - ، يقول الطباطبائي في الميزان ج 19 ص 25 : إن سورة النجم هي أول سورة قرأها النبي على المؤمنين والمشركين جميعاً - ، وهذا يعني إنها من أوائل السور التي نزلت بعد البعثة النبوية ، وفي ذلك الوقت يكون علي - ع في عمر الخمسة عشر سنة تقريبا، وفي ذلك الحين لم يكن قد تزوج بعد بفاطمة ، ولم يكن له بيت مستقل خاص به كما تقول روايات التاريخ المعتبرة .

3 - ولو تنزلنا وقلنا بصحة هذا الخبر ، فإن ذلك يستلزم جدلاً : أن نستبدل كلمة - إذا - بلفظ - إذ - ، ويكون النص على هذا النحو : - والنجم إذ هوى - بدل قوله : - والنجم إذا هوى -  ، ومُراد إذ - في الكتاب المجيد حين تستخدم تكون دالة على مكان ومحل وقوع الحدث ، كما نقرأ ذلك بقوله تعالى : - إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم - الأحزاب 10 - ، ولكن لفظ - إذا - في الكتاب المجيد فيدل على الإستمرار ، كما نقرأ ذلك بقوله تعالى : - والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى - الليل 1 و 2 - ، وهذه العملية التي يتحدث عنها النص هي عملية دورية مستمرة إلى يوم القيامة ، وعليه يكون معنى قوله تعالى : - والنجم إذا هوى - هو دوام الحدوث واستمراره ، كما إن النص ليس في مقام الكلام عن سقوط النجم بقدر ما هو إشارة إلى الطبيعة الكونية لحركة الشمس في كل يوم من شروق وغروب ، ومنه نفهم إن جملة - والنجم إذا هوى - ليست في مقام الحديث عن سقوط النجم في بيت علي عليه السلام  .

4 - والحق إن الإستشهاد بسقوط النجم في مقام الخلافة إستشهاد غريب ، ذلك لأن المعلومة العلمية تقول : إن أصغر نجم هو أكبر من كوكب الأرض بمرات ، فلو أفترضنا إن نجماً بحجم الشمس سقط في بيت علي ، فما عساه أن يفعل هذا النجم بعلي وببيته وبالأرض كلها ؟

هذا السؤال يمكن طرحه على من يعتقد بهذه الأكذوبه وبمن يرددها ويعتقد بصحتها من غير تدبر أو إمعان نظر  .

فإن قلتم : إن ذلك كان معجزة إلهية  ، وهي دليل على القدرة التي لم تترك معها دماراً وخراباً  .

قلنا : صحيح ولكن يجب أن لا يكون ذلك نجماً بل يجب ان يكون حجارة صغيرة - كالحجر الأسود - ، حتى نعرف متى وأين سقط ولماذا ؟ ونعرف كل خصوصياته ومزاياه ..

وإذا كان ذلك كذلك كما تقولون : فلماذا لم يسجل لنا رسول الله طبيعة هذه المعجزة وماهيتها وخصوصيتها ؟ طالما كانت بهذه الصورة وبهذا الحجم وبهذه العظمة كما يزعمون  ، خاصةً والرواية تتحدث عن الخلافة الزمنية ، فهل يجوز لنا القول : إن الرسول - ص - قد تسامح عن هذا الأمر والشأن الديني المهم ؟ !

نعم حكاية - النجم الذي هوى في بيت علي - حكاية أسطورية غير صحيحة وغير موثقة ذلك لأنها :

1 - جاءتنا من غير سند صحيح ومعتبر .

2 - وهذه الرواية تخالف المعنى الصحيح لمفهوم النص في قوله تعالى : - والنجم إذا هوى - .

3 - وهذه الرواية تعارض الصحيح من سيرة وحياة الإمام علي عليه السلام .

4 - وهذه الرواية تعارض الصحيح من سيرة وحياة أنس بن مالك .

هذا الرواية جاءت بلسان أعداء الإمام وهدفهم فيها واضح وقصدهم معلوم ، ولكن ما بال الشيعة يرددون مثل تلك الأخبار ويروجون لها ؟